منذ انطلاقته الأولى عام 2017، تجاوز مكتب الذكاء الاصطناعي في حكومة دولة الإمارات مرحلة التوقعات والتنظير الأولي، ليؤسس لنموذج سيادي فريد يربط الطموح الحكومي بجداول زمنية دقيقة وأثر اقتصادي ومجتمعي ملموس. وفي حواره مع «البيان»، يفتح الدكتور عبد الرحمن محمود، مدير الإدارة في مكتب الذكاء الاصطناعي، آفاقاً أعمق على كواليس هذه المسيرة الاستباقية؛ مستعرضاً كيف تعاملت الدولة بحنكة واقتدار مع المنعطفات التقنية الكبرى، وكيف تحولت استراتيجيات تمكين الكفاءات الوطنية وتحقيق القيمة المضافة إلى ركيزة راسخة تعزز صدارة الإمارات العالمية وتصنع اقتصاد الغد بخطى راسخة وواثقة.

يؤكد الدكتور عبد الرحمن محمود أن دولة الإمارات تمضي بخطى ثابتة وراسخة نحو ترسيخ مكانتها كوجهة عالمية رائدة للذكاء الاصطناعي؛ موضحاً أن العمل يجرى على قدم وساق لتنفيذ استراتيجيات الذكاء الاصطناعي، والمسائل المتعلقة بتبنّيه وتطبيقه داخل مختلف الجهات الحكومية، بالتعاون الوثيق مع الرؤساء التنفيذيين للذكاء الاصطناعي في الدولة لتحقيق المستهدفات المنشودة.

وعن محطات التأسيس وريادة مسيرة التحول الرقمي، يوضح الدكتور عبد الرحمن أن مكتب الذكاء الاصطناعي تأسس وعُيّن وزير الدولة في عام 2017، وذلك في مرحلة سبقت انتشار الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي، حيث كانت النقاشات حينها تتمحور حول السيارات ذاتية القيادة والرؤية الحاسوبية وخوارزميات التعرف على لوحات المركبات. ومن هنا، أدرك المكتب مبكراً محورية الاستثمار في المواهب والكفاءات باعتبارها الركيزة الأساسية التي تتشكل حولها المنظومة بأسرها. ومن أبرز المحطات التي يُفخر بها شخصياً: آلية التعامل المبتكرة مع ظهور تقنية "تشات جي بي تي" خلال جائحة كورونا، حيث اتخذت الدولة نهجاً إيجابياً استباقياً يهدف إلى تبني التقنية وتوظيفها لتحقيق المنفعة العامة، وهو ما ثمر عن جهود سابقة لتطوير مهارات الجهات الحكومية لتقييم القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي بعيداً عن اعتباره مصدراً للمخاطر؛ الأمر الذي توّج باستمرار الإمارات ضمن المراكز الخمسة الأولى عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفيما يتعلق بالمبادرات الوطنية ومنظومة التمكين الحكومي، يشير الدكتور عبد الرحمن إلى أن النجاح يتجسد في أمثلة بارزة مثل منصة "تم" لإنجاز الخدمات الحكومية بضغطة زر ضمن تجربة متكاملة مع الذكاء الاصطناعي، مبيناً أن المنظومة تتجاوز مجرد توفير المواهب لتشمل تمكينها؛ حيث أطلق المكتب برامج تدريبية متقدمة مثل "برنامج الذكاء الاصطناعي" لتأهيل القيادات والكوادر الحكومية ورفدهم بالمعرفة المتخصصة في مجالات كالرعاية الصحية والتعليم، وتعيين العديد منهم كـ "رؤساء تنفيذيين للذكاء الاصطناعي" لقيادة الابتكار. ويضيف أن هذا النهج الحكومي الرائد نجح في تحفيز القطاع الخاص — في مجالات الخدمات المالية، والإعلام، والترفيه — للسير في ذات الاتجاه؛ وهو ما يعكس مبدأ "القيادة بالقدوة" الذي يفتح آفاق الإمكانات ويلهم الجميع للمشاركة.

وحول الأولويات الوطنية واستشراف المستقبل وصولاً إلى الأثر الإقليمي المستهدف بقيمة 60 مليار دولار بحلول عام 2030، يرى الدكتور عبد الرحمن أن التركيز الأساسي في السنوات القادمة سينصب على "تحقيق القيمة"، والتي لا تقتصر على مجرد استدعاء وحدات المعالجة النصية أو "التوكنات"، بل تتعداها إلى بناء منظومة شاملة ومتكاملة تقدم تجربة أفضل، وتحدث وفورات اقتصادية، وتعود بفائدة حقيقية وملموسة على المجتمع ككل.

وعن التحديات التشغيلية المتعلقة بنقص المهارات وسبل معالجتها بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، يوضح الدكتور عبد الرحمن أن الجهود تركز حالياً على تطوير مهارات القوى العاملة الحكومية؛ حيث يشارك نحو 80 ألف موظف حكومي في برنامج مكثف لتطوير المهارات. وإلى جانب ذلك، تُبنى ثقافة مجتمعية إيجابية تشمل إشراك عامة الجمهور من خلال مبادرات رائدة مثل "يوم الإمارات للبرمجة" في أكتوبر المقبل، والتي تتيح التجربة الأولى للأفراد لخلق بيئة تفاعلية تدفع باتجاه التحول الرقمي الشامل.

وختاماً، وبالحديث عن الجاهزية التنظيمية ومعايير السلامة والأخلاقيات مع الانتقال نحو عصر الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، يؤكد الدكتور عبد الرحمن أن الدولة حرصت على وضع إطار أخلاقي في مرحلة مبكرة لضمان استخدام التقنيات لتحقيق المنفعة العامة وتقييم حالات الاستخدام، إلى جانب اعتماد مجلس الوزراء لـ "مبادئ الذكاء الاصطناعي" أو "ميثاق الذكاء الاصطناعي" قبل نحو ثلاث سنوات، ليمثل البوصلة الموجهة لتطوير واستخدام حلول الذكاء الاصطناعي بكل مسؤولية وأمان داخل الحكومة والمجتمع.