تقول كتب التاريخ إن الصين هي أول دولة في العالم استخدمت جلود الحيوانات لطبع نقود غير معدنية، وأول دولة أيضاً طبعت النقود الورقية. كان ذلك في عام 806 ميلادية في حقبة الإمبراطور «تانغ»، وأطلق عليها حينذاك اسم «العملة الطائرة» بسبب سهولة طيرانها في الهواء بفعل الرياح.

وشهدت فترة حكم الإمبراطور «سونغ» تداولاً أوسع للنقود الورقية في الصين عام 1023، وكانت عبارة عن «صكوك» تثبت قدرة التاجر على الدفع من أجل شراء سلعة أو بضاعة بطريقة توفر المجهود في نقل وحمل العملات المعدنية، التي كان يتم تقييمها بقدر من الذهب أو الفضة، وخوفاً أيضاً من تعرض التجار لسرقة هذه المعادن النفيسة أو حتى ضياعها في أثناء رحلاتهم بين البلاد.

هذه الصكوك أو الأوراق كانت تثبت قيمة السلعة أو الخدمة، وتُدوَّن عليها أختام محددة ومتعارف عليها تثبت قدرة حاملها على دفع المال المطلوب، ويذهب التاجر البائع بموجبها إلى المكان المودع فيه الذهب والفضة، ويأخذ ما يعادل قيمة السلعة.

لكن لم تخلُ هذه الطريقة من عمليات تزوير لهذه الصكوك، حيث كان التاجر يسلم بضاعته للمشتري، ويأخذ صكاً بقيمتها من الذهب أو الفضة، لكن حين يتوجه إلى الصراف يكتشف أن المشتري خدعه وأعطاه صكاً لا يساوي ثمن الورق المكتوب عليه. لذا قررت الحكومات والسلطات المسؤولة عن الاقتصاد في البلاد إصدار الصكوك بنفسها لضمان حقوق ملكية أو أسعار البضائع للتجار وتفادي وقوع عمليات التزوير.

نظام المقايضة

ظلت العملات الورقية حكراً على تجار الصين، في حين كانت أوروبا وبقية بلاد العالم تتعامل بنظام المقايضة أو بالعملات الذهبية والفضية، إلى أن سافر إلى هناك التاجر الرحالة الإيطالي الشهير «ماركو بولو» الذي عاد بفكرة العملات الورقية إلى أوروبا في القرن الثالث عشر، في أثناء حكم الإمبراطور الصيني «يوان»، وذكرها في كتبه الاستكشافية. ل

كن كانت أول عملة ورقية ظهرت في أوروبا بالعاصمة السويدية «ستوكهولم» عام 1661م، حيث تمت أول محاولة لطبع عملات ورقية من جانب البنوك المركزية في «ستوكهولم» تحت رقابة البنك المركزي السويدي، الذي أصدر معايير تقييم من ثلاثة معادن هي النحاس والفضة والذهب حسب قيمة السلعة تصاعدياً بهذا الترتيب، ولكن بعد ثلاثة أعوام فقط، أي في عام 1664 أفلس البنك المركزي في السويد بسبب طباعته الكثير من تلك العملات الورقية بشكل واسع النطاق أدى إلى وفرة المعروض منها من دون مقابل معدني، فحدث ما عُرف لأول مرة في تاريخ البشرية باسم «التضخم النقدي»، إلى أن تأسس بنك مركزي آخر في عام 1668، لكنه توقف عن طباعة النقود الورقية حتى القرن التاسع عشر؛ مخافة تكرار الفشل والإفلاس، وتم تأمين الأموال الورقية أو حتى المعدنية، بما يقابلها من أصول متنوعة من المعادن النفيسة، واستُخدمت في طباعتها أحبار مختلفة الألوان لتحديد أشكالها وفئاتها.

رواية أخرى

هناك رواية أخرى عن ظهور أول أوراق مالية في التاريخ، وكانت بطلتها الصين أيضاً؛ حيث يقال إنه خلال حقبة سلالة «هان» ظهرت أوراق دفع في عام 118 قبل الميلاد، وكانت تُصنع من الجلد. كما قيل أيضاً إن روما استخدمت مادة خفيفة الوزن ومتينة كأوراق دفع في عام 57 م، وتم العثور عليها في لندن.

لكن هناك مزاعم أخرى تتحدث عن قرطاج، التي يقال إنها أصدرت أوراقاً مصرفية من ورق «البرشمان» أو الجلد في عام 146 قبل الميلاد. لكن الأقرب إلى الحقيقة هو أن أول ورقة نقدية معروفة ظهرت في الصين خلال حقبتي سونغ وتانغ، ابتداءً من القرن السابع الميلادي، وكانت عبارة عن إيصالات تجارية للودائع تجنباً لحمل أثقال من العملات النحاسية.

رحلة الدولار

في عام 1660 أُصدرت الأوراق النقدية لأول مرة في أمريكا وذلك في مستعمرة خليج ماسشوتس، وهي واحدة من المستعمرات الـ 13 التي تتألف منها أمريكا في ذلك الحين، وكانت تصدر من مصارف خاصة، لذلك لم تكن محل ثقة من التجار.

وفي عام 1776 وبعد الاستقلال عن بريطانيا بدأ المصرف المركزي إصدار «الدولار» ولم يكن مغطى بالذهب كالنقود القانونية، فلم يتحمس الناس للتعامل به، حتى صدر قانون أقره الكونغرس بتجريم كل من لا يقبل الدولار كعملة واعتباره «عدواً للدولة».

وبسبب حرب الاستقلال أُجبرت الحكومة على طباعة كميات كبيرة من الدولار، فكانت النتيجة المنطقية حدوث تضخم هائل فقد الدولار على إثره قيمته، إلى أن رُبط بالذهب والفضة في عام 1789 على يد ألكسندر هاميلتون، واستمر هذا الوضع حتى عام 1860 حين أجبرت الحرب الأهلية الحكومة الأمريكية على طباعة كميات كبيرة من النقود مرة أخرى لم تكن مغطاة بالذهب أو الفضة.

وظهر في ذلك الوقت الدولار الأخضر المعروف حتى الآن، وبسبب التضخم الهائل، أعيد ربطه بالذهب والفضة في عام 1879، ثم أعيد فك الربط بشكل مؤقت في عام 1933 على يد الرئيس فرانكلين روزفلت للتخلص من آثار الكساد العظيم، ليعاد ربطه من جديد في العام التالي ولكن بتعديل كبير في سعره، وكذلك بمنع الأمريكيين من استخدام الذهب أو الفضة بدلاً منه، أو حتى الاحتفاظ بكميات كبيرة من هذين المعدنين، إلى أن جاء عام 1971، حيث قام الرئيس نيكسون بإعادة فك ارتباط الدولار بالذهب، واستمر كذلك حتى الآن.