يتحول المساعد الذكي من أداة للبحث والمقارنة إلى وكيل قادر على تنفيذ عمليات الشراء بالإنابة عن المستهلك، في تحول قد يعيد رسم مستقبل التجارة والمدفوعات الرقمية في الإمارات.

وحسب دراسة PYMNTS Intelligence بالتعاون مع Visa أبدى 94% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي في الدولة استعدادهم لتفويض وكيل ذكي في إجراء مشتريات بالإنابة عنهم، لكن هذا التفويض يبقى مرهوناً بالتحكم في الإنفاق؛ إذ يشترط 82% وضع سقف للمشتريات. بينما يحدد 52% هذا السقف عند 100 دولار أو أقل للعملية الواحدة.. «البيان» ترصد هذا التحول الكبير، وتنقل آراء الخبراء والمستهلكين.

البداية مع ريمو جيوفاني أبونداندولو، المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى «تشيك أوت دوت كوم»، الذي يرى أن المستهلك في الإمارات يتمتع بثقة كبيرة بالتقنيات الرقمية.

وقال: وفقاً لأبحاث «تشيك أوت دوت كوم» فإن أكثر من نصف المستهلكين (54%) على استعداد للسماح لوكيل ذكاء اصطناعي بالتسوق بالإنابة عنهم، لكنهم يرغبون في الاحتفاظ بزمام التحكم؛ فهم ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مساعداً، وليس مديراً لأموالهم. بينما توفر حدود الإنفاق والموافقات على الطلبات وإيصالات الشراء الفورية ضوابط أمان مهمة، كما تبين أن المستهلكين مستعدون لتبنّي التسوق الآلي، شريطة ألّا يؤدي إلى رسوم غير متوقعة أو مخاطر أمنية.

تحوُّل في المنافسة

وأضاف ريمو: يبدو أن الاتجاه يتحرك بالفعل نحو أن يصبح وكيل الذكاء الاصطناعي هو من يختار المتجر ووسيلة الدفع والعرض الأفضل بدلاً من المستهلك، وهذا من شأنه أن يُحدث تحولاً في طبيعة المنافسة في قطاع التجزئة؛ فعندما يتولى الذكاء الاصطناعي قرارات الشراء، يتحول ولاء المستهلك للعلامة التجارية من واجهات المتاجر المصممة بعناية والإعلانات الجذابة إلى الأداء الرقمي السلس.

وفي المستقبل القريب سيتنافس تجار التجزئة على تقديم أفضل الأسعار في الوقت الفعلي، وبيانات المخزون الأكثر دقة، وأعلى معدلات نجاح عمليات الدفع، حتى يتمكن وكلاء الذكاء الاصطناعي من اختيارهم أولاً.

ووفقاً لأحدث أبحاث «تشيك أوت دوت كوم» يفضل 96% من المستهلكين بالإمارات تجارب الدفع غير المرئية، ونحن نتجه نحو بيئة للبيع بالتجزئة قائمة على مفهوم «الدفع بنقرة صفرية»؛ حيث تتم عمليات الشراء اليومية تلقائياً في الخلفية، وهو توجه يتناسب مع سوق يعتزم فيه 67% من المستهلكين زيادة تسوقهم عبر الإنترنت هذا العام.

الثقة المشروطة

أما غازي اليمان، الرئيس التنفيذي لشركة «براند مي»، فيرى أن المستهلك يثق بالذكاء الاصطناعي ولسان حاله يقول له :«أنا أثق بك لتساعدني، لكن هذه ميزانيتك». وهذا ما نفعله عندما نمنح موظفاً صلاحية الشراء؛ فالتفويض لا يعني إعطاء شيك على بياض.. قد أسمح لوكيل ذكاء اصطناعي بشراء احتياجات المنزل بقيمة 200 درهم، لكنني أريده أن يسألني قبل شراء كمبيوتر محمول بقيمة 5000 درهم.

ويعتمد مستوى الثقة هنا على طبيعة المشتريات وقيمتها؛ فالناس يريدون الراحة التي يوفرها التفويض، مع الاحتفاظ بالسيطرة على أموالهم.

وعن تأثير الذكاء الاصطناعي في المنافسة بين التجار يقول اليمان: ضمن الصلاحيات التي يمنحها المستهلك؛ يمكن لوكيل الذكاء الاصطناعي مقارنة المتاجر والعروض وشروط التوصيل وخيارات الدفع قبل إتمام عملية الشراء. وهذا قد يمنح المتاجر الصغيرة فرصة أكبر للمنافسة؛ فإذا كان لديها المنتج المناسب وتم عرضه أفضل بشكل عام، فقد تتفوق على علامة تجارية أكبر بكثير، لكن على التجار توفير معلومات واضحة ومحدّثة عن المنتجات والأسعار والمخزون، وتسهيل وصول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى هذه المعلومات وإتمام الشراء.

أما عن الأمان والمسؤولية والحماية من الاحتيال فيقول غازي اليمان: وضع سقف للإنفاق مفيد، لكنه لا يخبرك بما إذا كان البائع موثوقاً به أم لا؛ فقد يلتزم وكيل الذكاء الاصطناعي بالميزانية، ومع ذلك يشتري من موقع احتيالي.

لذلك نحتاج إلى عدة مستويات من الحماية: التحقق من موثوقية البائع، وتحديد صلاحيات الشراء بوضوح، ومراقبة العمليات المشبوهة، وتوفير طريقة سهلة لإيقاف أي مشتريات إضافية. وعندما يحدث خطأ يحتاج المستهلك إلى مسار واضح للحصول على الدعم والاعتراض على العملية وتسوية النزاع. ويجب على مزوّدي الخدمة توضيح وتحديد مَن يتحمل المسؤولية، والاحتفاظ بسجلات لما وافق عليه المستهلك.. نعم، قد يصبح التسوق أسرع بكثير، لكن الثقة المستدامة ستعتمد على مدى حماية المستهلك عندما تحدث الأخطاء.

التجارة الرقمية

قال فلاديسلاف توشكانوف، مدير مجموعة مركز أبحاث تقنيات الذكاء الاصطناعي لدى كاسبرسكي: إن استعداد المستهلكين في الإمارات لتفويض وكلاء الذكاء الاصطناعي بإجراء عمليات الشراء يعكس تنامي الإقبال على حلول توفر مزيداً من الراحة والتخصيص في التجارة الرقمية، إلا أن هذا التحول يضع الثقة والأمن في مقدمة التحديات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمدفوعات.

وأوضح أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يكونون قادرين على البحث عن أفضل العروض ومقارنة الخيارات، لكنهم في الوقت نفسه قد يتعرضون للتلاعب عبر مواقع احتيالية أو محتوى خبيث مصمم للتأثير في قراراتهم. فعلى سبيل المثال، قد تتضمن إحدى صفحات المنتجات أوامر مخفية تدفع الوكيل إلى تفضيل عرض أقل جودة، كما قد يؤدي توجيهه إلى موقع للتصيد الاحتيالي إلى تحويل أموال أو مشاركة بيانات مالية مع جهات غير موثوقة.

وأضاف أن توسع التجارة القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي يستدعي بقاء المستهلك مسيطراً على قرارات الإنفاق، من خلال اشتراط الموافقة الصريحة قبل تنفيذ أي عملية دفع، واستخدام وسائل دفع آمنة تقلل من كشف بيانات البطاقات، إلى جانب التحقق بشكل مستقل من موثوقية المتاجر والمنصات قبل مشاركة المعلومات المالية، مشيراً إلى أهمية حماية الأجهزة ببرامج موثوقة للأمن السيبراني، وتأمين الحسابات بكلمات مرور قوية وتفعيل المصادقة الثنائية.

حدود واضحة

من جانبها قالت إيديتا روكشا دوريتش، رئيسة وحدة نمو العملاء بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «إنفوبيب» المختصة في تكنولوجيا الاتصالات السحابية: تتجه الإمارات بسرعة نحو مستقبل يصبح فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي جزءاً من عمليات البيع والشراء اليومية. غير أن البيانات تُظهر أن ثقة المستهلكين بهذه التقنية مشروطة عندما يتعلق الأمر بأموالهم؛ فقد أصبحوا أكثر تقبلاً للاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إنجاز المهام الروتينية، والتعامل مع بياناتهم الشخصية، ومساعدتهم على اتخاذ قراراتهم اليومية.

لذلك – تضيف دوريتش - تظل الرقابة البشرية ضرورية، لا سيما في المعاملات المالية. وفي حين يمكن للذكاء الاصطناعي إنجاز العمليات الروتينية منخفضة المخاطر، تستدعي المشتريات مرتفعة القيمة أو غير المعتادة أو الحساسة خطوات إضافية للتحقق، أو موافقة العميل، أو تدخلاً بشرياً، كما ينبغي أن تتناسب صلاحيات وكيل الذكاء الاصطناعي مع مستوى المخاطر في كل معاملة.

وأضافت: نتوقع أن تتطور التجارة أيضاً نحو تواصل مباشر بين وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يمثلون المستهلكين والوكلاء الذين يمثلون الشركات؛ فقد يصبح وكيل المستهلك قادراً على اختيار المتجر، ومقارنة أفضل العروض المتاحة، وتحديد الوسيلة الأنسب للدفع، ثم إتمام عملية الشراء بالإنابة عن العميل. وقد يغير ذلك طريقة تنافس التجار؛ إذ لن يكفي أن تجذب الشركات انتباه المستهلكين، بل سيتعين عليها أيضاً أن تظهر ضمن أنظمة اتخاذ القرار المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بوصفها خياراً مناسباً وجديراً بالثقة. وهذا التحول يتطلب من الشركات الاستثمار في منصات تتيح التواصل بين وكلاء الذكاء الاصطناعي وتنسّق تفاعلاتهم، مع حماية هوية العملاء وأمنهم وثقتهم. ويجب أن تعمل هذه المنصات عبر قنوات آمنة ومتوافقة مع المتطلبات التنظيمية، وأن تراعي سياق تعاملات كل عميل، وترصد المشتريات المشبوهة أو غير المعتادة، وتكشف عن وكلاء الذكاء الاصطناعي غير المصرح لهم أو المستخدمين لأغراض ضارة، وتُحيل القرار إلى «إنسان» عندما يتطلب الأمر تقديراً بشرياً.

المستهلكون يشترطون

تُترجَم الأرقام التي تضمنتها الدراسات والأبحاث المختلفة إلى مواقف مختلفة لدى المستهلكين؛ إذ ترى عبير حسن أن تفويض وكيل الذكاء الاصطناعي بالمشتريات اليومية والمتكررة، مثل احتياجات المنزل والطلبات المعتادة، يمكن أن يوفر الوقت والجهد، شريطة أن تكون هناك ميزانية محددة مسبقاً لا يستطيع الوكيل تجاوزها، وأن تصل إلى المستخدم تفاصيل واضحة عن كل عملية يتم تنفيذها.

أما نورا البلوشي فتفضل أن يبقى دور الذكاء الاصطناعي محصوراً في مرحلة البحث والمقارنة بين الأسعار والعروض وشروط التوصيل، مع إبقاء قرار الشراء النهائي بيد المستهلك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسلع مرتفعة القيمة أو منتجات تحتاج إلى مقارنة دقيقة بين أكثر من خيار.

من جانبه يشدد محمد فتحي على أن الأمان يمثل العنصر الأهم قبل منح أي وكيل ذكي صلاحية الشراء. موضحاً أنه يفضل الموافقة المسبقة على مشاركة بيانات الدفع والحصول على إشعار فوري بكل عملية، مع وجود إمكانية واضحة لإيقاف الشراء أو الاعتراض عليه إذا ظهرت أي معاملة غير معتادة.

في حين يميل أحمد الفهيم إلى ما يصفه بـ «التفويض المحسوب»، الذي يسمح للذكاء الاصطناعي بإنجاز المهام الروتينية وتوفير الوقت، مع الإبقاء على حدود واضحة للإنفاق والصلاحيات، بما يحقق التوازن بين سهولة الاستخدام والسرعة من جهة، والسيطرة على الأموال والبيانات من جهة أخرى.