تشهد الإمارات موجة متسارعة من توسع المؤسسات المالية والاستثمارية العالمية، مع اتجاه صناديق تحوط ومديري أصول واستثمارات بديلة وبنوك خاصة وشركات لإدارة الثروات إلى تأسيس مكاتب وكيانات جديدة في دبي وأبوظبي، أو توسيع عمليات قائمة، أو التقدم للحصول على الموافقات والتراخيص التنظيمية، في مؤشر إلى تحول الدولة إلى قاعدة تشغيلية متنامية لصناعة إدارة الأموال العالمية.

وحصلت 4 مؤسسات عالمية على موافقات تنظيمية لتوسيع أعمالها هناك خلال أسبوع واحد: شركة «بلو أول كابيتال» (Blue Owl Capital) في 9 يونيو، و«بنك سنغافورة» (Bank of Singapore) في 10 يونيو، إلى جانب كل من «أوك هيل أدفايزرز» (Oak Hill Advisors) و«فرانكلين تمبلتون» (Franklin Templeton) في 16 يونيو.

حصلت شركة «أوك هيل أدفايزرز» (OHA) على الترخيص الرسمي من سلطة دبي للخدمات المالية في 16 يونيو، وهو اليوم ذاته الذي رحبت فيه سلطة مركز دبي المالي العالمي بالشركة التي تدير أصولاً بقيمة 112 مليار دولار.

وتمثل هذه الخطوة التوسع الثاني للشركة داخل المركز خلال عام واحد، بعد تسجيلها كمدير صندوق التحوط رقم 100 في المركز أواخر عام 2025.

وقبل ذلك بأسبوع، افتتحت شركة «بلو أول كابيتال» مكتباً لها في سوق أبوظبي العالمي، ليكون مقرها السابع في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، والـ23 عالمياً.

وترافق ذلك مع تصريح للرئيسين التنفيذيين المشاركين، دوغ أوستروفر ومارك ليبشولتز، أكدا فيه أن «هذا السوق ليس جديداً علينا، بل يشكل المرحلة التالية من مسار نمونا في المنطقة».

ورجحت أبحاث مستقلة أجرتها «بي دبليو سي» ومركز دبي المالي العالمي، نمواً سنوياً مركباً بنسبة 15% إلى 30% على مدى 5 إلى 6 سنوات، ما يرفع حجم سوق الائتمان الخاص إلى ما بين 11 و20 مليار دولار بحلول عام 2030.

وأظهرت الدراسة ذاتها أن الائتمان الخاص لا يزال يشكل نحو 2% فقط من محافظ المكاتب العائلية في الشرق الأوسط، مقارنة بـ4% في الولايات المتحدة و3% في أوروبا.

وتتركز هذه الموجة حول مركز دبي المالي العالمي (DIFC) وأبوظبي العالمي (ADGM)، اللذين سجلا خلال النصف الأول من 2026 توسعاً قوياً في أعداد المؤسسات المالية ومديري الأصول، بالتوازي مع دخول أسماء عالمية جديدة إلى السوق، بما يعكس انتقال المنافسة من مجرد استقطاب رؤوس الأموال الدولية إلى استضافة المؤسسات التي تدير هذه الأموال وفرقها الاستثمارية من داخل الإمارات.

وفي دبي، تجاوز عدد الشركات المسجلة النشطة في مركز دبي المالي العالمي حاجز 10 آلاف شركة للمرة الأولى بنهاية النصف الأول من 2026، فيما ارتفع عدد شركات الخدمات المالية الخاضعة للتنظيم إلى 1,134 شركة، ووصل عدد شركات إدارة الثروات والأصول إلى 592 شركة، إلى جانب 327 بنكاً، فيما يحتضن المركز أعلى تجمع لصناديق التحوط في المنطقة.

وفي أبوظبي، ارتفع عدد شركات الخدمات المالية العاملة في «أبوظبي العالمي» (ADGM) إلى 392 شركة في النصف الأول، بنمو 27% على أساس سنوي، فيما أصدرت سلطة تنظيم الخدمات المالية 50 موافقة مبدئية لشركات خدمات مالية ومنحت 45 تصريحاً جديداً لمزاولة الخدمات المالية.

من مكاتب تمثيل إلى قواعد تشغيلية

ولا تمثل التحركات الحالية بداية حضور المؤسسات الاستثمارية العالمية في الإمارات، بل مرحلة جديدة من موجة بدأت تتسارع خلال السنوات القليلة الماضية.

ففي مركز دبي المالي العالمي، تضاعف عدد مديري صناديق التحوط من نحو 50 في مطلع 2024 إلى أكثر من 100 مدير بنهاية 2025، لينضم المركز إلى أكبر خمسة مراكز عالمية في هذا القطاع، وفق بيانات المركز، بما في ذلك 81 صندوقاً من «نادي المليار دولار» ممن يُديرون محافظ تتجاوز قيمتها مليار دولار.

وتضم القائمة التي سبقت موجة 2026 أسماء كبيرة مثل «ميلينيوم مانجمنت» و«بالياسني» و«بلاك روك» و«بلو أول» و«بريفان هوارد» و«إكسودوس بوينت» و«هدسون باي» و«كيوب ريسيرش آند تكنولوجيز» و«فيريشن»، ما أوجد في دبي قاعدة قائمة بالفعل لصناعة صناديق التحوط والاستثمارات البديلة قبل وصول الدفعة الجديدة.

وخلال النصف الأول من العام الجاري، أظهرت بيانات مركز دبي المالي العالمي دخول أو تأسيس مكاتب إقليمية لمجموعة أخرى من المؤسسات منذ النصف الأول من 2025، من بينها «سيتادل»، و«أروبوينت إنفستمنت بارتنرز»، و«كابيتال لاند إنفستمنت»، و«بلو ماونتن كابيتال»، و«جورديان كابيتال»، و«جي بي مورغان إنترناشيونال أدفايزرز»، و«آي سي آي سي آي برودنشال لإدارة الأصول»، و«بروسبيرا لإدارة الثروات»، و«آر في كابيتال مانجمنت»، و«فارين كابيتال بارتنرز»، إلى جانب مؤسسات مالية أخرى.

زخم صناديق التحوط

ويبرز «سيتادل» ضمن أحدث الأسماء التي اختارت مركز دبي المالي العالمي، في امتداد لموجة صناديق التحوط العالمية التي رفعت حضور هذا القطاع في دبي إلى مستويات قياسية.

كما برز خلال العام الجاري توسع «أروبوينت إنفستمنت بارتنرز»، فيما تضمنت التحركات التي رصدها السوق خلال 2026 «سيمتري» و«كاليبريت بارتنرز»، إلى جانب استمرار توسع عدد من الأسماء التي كانت موجودة بالفعل في الإمارة، وتشير البيانات التي جمعتها «البيان» إلى أن موجة انتقال صناديق التحوط إلى الإمارات تسارعت بصورة خاصة منذ 2023.

وفي الوقت ذاته، وسعت دبي جاذبيتها إلى ما وراء صناديق التحوط، مع تنامي حضور شركات الائتمان الخاص والاستثمارات البديلة، ومن أبرز الأمثلة «أوك هيل أدفايزرز»، المتخصصة في أسواق الائتمان، والتي حصلت على ترخيص من سلطة دبي للخدمات المالية خلال يونيو، وكانت الشركة قد أصبحت في أواخر 2025 مدير صندوق التحوط رقم 100 المسجل في المركز، ما يعكس التداخل المتزايد بين الائتمان الخاص وإدارة الأصول البديلة في المنظومة المالية للإمارة.

البنوك الخاصة وإدارة الثروات

ويمتد السباق إلى البنوك الخاصة ومديري الثروات. فقد أطلق «البنك العربي سويسرا» كيانه التابع في مركز دبي المالي العالمي، مستهدفاً خدمة أصحاب الثروات ورواد الأعمال والمكاتب العائلية في المنطقة، فيما يدير البنك أصولاً تقارب 25 مليار دولار.

ويأتي ذلك في وقت يضم فيه مركز دبي المالي العالمي 592 شركة لإدارة الثروات والأصول، فيما ارتفع عدد الكيانات المرتبطة بالشركات العائلية إلى 1,408 كيانات بنهاية النصف الأول، بنمو 36% على أساس سنوي، ما يعكس اتساع قاعدة العملاء التي تتنافس المؤسسات المالية العالمية على خدمتها من دبي.

البنوك الخاصة تسابق مديري الائتمان

أعلن «بنك سنغافورة»، الذراع المصرفية الخاصة لمجموعة «أو سي بي سي» (OCBC)، في 10 يونيو تعيين ليم ليونغ غوان، المخضرم في الصيرفة الخاصة بخبرة 35 عاماً، منها 25 عاماً في «يو بي إس لإدارة الثروات»، رئيساً للصيرفة الخاصة لمنطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا والقطاع الدولي، إضافة إلى توليه منصب الرئيس التنفيذي لفرع البنك بمركز دبي المالي العالمي شريطة الحصول على الموافقة التنظيمية.

ومن جانبه، استقطب بنك «باركليز» فرزاد بيليموريا، بخبرة 30 عاماً وكان يشغل سابقاً منصب رئيس المصرفية الخاصة لدى «إتش إس بي سي» في الإمارات، ليتولى رئاسة المصرفية الخاصة في دولة الإمارات اعتباراً من 1 يوليو 2025 ومقره دبي.

في حين حصلت «فرانكلين تمبلتون» في 16 يونيو على تراخيص من هيئة الأوراق المالية والسلع في الإمارات لكيانها في أبوظبي، لتصبح أول مدير أصول عالمي يعمل عبر كافة النطاقات التنظيمية المالية الثلاثة في الدولة بعد تواجد دام لأكثر من 25 عاماً.

وامتد التوجه ذاته إلى «البنك العربي سويسرا»، الذي أطلق كيانه التابع «إيه بي إس (الشرق الأوسط) المحدودة» في مركز دبي المالي العالمي بتاريخ 30 يونيو، وعين سمير عطية الله رئيساً تنفيذياً له بعد استقطابه مباشرة من المنافس «ميرابود» للشرق الأوسط.

ويدير البنك أصولاً تقارب 25 مليار دولار، معتمداً على علاقات تاريخية مع رواد الأعمال والمكاتب العائلية في المنطقة تعود إلى ستينيات القرن الماضي.

أبوظبي تستقطب أسماء ثقيلة

وفي موازاة دبي، تشهد أبوظبي موجة واسعة من تأسيس وتوسيع مكاتب المؤسسات العالمية، وتظهر نتائج «أبوظبي العالمي» للنصف الأول أن قائمة المؤسسات المالية التي أسست أو أطلقت أو وسعت حضورها خلال 2026 شملت «كابيتال جروب»، و«مان جروب»، و«بارينغز»، و«بين كابيتال»، و«هيلهاوس إنفستمنت»، و«موزينيك آند كو»، و«ماديسون ريالتي كابيتال»، و«جرو إنفستمنت جروب»، و«روكوس كابيتال مانجمنت»، إلى جانب مؤسسات أخرى.

وتبرز «هيل هاوس إنفستمنت» بين هذه المؤسسات، إذ افتتحت مكتباً في أبوظبي العالمي في أبريل بعد حصولها على ترخيص من الفئة 3C من سلطة تنظيم الخدمات المالية، في خطوة قالت الشركة إنها تعكس التزامها طويل الأجل تجاه المنطقة.

كما افتتحت «روكوس كابيتال مانجمنت» مكتباً جديداً في أبوظبي بعد حصولها على تصريح للخدمات المالية، مضيفة الإمارة إلى شبكتها التي تضم لندن ونيويورك وسنغافورة، وتعمل الشركة في استراتيجيات متعددة الأصول مع تركيز قوي على الاستثمار وفق اتجاهات الاقتصاد الكلي العالمي.

وفي يونيو، افتتحت «بلو أول كابيتال» مكتبها في أبوظبي العالمي، في خطوة لتعزيز حضورها الإقليمي وعلاقاتها بالمستثمرين في الشرق الأوسط، ولا سيما في مجال الاستثمارات البديلة.

كما برزت خلال العام تحركات «بالياسني أسيت مانجمنت» لتوسيع عملياتها في أبوظبي، إلى جانب «مان جروب»، التي تحركت لتأسيس وجود في الإمارة، في مؤشر إلى أن أبوظبي أصبحت وجهة رئيسة لصناديق التحوط ومديري الاستثمارات البديلة إلى جانب قاعدة مديري الأصول التقليديين.

أصول عالمية بتريليونات الدولارات

ويظهر حجم المؤسسات الموجودة في أبوظبي اتساع التحول، فبحسب نتائج «أبوظبي العالمي»، ارتفع عدد مديري الأصول والصناديق المسجلين فيه إلى 190 مديراً في النصف الأول من 2026، بزيادة 23%، فيما ارتفع عدد الصناديق المدارة انطلاقاً من المركز بنسبة 32% إلى 276 صندوقاً.

والأكثر دلالة أن شركات إدارة الأصول التي أسست أعمالاً في أبوظبي العالمي تدير على المستوى العالمي أكثر من 2.1 تريليون دولار من الأصول، فيما ارتفع حجم الأصول المدارة فعلياً ضمن أبوظبي العالمي بنسبة 54% على أساس سنوي.

الثروات تجذب مديري الأموال

وتستند الموجة إلى قاعدة متنامية من الثروات الخاصة والمؤسسية في الإمارات والخليج، وتشير بيانات تقرير الثروة العالمي لـ«يو بي إس» لعام 2026 إلى ارتفاع متوسط ثروة البالغين في الإمارات بنحو 25% بين 2020 و2025، ووصول عدد المليونيرات بالدولار إلى نحو 183 ألف شخص.

ويضاف إلى ذلك وجود الصناديق السيادية والمكاتب العائلية وأصحاب الثروات الفائقة، ما يمنح مديري الأموال العالميين إمكانية الوصول إلى قاعدة كبيرة من رؤوس الأموال من خلال وجود محلي، بدلاً من تغطية المنطقة من لندن أو نيويورك أو سنغافورة.

وتظهر المنافسة كذلك في استقطاب الكفاءات المصرفية والاستثمارية، فقد شهد السوق انتقال مصرفيين مخضرمين لتولي قيادة أعمال الصيرفة الخاصة وإدارة الثروات في الإمارات، ما يشير إلى أن المنافسة لم تعد تقتصر على افتتاح المكتب أو الحصول على الترخيص، وإنما تمتد إلى استقطاب مديري العلاقات والاستثمار الذين يمتلكون شبكات طويلة مع أصحاب الثروات والمكاتب العائلية في المنطقة.

قطبان ماليان

وتكشف نتائج النصف الأول من العام عن الحجم الذي وصل إليه القطبان الماليان، ففي دبي، بلغ عدد الشركات النشطة 10,018 شركة، منها 1,134 شركة خدمات مالية خاضعة للتنظيم و592 شركة لإدارة الثروات والأصول. وفي أبوظبي، بلغ عدد الرخص النشطة 13,974 رخصة، فيما وصل عدد الشركات التشغيلية إلى 3,986 شركة، وارتفع عدد شركات الخدمات المالية إلى 392 شركة، كما أصدر المركز 1,814 رخصة جديدة بمختلف أنواعها خلال النصف الأول.

وتشير هذه التحركات مجتمعة إلى تحول نوعي في موقع الإمارات على خريطة إدارة الأموال العالمية، إذ لم يعد الحضور الدولي مقتصراً على مكاتب تمثيل أو فرق صغيرة لجمع رؤوس الأموال، بل بات يشمل مكاتب استثمار، وكيانات منظمة، ومديري محافظ وصناديق، وبنوكاً خاصة، وشركات ائتمان خاص واستثمارات بديلة تتخذ من دبي وأبوظبي قواعد فعلية لخدمة المنطقة والأسواق العالمية.