لم يكن من قبيل المصادفة أن تسمى "نقاط الاختناق"، ذلك أن أي تعطل فيها لأي سبب عارض سواء تعلق الأمر بحادث طبيعي أو بأزمة سياسية، يسبب اختناقاً في سلاسل الإمداد وعبور السفن ويتوقف عليها - إلى حد كبير- مصير الاقتصاد العالمي بين ركود وازدهار، هذه قصة المضائق المائية عندما تصبح مخالب سياسية، ولا أدل عن ذلك مما يشهده مضيق هرمز من إغلاق إيراني ومحاولات أمريكية ودولية لإعادة حرية الملاحة إليه.

وتصبح الممرات المائية جزءاً من أثر الجغرافيا في مسار التاريخ البشري، وتزداد أهميتها في وقت الأزمات والتحولات، لا سيما مضيق هرمز الذي بات حديث الساعة فضلاً عن كونه معبراً استراتيجياً يمر عبره أكثر من 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية.

دفعت حرب إيران المراقبين إلى قراءة جديدة لأهمية المضائق والممرات لتعلقها بالأمن البحري الذي يعد جزءاً لا يتجزأ من بقاء الإنسان وازدهاره الاقتصادي، ولكون النسبة الكبيرة التي تشغلها المياه في الكرة الأرضية بـ 79% على حساب يابسة، ما يجعل الأنظار تتجه إلى هذه البقعة الضيقة لتصبح نقطة حاسمة في عمليات مرور السفن وتأديتها الخدمات اللوجيستية العالمية بكل انسيابية أو تعقيدها بحكم الحرب والصراع.

لم تكن أهمية المضائق المائية وليدة اللحظة بل امتداد تاريخي يضرب جذوره في تاريخ البشرية عبر مئات السنين، حيث كانت كفيلة بحسم المعركة لمن يمتلك زمامها ويجعل من البحر مسرحاً لانتصاراته مثل حملة غاليبولي بين فبراير 1915 ويناير 1916 خلال الحرب العالمية الأولى عندما حاولت قوة أنغلو- فرنسية- نيوزيلندية السيطرة على مضيق الدردنيل عبر عمليات إنزال برمائية لتحييد المدفعية الساحلية العثمانية والاستيلاء على مناطق استراتيجية على طول شبه جزيرة غاليبولي، حيث كان الهدف تمكين القوات البحرية للحلفاء من الوصول إلى بحر مرمرة ثم مضيق البوسفور والبحر الأسود. غير أن العملية فشلت، وكان هذا الفشل هو علامة نجاة تركيا لاحقاً بعد انهيار الدولة العثمانية. وأظهر ذلك أهمية هذه الممرات في تحديد المصائر الاستراتيجية للدول، وما يترتب على محاولات السيطرة على نقاط الاختناق البحرية.

عين على هرمز

أدخلت حرب إيران التجارة العالمية على المحك أمام الاضطرابات، نتيجة اعتمادها على عدد محدود من الممرات الضيقة. ما يجعلها ورقة تفاوض ضيقة مع اتساع القوانين التي لا تفرض رسوماً بمجرد العبور، وفق اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار سوى ما تعلق بكلفة الخدمات أو السلامة بخلاف القنوات الصناعية التي تعمل ضمن نظام مختلف يقوم على السيادة المباشرة كقناة السويس وقناة بنما باعتبارهما مشروعين أنشأهما الإنسان، وبالتالي تخضعان لسيطرة الدول التي تديرهما.

إيران تريد فرض رسوم وقيود على الناقلات، في مخالفة لقوانين تنظم حرية الملاحة. فللمضيق قوانين منظمة في ظل تزايد النزاعات والتوترات السياسية لا سيما خلال الحرب العراقية - الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما استهدفت ناقلات النفط، برزت الحاجة إلى تنظيم هذه الممرات، فجاء اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS) لتكرس مبدأي المرور العابر وحرية الملاحة.

وتشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن أكثر من 80 % من التجارة العالمية تُنقل بحراً، وتؤكد دراسات المنظمة البحرية الدولية أهمية هذه القواعد في ضمان انسيابية التجارة وتقليل الأخطار الجيوسياسية ما يجعلها بالغة الأهمية لضمان انسيابية سلاسل التوريد.

نحو ممرّ آمن

للوصول إلى ممر آمن في المضيق المائي تبدو الحاجة ملحة إلى توحيد الجهود بمختلف الأدوات الممكنة وأمام المشهد الملغم في مضيق هرمز تحرص الدول دائماً على صون حرية الملاحة في المضائق الحساسة بشتى الطرق، منها نزع الألغام التي زرعتها الدول في المضائق على غرار إيران.

كما تضطر الدول أحيانا إلى إرسال أساطيل بحرية لمرافقة السفن التجارية، كتنفيذ البحرية الأمريكية عامي 1987 و1988 هذه النوعية من العمليات أثناء ما عُرف بحرب الناقلات، ومنها عقد الدول تحالفات بحرية متعددة الجنسيات لحماية طرق الملاحة، منها تحالف "حارس الازدهار" المتعدد الجنسيات الذي تأسس نهاية 2023 بمبادرة من الولايات المتحدة، لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر من ميليشيا الحوثي.