شهد مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات تطوراً كبيراً منذ صياغته لأول مرة على يد الاقتصادي الأمريكي هوارد بوين في العام 1953 في كتابه «المسؤوليات الاجتماعية لرجل الأعمال»، ليشمل أطر الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، ثم نماذج الاستدامة الشاملة. واليوم يتجه العالم نحو اقتصادات قائمة على التأثير المستدام، والتي تؤدي فيها المسؤولية الاجتماعية للشركات، وجهود الاستدامة دوراً بارزاً يجعلها في صميم كل القرارات الخاصة بالشركات، والمستهلكين، والمجتمع المدني، والحكومات.

وتُعد دولة الإمارات، بفضل رؤية وتوجيهات قيادتها الرشيدة، نموذجاً رائداً في القيادة المبتكرة واستراتيجيات التنمية المستقبلية، حيث أولت اهتماماً خاصاً بالمسؤولية الاجتماعية والاستدامة ووضعتهما ضمن أولويات أجندتها الوطنية. وتجسد هذا الاهتمام قبل نحو خمس سنوات بإطلاق الصندوق الوطني للمسؤولية المجتمعية «مجرى»، والذي يهدف إلى تحفيز الشراكات الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص والقطاع الخيري، بما يؤدي إلى تعزيز مساهمات القطاع الخاص في تنمية القطاع الخيري، والمجتمع الإماراتي ككل.

ويؤكد تقرير أصدرته شركة «ماكينزي» في العام 2018 أهمية توفر ثلاثة عناصر رئيسية لبناء اقتصاد متكامل قائم على التأثير المستدام، وهي صياغة سياسات وأطر تنظيمية عامة، تتضمن نظاماً متكاملاً من الحوافز والعقوبات، والالتزام الشامل بمعايير موحدة للتشغيل والقياس، وإعداد التقارير، تطبق على جميع الأطراف المعنية من مديري الصناديق ورواد الأعمال الاجتماعيين والوسطاء في اقتصاد التأثير، وتأسيس هيئة متخصصة تتولى تعزيز السياسات، ووضع معايير التميز في اقتصاد التأثير المستدام، وتشجيع جميع المشاركين على تبنيها.

ترجمة لهذه الرؤية نظم الصندوق في نوفمبر 2024 خلوة استراتيجية بعنوان «خلوة الأثر»، جمعت نخبة من كبار المسؤولين الحكوميين، وخبراء الاستدامة من القطاع الخاص وقادة المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وأثمرت عن مجموعة من المشاريع الوطنية، التي ستخضع لمراجعة حكومة دولة الإمارات، تمهيداً لقيادة القطاع الخاص لها، بالتعاون مع صندوق «مجرى».

وقالت سارة شو، المدير التنفيذي لمجرى- الصندوق الوطني للمسؤولية المجتمعية، إن الشراكات بين القطاعين العام والخاص والقطاع الخيري توفر إمكانية توحيد الجهود لمواجهة التحديات المجتمعية المعقدة بطريقة أكثر شمولية، إذ تتيح نهجاً متكاملاً يجمع كل الأطراف المعنية وتضمن الموارد والخبرات الضرورية لمعالجة القضايا المتداخلة، التي تشمل التفاوت الاجتماعي، والتنويع الاقتصادي، وتغيُّر المناخ وغيرها.

ويقود «مجرى» نموذجاً تعاونياً رائداً لتطوير منظومة تأثير تتمتع بالاكتفاء الذاتي والمرونة، وتوفر الرؤى والتقارير لصناع القرار وأصحاب المصلحة، بما في ذلك المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، مما يعزز اتخاذ القرارات ويسهل التعاون بين مختلف الجهات، وأشارت شو إلى أنه من خلال التعاون مع جهات محلية بارزة مثل هيئة المساهمات المجتمعية «معاً»، ومنصة «جود» للمساهمات المجتمعية، يهدف «مجرى» إلى وضع إطار عمل فعال يعزز مشاركة جميع الأطراف، التي أصبحت مهيأة تماماً للتحول إلى اقتصاد مؤثر في دولة الإمارات.

وأضافت سارة شو أن توحيد جهود القطاعين العام والخاص يسهم في تعزيز المبادرات الاجتماعية ودعم العمل الخيري بشكل فعال، حيث يقدم القطاع الخاص الخبراء المتخصصين عبر فرص التطوع، بالإضافة إلى الموارد المالية والابتكار، بينما يوفر القطاع الحكومي البنية التحتية، والسلطة التنظيمية، والرؤية الدقيقة للاحتياجات المجتمعية. ومن خلال التنسيق الوطني، الذي يقوده «مجرى» يتم ضمان الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وتجنب ازدواجية الجهود، ومعالجة القضايا المجتمعية بشكل شامل وفعّال.

وفي دولة الإمارات يعد بناء رؤية موحدة حول مفهوم الأثر عاملاً حاسماً في تشكيل اقتصاد وطني يتبنى مبادئ التأثير المستدام. ويمكن اعتماد مفهوم «خلق القيمة المشتركة» كإطار عمل يهدف إلى تحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية مشتركة للشركات والمجتمعات، بما يسهم في تطوير نهج المسؤولية الاجتماعية للشركات.

وأكدت شو أن الصندوق الوطني للمسؤولية المجتمعية «مجرى» يتميز بدور ريادي في إطلاق مبادرات سباقة تهدف إلى تحقيق تأثير مستدام، من أبرزها مبادرة «البوابة الرقمية للأثر المستدام»، وهي منصة رقمية متطورة تشجع القطاع الخاص على المساهمة الفعالة في تنفيذ مبادرات المسؤولية الاجتماعية المبتكرة تماشياً مع المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، وأهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة، والأولويات الوطنية لدولة الإمارات.

خلاصة القول إن الاقتصادات الناجحة التي تتبنى مبادئ التأثير المستدام تعتمد على إطار عمل تعاوني منظم يستند إلى البيانات، ويضمن توحيد جهود جميع الأطراف المعنية لتحقيق الأهداف المنشودة. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في العام 2025 بسبب الحاجة إلى مواءمة المشاريع الوطنية ذات الأثر المحلي مع أهداف التنمية المستدامة العالمية، التي وضعتها الأمم المتحدة. ومما لا شك فيه أن الحكومات والمؤسسات الخاصة التي ستتمكن من تبني هذه التغيرات والتكيف معها ستعيد تشكيل مشهد اقتصاد التأثير المستدام عالمياً، وستكون استراتيجياتها بمثابة مرجع للنمو المستقبلي، لتعزيز إقامة الشراكات المثمرة بين القطاع الخاص والجهات الحكومية والمنظمات المجتمعية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، والرخاء الاجتماعي.