تكشف التطورات المتلاحقة عن هشاشة التوازن القائم في أسواق الطاقة، خصوصاً مع تهديد أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة النفطية في العالم؛ مضيق هرمز، لتتحول الإمدادات إلى أداة ضغط استراتيجية.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تتباين تداعيات الأزمة بين رابحين وخاسرين؛ إذ تواجه اقتصادات عدة ضغوطاً متزايدة جراء ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل الإمدادات، بينما تجد دول أخرى فرصة لتعزيز موقعها في السوق العالمية وتعويض جزء من النقص في المعروض.
تمتد التداعيات من تحركات الأسعار في المدى القصير إلى سيناريوهات يعاد فيها تشكيل خريطة الطاقة العالمية، مع اتجاه الدول إلى مراجعة استراتيجياتها لتأمين الإمدادات والحد من المخاطر الجيوسياسية التي باتت تضغط بقوة على القطاع.
وبينما يبقى عامل الوقت حاسماً في تحديد مسار الأزمة، فإن المؤكد أن ما تشهده الأسواق حالياً قد لا يكون مجرد اضطراب عابر، إنما مؤشر على مرحلة جديدة من عدم اليقين في أسواق الطاقة، قد تعيد رسم موازين العرض والطلب، وتفتح الباب أمام تحولات أعمق في الاقتصاد العالمي.
وفي ظل التقلبات الراهنة، كسرت أسعار النفط للمرة الأولى منذ العام 2022، حاجز الـ100 دولار للبرميل، ولامست مستوى الـ120 دولاراً، قبل أن تسجل بعدها تراجعاً دراماتيكياً إلى مستويات الـ85 دولاراً، بدعم من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي ألمح فيها إلى أن الحرب توشك على الانتهاء، دونما أن يحدد موعداً لذلك.
وتوضح أن كل حرب تفرز رابحين وخاسرين، أو مستفيدين ومتضررين، لافتة إلى أن روسيا برزت كأحد البدائل المطروحة لتعويض جزء من الإمدادات عبر طرح مقترحات تتعلق برفع بعض العقوبات المفروضة عليها، بما يسمح بزيادة تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مؤتمر صحافي سابق، إن الولايات المتحدة ستتخلى عن بعض العقوبات المتعلقة بالنفط كوسيلة لضمان إمدادات نفطية كافية. وأصدرت الولايات المتحدة إعفاء مؤقتاً لمدة 30 يوماً يسمح ببيع النفط الروسي العالق حالياً في البحر إلى الهند، وذلك لتخفيف الضغط على سوق النفط العالمية.
وتضيف أنه حتى مع اتجاه مجموعة السبع للإفراج عن جزء من مخزوناتها، فإن ذلك لا يمنع تعرض الدول الناشئة لضغوط اقتصادية كبيرة، نتيجة ارتفاع فاتورة الطاقة وعودة موجات التضخم، وهو ما قد ينعكس سلباً على الجدارة الائتمانية لتلك الدول ويعرضها لكبوة اقتصادية جديدة.
ويشير التقرير إلى أنه «بغض النظر عما سيحدث في الأيام والأسابيع المقبلة، فإن هذه الأزمة تُذكر باتجاه مستمر: ستواصل أسواق الطاقة، إن لم تُسرّع، مسارها نحو التفتت بعد عقود من التكامل المتزايد». ومع احتدام التوترات الجيوسياسية وتراجع موثوقية الشركاء التجاريين، يصبح أمن الطاقة أولوية قصوى، مهما كانت التكلفة. وفيما كان هذا الاتجاه قائماً بالفعل، فلن تؤدي الحرب إلا إلى تسريعه.
ويشير إلى أن استئناف الإنتاج النفطي ليس عملية فورية من الناحية التقنية؛ إذ إن إعادة تشغيل الآبار والحقول النفطية تتطلب وقتاً لإعادة توازن ضغط الآبار واستئناف عمليات الضخ والإنتاج تدريجياً، وهو ما قد يطيل أمد اضطراب الإمدادات في الأسواق العالمية.
وفيما يبيّن البزركان أن الدول المنتجة تكبدت خسائر متفاوتة تبعاً لقدرتها على إيجاد منافذ تصدير بديلة، فإنه يلفت إلى أن «إيران تعد من أكبر الخاسرين في هذه الأزمة»، بينما قد تكون روسيا المستفيد الأكبر؛ إذ باتت قادرة على بيع نفط الأورال بأسعار قريبة من خام برنت بعد أن كانت تقدّم خصومات تصل إلى 12 دولاراً للبرميل، خاصة مع اتجاه الولايات المتحدة لتعليق بعض العقوبات المفروضة على النفط والغاز الروسي.
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي المتخصص في قطاع الطاقة، عامر الشوبكي، لدى حديثه مع «البيان»، أن أزمة الطاقة الحالية المرتبطة بالحرب في المنطقة «تتوقف بدرجة كبيرة على العامل الزمني»؛ أي مدة استمرار الحرب وفترة تعطل الملاحة في مضيق هرمز، موضحاً أن الأسواق العالمية تعكس هذا العامل بوضوح في تحركاتها.
ويضيف الشوبكي أن قطاع الطاقة يواجه بالفعل حالة اضطراب واسعة، في ظل إعلان القوة القاهرة على بعض الإمدادات في المنطقة، وتعطل جزء من الإنتاج، إلى جانب إجراءات احترازية اتخذتها بعض الدول المنتجة.
ويؤكد أنه حتى في حال توقف الحرب، فإن عودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية لن تكون فورية، بل ستستغرق أسابيع عدة، حيث ستعود الإمدادات بشكل تدريجي إلى الأسواق العالمية. ويشير إلى أن استمرار الحرب والانقطاعات في الإمدادات قد يقود العالم إلى أزمة طاقة غير مسبوقة منذ عقود، وهو ما يمثل أسوأ سيناريو محتمل للصراع الحالي.
ويلفت إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على الدول المنخرطة في الصراع أو المتضررة منه بشكل مباشر، بل تمتد إلى دول المنطقة مثل الأردن ومصر، وكذلك إلى الدول المستهلكة للطاقة عالمياً. وفي المقابل، قد تستفيد بعض الدول المنتجة خارج بؤرة الصراع مثل ليبيا والجزائر من ارتفاع الأسعار العالمية.
وعلى الصعيد الدولي، يعتبر الشوبكي أن روسيا تعد من أبرز المستفيدين من الأزمة، إذ أسهمت الظروف الحالية في زيادة الطلب على النفط والغاز الروسيين، خصوصاً من قبل الشركات الآسيوية في الصين والهند، كما أعادت الأزمة تسليط الضوء على حاجة أوروبا المتزايدة للطاقة.
ويشير إلى أن أوروبا والصين تعدان من أكثر الاقتصادات تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة وشح المعروض، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم، وربما يعرقل مسار السياسات النقدية التيسيرية التي كان يتبعها البنك المركزي الأوروبي.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فيرى الشوبكي أنها تتكبد خسائر مالية نتيجة الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب، والذي قد يصل إلى نحو مليار دولار يومياً، إلا أن شركات الطاقة الأمريكية في المقابل تستفيد من ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية.
