يواجه سكان هونغ كونغ حالياً أزمة معيشية حادة مع تسجيل المدينة أعلى تكلفة لوقود السيارات في العالم، حيث قفزت أسعار البنزين لتصل إلى 15.6 دولار أمريكي للجالون الواحد. ويأتي هذا الارتفاع الفلكي في وقت سجلت فيه أسعار الوقود في الولايات المتحدة أرقاماً قياسية منذ عام 2022 عند مستوى 4 دولارات للجالون، مما يعكس الفجوة السعرية الهائلة التي يواجهها سكان المركز المالي الآسيوي مقارنة ببقية الاقتصادات المتقدمة.

وتعزى هذه القفزة السعرية، وفقاً لبيانات موقع "غلوبال بترول برايسز" ، إلى تداعيات "حرب الطاقة" التاريخية التي اندلعت إثر الصراع العسكري الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران. وقد تسبب هذا النزاع في إغلاق فعلي لمضيق هرمز، الذي يعد أهم شريان لشحن النفط والغاز في العالم، مما دفع أسعار الخام للارتفاع عالمياً خلال الشهر الماضي، وألحق ضرراً بالغاً بالاقتصادات الآسيوية التي تعتمد بشكل حيوي على إمدادات الطاقة المستوردة من دول الخليج عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي.

وفي محاولة لامتصاص غضب الشارع، أعرب الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ، جون لي، عن قلقه البالغ إزاء تقلبات الأسعار، مؤكداً أن الحكومة تراقب الوضع عن كثب لضمان استقرار السوق.

ورغم الأزمة العالمية، أكدت الحكومة في بيان رسمي أن إمدادات الطاقة في المدينة تظل "مؤمنة"، نظراً لاعتماد هونغ كونغ على البر الرئيسي للصين في تأمين نحو 80% من احتياجاتها النفطية، وهو ما اعتبره البيان ثمرة للدعم القوي من "الوطن الأم" الذي حمى المدينة من موجات نقص الطاقة التي ضربت مناطق واسعة حول العالم.

وعلى الصعيد الاقتصادي، حذر خبراء ومحللون من أن هذه الأسعار الفلكية ستغذي موجات التضخم وتؤدي إلى زيادة حادة في تكاليف الخدمات اللوجستية ونقل البضائع، وهو ما سينعكس في النهاية على أسعار السلع الاستهلاكية.

ورغم أن مالكي السيارات الخاصة يمثلون 8.4% فقط من إجمالي السكان البالغ عددهم 7.5 مليون نسمة، إلا أن التأثيرات طالت الفئات الأكثر هشاشة، لاسيما العاملين في قطاع توصيل الطلبات الذين اشتكوا من تضاعف تكلفة الوقود دون زيادة موازية في أجورهم، مما جعل نشاطهم المهني غير مجدٍ اقتصادياً.

وفي ظل هذا الضغط المالي، برزت ظاهرة "الهروب نحو الشمال"؛ حيث أفادت تقارير ميدانية بتوجه أعداد متزايدة من أصحاب السيارات للتزود بالوقود من مدن البر الصيني المجاورة مثل "شنتشن"، حيث تنخفض التكاليف هناك إلى نحو ثلث السعر المعروض في هونغ كونغ.

وأكد جيسون كان، وهو مستشار تجاري مستقل، أن تكلفة التزود بالوقود ارتفعت بنسبة 15% عما كانت عليه قبل اندلاع الصراع، وهو ما يشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانية الأسر التي تخصص بالفعل جزءاً كبيراً من دخلها لتكاليف المعيشة المرتفعة مقارنة بجيرانها في تايوان واليابان.

ويعزو المحللون وصول هونغ كونغ لهذه المرتبة العالمية في غلاء الوقود إلى سياسات الضرائب المرتفعة وتكاليف الأراضي الباهظة، فضلاً عن رسوم التسجيل ومواقف السيارات التي تعد الأغلى عالمياً. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى جعل معدل ملكية السيارات في المدينة من بين الأدنى في الاقتصادات الغنية، مع اعتماد السكان بشكل شبه كلي على شبكة النقل العام المتطورة كبديل وحيد ومستدام للهروب من محرقة أسعار "الذهب الأسود".