خبراء ومحللون:
التنويع والاستباقية.. سر صمود الاقتصاد الإماراتي أمام الصدمات
الاقتصاد الإماراتي يخالف توقعات الركود ويواصل التوسع
مرونة استثنائية للاقتصاد الإماراتي وسط تحديات المنطقة
استمرارية النمو تحت الضغط عبور ناجح لتداعيات الأزمات
الارتفاعات تصل إلى الضعف في معدلات نمو القطاعات النشطة
ارتدادات قوية متوقعة بمؤشرات قياسية للنمو ما بين عامي 2026 و2027
الإمارات ترسخ مكانتها الاقتصادية بفضل قوة القطاعات البديلة
منظومة اقتصادية متنوعة تحول الضغوط الإقليمية إلى فرص للنمو
يقول المثل العربي الدارج «يا جبل ما يهزك ريح».. بتلك العبارة وصف محللون وخبراء اقتصاديون نجاح الاقتصاد الإماراتي بمواصلة استمرارية النمو السنوي بالناتج المحلي خلال النصف الأول من العام الجاري، رغم كل رياح التحديات التي عصفت بالمنطقة، نتيجة التوترات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية، مؤكدين أن الحفاظ على الاستمرارية حتى بشكل طفيف في أوقات الأزمات، هو عبور في حد ذاته للأزمة.
وأشاروا أن نتائج الاقتصاد الإماراتي خلال النصف الأول من عام 2026، أتثبت أهمية التنويع في دعم مرونة الاقتصاد وسط الضغوط الخارجية، وتكمن دلالة هذه النتائج في الدور الذي تؤديه قاعدة الإنتاج المتنوعة في دعم توازن الاقتصاد.
بيانات النمو
ووفق البيانات الرسمية، أعلن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدولة الإمارات بلغ 961.9 مليار درهم بالأسعار الثابتة خلال النصف الأول من عام 2026، مسجلاً نمواً بنسبة 0.4 %، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، فيما نما الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 1.8 %، لترتفع مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 79.2 % من الاقتصاد الوطني، مقارنة بنسبة 78.1 % خلال الفترة ذاتها من العام السابق.
وأظهرت بيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، أن مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ارتفعت إلى 79.2 % خلال النصف الأول من عام 2026، فيما بلغت مساهمة الأنشطة النفطية 20.8 %.
وسجلت الأنشطة المالية وأنشطة التأمين أعلى معدلات النمو بين أبرز الأنشطة الاقتصادية خلال النصف الأول من عام 2026، بنسبة بلغت 14.8 %، تلتها أنشطة المعلومات والاتصالات بنسبة 7.3 %، ثم أنشطة الصحة والخدمات الاجتماعية بنسبة 6 %، وأنشطة التشييد والبناء بنسبة 5.1 %، وأنشطة الحكومة بنسبة 3.6 %، فيما سجلت الأنشطة العقارية نمواً بنسبة 2.3 %.
ومن حيث المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي خلال النصف الأول من عام 2026، تصدرت أنشطة التجارة بنسبة مساهمة بلغت 16.2 %، بنسبة نمو بلغت 0.6 %، تلتها الأنشطة المالية وأنشطة التأمين بنسبة 15.2 %، بنسبة نمو بلغت 8.5 %، مقارنة بحصة بلغت 14 %، وتعكس الأرقام التي حققها القطاع زخماً واضحاً، جعلته القطاع الأنشط من حيث الحركة والنمو بين قطاعات الأنشطة غير النفطية بالدولة، حيث حقق حجم ناتج القطاع ما يقارب ضعف نسبة النمو التي حققها بنفس الفترة من 2025، حيث نما حجم الناتج بنسبة قاربت 15 % في الشهور الستة الأولى من عام 2026، مقابل نسبة نمو بلغت 8.3 % بنفس الفترة من العام الماضي.
بينما حقق قطاع التشييد والبناء ارتفاع حصة مساهمته إلى 13.1 %، بنسبة نمو بلغت 11 % عن إجمالي حصة في الناتج المحلي الإجمالي، بلغت 11.8 % عن نفس الفترة من العام الماضي، بينما نمت حصة الأنشطة العقارية بشكل طفيف بنسبة 1.2 %، من 7.8 % بالشهور الستة الأولى من العام الماضي، إلى 7.9 % في نفس الفترة من العام الجاري.
سياسات التنويع
وأكد الخبراء والمحللون، أن النمو لم يعكس فقط نسبة مقارنة سنوية بين مؤشرات الناتج المحلي، بل ألقى الضوء على مدى نجاعة سياسات التنويع التي طبقها الاقتصاد المحلي، والذي دفع القطاعات الاقتصادية القيادية لتعظيم دورها في دعم الرافد الاقتصادي المحلي، وتعويض أي فجوات انعكست على القطاعات الاقتصادية التي لامست الأزمة بشكل مباشر، حيث يظهر أداء تلك القطاعات البديلة تسارعاً واضحاً، أسهم بنمو ناتجها المحلي خلال النصف الأول من العام، بفارق يقارب سقفه الضعف في قطاعات نشطة عن معدل النمو الذي حققته خلال نفس الفترة من العام الماضي.
وتابعوا أن امتلاك دولة الإمارات رؤية اقتصادية عشرية واضحة، ضمن توجهاتها الاستراتيجية طويلة المدى، يعزز قدرتها على التخطيط الاستباقي، وتنويع القطاعات الإنتاجية، واستدامة الاستثمارات، والتعامل بكفاءة مع التحولات الاقتصادية المستقبلية، بعيداً عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال الآنية.
وتثبت نتائج نمو القطاعات القيادية والمساندة، والتي أسهمت باستمرارية نمو الناتج المحلي، بأن الاقتصاد الوطني قادر على الدلالة بمتانته ومخالفة التوقعات السائدة بالركود الاقتصادي إقليمياً، حيث حافظ الأداء الكلي لاقتصاد الدولة منذ بداية العام على النمو الإجمالي، رغم التباطؤ الذي صاحب الربع الثاني من العام، معاصراً تداعيات التوترات الجيوسياسية، فيما تعزز استمرارية النمو، متلافياً حركة التراجع التوقعات الإيجابية المستقبلية، ومنها توقعات صندوق النقد الدولي، الذي وضع نسبة نمو قياسية للاقتصاد الإماراتي بقرابة 8 % خلال العام المقبل.
قدرة استثنائية
المحلل المالي الدكتور عبد الله القمزي، أوضح أن نجاح دولة الإمارات خلال النصف الأول من عام 2026 في إثبات مرونة اقتصادية عالية وقدرة استثنائية على امتصاص الصدمات والتداعيات الدولية والإقليمية، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 961.9 مليار درهم، محققاً نمواً بنسبة 0.4 %، رغم ضغوط سلاسل الإمداد، وتباطؤ الأسواق العالمية. وتجلت متانة الهيكل الاقتصادي في هيمنة القطاع غير النفطي الذي استحوذ على 79.2 % من إجمالي الناتج المحلي، بنمو حقيقي بلغ 1.8 %، ما يعكس نجاح سياسات التنويع واستدامة حركة الاستثمار وتدفق رؤوس الأموال، وقد يقود هذا الأداء المتميز عدد من القطاعات الحيوية، في مقدمها الأنشطة المالية والتأمين، بفضل المصدات المصرفية القوية، يليه قطاع المعلومات والاتصالات، استناداً إلى تسارع التحول الرقمي، إضافة إلى نمو القطاع الصحي بنسبة 6.0 %، واستمرار زخم التشييد والبناء بنسبة 5.1 %. ما يضمن استمرار النمو والتنافسية المرتفعة، بفضل قوة القطاعات المالية والتكنولوجية والعقارية.
وأضاف أن معطيات النصف الأول تؤكد أن الاستراتيجية الاقتصادية لدولة الإمارات، نجحت في تأسيس قاعدة تنويع صلبة، تعمل كصمام أمان ضد التقلبات الخارجية واستشرافاً للمستقبل، تشير المؤشرات إلى استمرار الزخم الإيجابي، وترسيخ مكانة الدولة كمركز إقليمي وعالمي مستدام للاستثمار والأعمال، معتمدة على تسريع التحول الرقمي، واستقطاب الكفاءات ورؤوس الأموال، وتعزيز منظومة التشريعات المرنة، التي تضمن للقطاعات الحيوية مواصلة النمو والتنافسية المرتفعة على المدى المتوسط والطويل.
مرونة الاقتصاد
فيما قال الخبير الاقتصادي محمد الجابري إن نتائج الاقتصاد الإماراتي خلال النصف الأول من عام 2026، تشير إلى أهمية التنويع في دعم مرونة الاقتصاد، وسط الضغوط الخارجية. وتكمن دلالة هذه النتائج في الدور الذي تؤديه قاعدة الإنتاج المتنوعة في دعم توازن الاقتصاد.
وتتضح أهمية تعدد محركات النمو في تفاوت أداء القطاعات، إذ نمت الأنشطة المالية والتأمين بنسبة 14.8 %، والمعلومات والاتصالات بنسبة 7.3 %، والتشييد والبناء بنسبة 5.1 %، ويشير استمرار التوسع في هذه الأنشطة إلى قدرة قطاعات مختلفة على إسناد النشاط الاقتصادي، عندما تتعرض قطاعات أخرى للضغط، فتنوع مصادر الطلب والاستثمار، يتيح توزيع المخاطر، ويخفف أثر الاعتماد على نشاط واحد، والحفاظ على نمو إيجابي خلال النصف الأول، يعكس قدرة على تخفيف أثر الضغوط، ويؤكد في الوقت نفسه أهمية مواصلة دعم القطاعات المتأثرة، وتسريع استعادتها لزخمها.
ويرى الجابري أن متانة الاقتصاد تتعزز أيضاً بقدرة المؤسسات على الاستجابة للمتغيرات، فالمستثمر يحتاج إلى وضوح التشريعات، واستقرار الإجراءات، وإمكانية التخطيط لأعماله على المدى الطويل، وكلما حافظت بيئة الأعمال على هذه المقومات، ازدادت قدرة الشركات على مواصلة الاستثمار والتوظيف خلال فترات عدم اليقين. وتكتسب كفاءة الخدمات الحكومية وسرعة معالجة التحديات التشغيلية أهمية خاصة في حماية استمرارية النشاط.
فيما تتطلب المرحلة المقبلة تعميق التنويع عبر توسيع الإنتاج المحلي، وتنمية الخدمات القائمة على المعرفة، وتعزيز فرص الشركات الصغيرة والمتوسطة في التمويل وسلاسل التوريد، كما أن الاستثمار في المهارات والتقنيات التي ترفع الإنتاجية، يساعد الشركات على تحسين قدرتها التنافسية. وتمنح هذه الأولويات الاقتصاد مصادر نمو أوسع، وتزيد القيمة التي يضيفها الاستثمار إلى السوق المحلية، فالجمع بين توسيع قاعدة الإنتاج وتمكين الكفاءات الوطنية، يمنح الإمارات أدوات إضافية للتعامل مع المتغيرات الدولية، وتبقى الأولوية تحويل هذه القدرات إلى استثمارات منتجة، وفرص عمل مستدامة، بما يعزز متانة الاقتصاد، ويجعل ثمار التنمية أقرب إلى المجتمع.
التكيف مع التحديات
من جانبه، تحدث الخبير الاقتصادي أحمد الدرمكي قائلاً، يعكس النمو الذي حققه الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات خلال النصف الأول من العام، قوة ومتانة الاقتصاد الوطني، وقدرته على التكيف مع التحديات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وهو ما يؤكد نجاح الدولة في بناء منظومة اقتصادية متنوعة ومرنة، قادرة على امتصاص الصدمات، والمحافظة على استدامة النمو، وقوة الرؤية الاستشرافية للقيادة الرشيدة، ونظرتها الثاقبة في قراءة المتغيرات الاقتصادية والإقليمية والدولية، واستباق التحديات من خلال تبنّي استراتيجيات وسياسات اقتصادية بعيدة المدى، ترتكز على تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الأمن والاستقرار الاقتصادي، وترسيخ مكانة الدولة مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار.
وأضافت أن قوة الاقتصاد الإماراتي في كونه اقتصاداً حراً ومنفتحاً على الأسواق العالمية، يقوم على مبادئ المنافسة والحرية الاقتصادية، وتشجيع المبادرات والاستثمارات الخاصة، مدعوماً بمنظومة تشريعية اقتصادية متطورة، وسياسات مالية واستثمارية مرنة واستباقية، أسهمت في تعزيز ثقة المستثمرين، وتوفير بيئة اقتصادية تنافسية جاذبة لرؤوس الأموال والمشروعات النوعية.
كما يشكل التكامل المؤسسي والتنسيق الفاعل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كلّ في نطاق اختصاصاته الدستورية، إحدى الركائز المهمة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، من خلال تطوير التشريعات الاقتصادية، ومواكبتها للمتغيرات، وضمان كفاءة تنفيذ السياسات والاستراتيجيات الوطنية، بما يدعم سرعة الاستجابة للتحديات الاقتصادية، ويعزز ثقة المستثمرين في استقرار البيئة التشريعية والتنظيمية للدولة.
وقال الدرمكي: «من وجهة نظري، فإن الاقتصاد الإماراتي سيبقى متيناً ومتماسكاً، وقادراً على مواجهة التحديات، وامتصاص الصدمات الاقتصادية، مستنداً إلى حكمة القيادة الرشيدة ورؤيتها الثاقبة، وتكامل السلطات والمؤسسات الوطنية، وقوة منظومته التشريعية والاقتصادية، وانفتاحه على الأسواق العالمية، وكفاءة السياسات الحكومية، وتنوع مصادر النمو. وهو ما يعزز الثقة في مستقبل الاقتصاد الوطني، ويؤكد أن دولة الإمارات لا تكتفي بمواكبة المتغيرات الاقتصادية العالمية، بل تمتلك الرؤية والأدوات والاستراتيجيات التي تمكنها من استشرافها، وتحويل تحدياتها إلى فرص تنموية واستثمارية مستدامة».
منظومة التطوير
المحلل المالي وضاح الطه تحدث عن نجاعة منظومة التطوير التي شهدها الاقتصاد الإماراتي على مدار السنوات الماضية، والتي أسهمت في رفع مرونته، ليستطيع تقليص تأثيرات التداعيات الجيوسياسية لأقل حد ممكن، وهو ما تظهره البيانات الرسمية التي تشير لاستمرارية نمو الناتج، رغم كل الظروف والتوقعات بالتغيرات الارتدادية القوية ما بين العام الجاري والعام المقبل، الذي تتنبأ له المؤسسات المالية، وبمقدمها صندوق النقد والبنك الدولي والمصرف المركزي الإماراتي، والتي تتراوح ما بين 8 و11 %.
وتابع أن تلك التوقعات لا تستند إلى فراغ، بل لرؤية متكاملة، تخدم الرؤية نحو تنويع الاقتصاد، وذلك استناداً لبنية تحتية قوية، واقتصاد مستدام، واستقرار سياسي واضح، مع وجود بنية تشريعية قوية، تحمي الاستثمارات ورؤوس الأموال الأجنبية، إلى جانب ما تحققه القطاعات النفطية من حصة تقارب 80 % من الناتج المحلي، وهو ما يصنع درعاً يجعلها رغم مكانتها بمصاف الدول الكبرى في إنتاج النفط، من أقل الدول في المقابل تأثراً بالصدمات التي تضغط على قطاع النفط، والتوترات التي تحاصر اقتصادات المنطقة، ويسهم هذا المزيج الفريد في المزيد من الجاذبية الاستثمارية، وهو ما تثبته المؤشرات التي تعكس تبوأ الإمارات مكانة الصدارة في جذب الاستثمارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات الماضية.
إدارة الأزمات
وأوضح الخبير الاقتصادي أحمد القبيسي أن تجربة دولة الإمارات وقدرة مؤسساتها على إدارة الأزمات والتكيف مع المتغيرات، مع الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي، وتعزيز مقومات التعافي. وتعكس مؤشرات النمو الاقتصادي الأخيرة، واستمرار توسع القطاعات غير النفطية، متانة القاعدة الاقتصادية، وفاعلية سياسات التنويع في الحد من الاعتماد على مصدر واحد للدخل. ورغم استمرار التحديات الإقليمية والدولية، وتأثيراتها في بعض القطاعات، فإن التجربة الإماراتية تؤكد أن قوة المؤسسات لا تكمن في منع الأزمات، بل في سرعة الاستجابة لها، واحتواء آثارها، وضمان استدامة النمو الاقتصادي.
وأشار إلى أن ديناميكية الاقتصاد من حيث مرونة الأنشطة وتكاملها، يعد أحد أبرز العوامل التي ساهمت في الحفاظ على استمرارية النمو، حتى وإن كان بنسبة طفيفة، فتسارع نسبة نمو وحصص بعض القطاعات البديلة للنفط، والتي تقود المشهد، كقطاع التجارة والقطاع المالي والقطاع العقاري والإنشاءات، خلال الفترة التي عاصرت الأزمة، وإثباتها مدى قدرتها على التكيف وتدوير الأزمة إلى مكاسب إيجابية، عوضت حصص بعض الأنشطة الأخرى، بما حافظ على المواصلة والثبات، وهو ما يعد دلالة نجاح في حد ذاته، لسير الاقتصاد الوطني بخطوات واثقة وأكثر استدامة.