تشكل الموانئ إحدى أهم البنى التحتية في اقتصاد إيران، فهي متتالية حلقات استراتيجية تربط إيران بثلاث دوائر في آن واحد: الخليج العربي وبحر عُمان جنوباً، وبحر قزوين شمالاً، وطرق العبور البرية والسككية نحو آسيا الوسطى وروسيا والقوقاز.
تتمركز الموانئ التجارية الإيرانية في جبهتين رئيسيتين: الجنوبية على الخليج العربي وبحر عُمان، وهي الأهم من حيث الحجم والتجارة الدولية والوصول إلى الممرات العالمية؛ والشمالية على بحر قزوين، وهي الأهم في الربط مع روسيا وآسيا الوسطى وممر الشمال–الجنوب.
وتظهر المصادر الملاحية المتخصصة المعتمدة على بيانات مؤسسة الموانئ والملاحة الإيرانية، أن إيران تملك 8 موانئ تجارية رئيسية على ساحلها الجنوبي تدير الكتلة الأكبر من التجارة، لكن الأزمة الراهنة تثبت أن سطوة الموقع الجغرافي تتبخر حين تتقيد حرية الحركة؛ فالموانئ التي كانت بوابات على العالم تختنق اليوم عبر الحصار الأمريكي للموانئ الإيراني كرد على إغلاق إيران للمضيق.
في الصدارة يأتي ميناء "رجائي" في بندر عباس بمحافظة هرمزغان، على الضفة الشمالية لمضيق هرمز، وهو الميناء التجاري الأهم في إيران، ليس فقط بحكم موقعه عند بوابة الخليج، بل لأنه يشكل مركز الحاويات الأول في البلاد. وبحسب تقارير اقتصادية لمؤسسة الموانئ والملاحة تعامل في 2024 مع نحو 85 % من حركة الحاويات الإيرانية، ما يعني أن أي اضطراب في "رجائي" ينعكس على التجارة الإيرانية كلها.
إلى الغرب منه يبرز ميناء "الخميني" في محافظة خوزستان، ضمن مقاطعة ماهشهر، على الساحل الشمالي الغربي للخليج. ويطلق عليه "بوابة إيران الاستراتيجية للتجارة والصناعة"، نظراً لتخصصه في البضائع السائبة الجافة والسائلة، والحبوب، والحاويات، والمنتجات البتروكيماوية. وتتضح أهميته أكثر من موقعه القريب من القاعدة الصناعية والبتروكيماوية في خوزستان، ومن اتصاله بالشبكة الوطنية للنقل، ما يجعله ميناءً ثقيلاً للصناعة والغذاء والطاقة معاً.
ويأتي بعده ميناء "ماهشهر" بوصفه حلقة مكملة لمجمع خوزستان البحري والصناعي، وصحيح أن دوره التاريخي كان أكبر في تصدير النفط قبل صعود محطات جزيرة خرج، إلا أنه بقي منفذاً مهماً لتصدير المنتجات المكررة والبتروكيماويات والأسمدة، غير أن هذا الثقل نفسه تحوّل إلى عبء، إذ إن أي اضطراب في هرمز سينعكس مباشرة على مجمل النشاط التجاري في الميناء.
أما ميناء "بوشهر" فيقع في محافظة بوشهر على الساحل الشرقي للخليج العربي، وتنبع أهميته من طبيعته التجارية الإقليمية أكثر من ضخامته الصناعية، حيث يحتل موقعاً متقدماً في التجارة مع الضفة العربية للخليج، كما يجري العمل على تعزيزه بوصفه بوابة للصادرات الإيرانية إلى أسواق المنطقة. وإلى جانبه يبرز ميناء "دير" في المحافظة نفسها، الذي تخصص في الصادرات الزراعية والمواد الغذائية.
هناك أيضاً ميناء "خرمشهر" عند رأس الخليج وقرب الحدود العراقية، وهو أقل وزناً من ميناءي "رجائي" و"الخميني" على المستوى الوطني، لكنه مهم جداً في التجارة مع العراق وربط جنوب غرب إيران بالأسواق العراقية. وتؤكد تقارير حديثة عن التعاون الإيراني–العراقي وجود مساعٍ لتقوية المسار البحري بين خرمشهر والبصرة، ما يعكس وظيفته كمنفذ حدودي "تجاري" أكثر من كونه ميناءً عالمياً للحاويات.
رهان استراتيجي
في الجنوب الشرقي، يبرز ميناء "تشابهار" في محافظة سيستان وبلوشستان على بحر عُمان، وهو الميناء الإيراني الوحيد الواقع خارج الخليج العربي، ولذلك يمثل رهاناً استراتيجياً لإيران في تنويع منافذها البحرية. كما اكتسب أهميته الإقليمية من كونه نقطة ربط للهند بأفغانستان وآسيا الوسطى دون المرور بباكستان.
ورغم التعويل الإيراني عليه، فإن قدرته على التعويض تبقى محدودة، فالبنية التحتية، وحجم العمليات، ومستوى التكامل اللوجستي، لا تضعه في موقع يمكنه من امتصاص صدمة تعطّل الموانئ الكبرى، وبحسب بيان القيادة المركزية الأمريكية فإن الحصار يشمل كافة الموانئ الإيرانية الجنوبية سواء داخل الخليج العربي أو في خليج عمان.
الموانئ النفطية
في المشهد النفطي، تبدو الصورة أكثر حساسية، فاعتماد إيران الكبير على مرافق تصدير محددة، وعلى رأسها جزيرة خرج، يجعل أي قيود بحرية بمثابة ضغط مباشر على الإيرادات، ومع تقييد حركة الناقلات، تتراكم الشحنات، وتتراجع القدرة على التسويق، وترتفع كلفة كل برميل يتم تصديره.
ولا يقتصر الأمر على النفط الخام، بل يمتد إلى المنتجات المكررة والبتروكيماوية التي تعتمد بدورها على موانئ مثل ماهشهر وعسلويه، ما يعني أن الضرر يتسلل إلى عمق المنظومة الصناعية.
شلل لوجستي
تتراكم خسائر الحصار ككرة ثلج تحطم الهيكل المالي الإيراني؛ فمع انسداد شرايين التصدير وانعزال الموانئ عن خارطة الملاحة الدولية، قفزت تكاليف التأمين إلى مستويات فلكية، وأحجمت كبرى شركات الشحن عن المغامرة في مياه محفورة بالمخاطر.
هذا الشلل اللوجستي حوّل المنشآت البحرية التي كانت فخر الصناعة الوطنية إلى عبء تشغيلي ثقيل وعنصر ضغط داخلي ينذر بانفجار اقتصادي وشيك، بعدما جفت منابع السيولة وارتفعت كلفة البقاء.
