تشهد خريطة التجارة العالمية تحولاً متسارعاً بفعل التصدع الجيوسياسي، ونمو التجارة بين دول الجنوب، وتوسع الممرات التجارية الجديدة، بالتزامن مع تسارع التحول الرقمي.
وهي تطورات تفرض تحديات على الاقتصادات المعتمدة على التجارة، لكنها تفتح في الوقت نفسه فرصاً أمام المراكز القادرة على الربط بين الأسواق المختلفة.
وفي هذا المشهد، تبرز دولة الإمارات باعتبارها إحدى الدول الأكثر ارتباطاً بشبكة التجارة العالمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية وعلاقاتها التجارية والمالية المتنوعة.
ووفق تقرير نشره موقع ذا بانكر «The Banker»، تعد الإمارات مركز إعادة التصدير الأول في الخليج وأحد أهم المراكز التجارية في المنطقة الأوسع. وقال فريديريك شنايدر، الزميل الأول غير المقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.
إن التحول نحو عالم أكثر اعتماداً على التجارة بين دول الجنوب يتوافق مع نقاط القوة التي تمتلكها الإمارات، باعتبارها مركزاً محايداً وفعالاً ومترابطاً، في وقت تعيد فيه الشركات توجيه جزء من تدفقات التجارة بعيداً عن الممرات التقليدية المتمركزة حول الغرب.
وتواصل الإمارات توسيع شبكة ارتباطاتها التجارية عبر اتفاقيات ثنائية مع اقتصادات مثل الهند وتركيا، إلى جانب عضويتها في مجموعة «بريكس» ودورها في الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا، بما يعزز روابطها التجارية والاستثمارية مع أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا.
ويرى شنايدر أن تنوع علاقات الإمارات مع التكتلات الاقتصادية والجيوسياسية يمنحها مساحة أوسع للتعامل مع التحولات في التجارة العالمية، واصفاً النهج الإماراتي بأنه أقرب إلى «التحوط» منه إلى التخلي عن شريك لمصلحة آخر، إذ تحافظ الدولة على علاقاتها مع الغرب وفي الوقت نفسه تعزز حضورها داخل مؤسسات الجنوب العالمية.
وتأتي هذه التحولات في وقت تشهد فيه التجارة بين دول الجنوب توسعاً لافتاً. ووفق بيانات نقلها «The Banker» عن «أونكتاد»، بلغت تجارة السلع بين دول الجنوب 7.2 تريليونات دولار في 2025، بزيادة 17.2% عن العام السابق.
فيما ارتفعت حصتها إلى 28% من التجارة العالمية للسلع، مقارنة بـ11% عام 2000. وتبرز دبي بصورة خاصة في إعادة تشكيل التدفقات التجارية والمالية، مع تزايد اعتماد الشركات الآسيوية، ولا سيما الصينية، عليها كبوابة إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا.
وقال ألفريدو مونتوفار-هيلو، العضو المنتدب لشركة «أنكورا» في بكين، إن دبي تتمتع بأهمية استراتيجية للشركات والبنوك الصينية التي تستخدم الإمارة قاعدة لتمويل وإدارة توسعها في الشرق الأوسط وأفريقيا، مع تنامي استخدام اليوان في تسوية هذه العمليات، بما يعزز الروابط المالية بين الصين وأسواق الجنوب العالمي.
ويعكس هذا الاتجاه تطور الدور الاقتصادي لدبي من مركز لإعادة تصدير السلع إلى منصة متكاملة تجمع التجارة والتمويل والخدمات اللوجستية وإدارة الأعمال، وهو ما يمنحها قدرة على الاستفادة من نمو التجارة الآسيوية-الأفريقية وتوسع الشركات في الأسواق الناشئة.
وتظهر بيانات حديثة أن التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات ارتفعت 13.1% على أساس سنوي إلى 1.937 تريليون درهم خلال النصف الأول من 2026.
فيما قفزت الصادرات غير النفطية 23.9% إلى 452.8 مليار درهم، وفق بيانات حكومية أوردها «The Banker». ولا تقتصر المنافسة على حركة السلع، إذ يتزايد الدور الذي تلعبه الخدمات المالية والرقمية في دعم الممرات التجارية الجديدة.
ويشير تقرير «The Banker» إلى أن الاستثمارات الإماراتية في الموانئ والمناطق الحرة والبنية التحتية الرقمية واتفاقيات التجارة أسهمت في توسيع دور الدولة على طرق التجارة بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، فيما باتت شركات تستخدم الإمارات ليس فقط لتخزين وإعادة شحن السلع، وإنما أيضاً للتصنيع والتعبئة وإضافة القيمة قبل إعادة التصدير.
ورغم الفرص التي توفرها إعادة تشكيل التجارة العالمية، تواجه الإمارات تحديات مرتبطة بموقعها على طرق التجارة الرئيسة، وخصوصاً في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية.
ويشير تقرير «The Banker» إلى أن مركزية الإمارات في التجارة الإقليمية تمنحها قوة كبيرة، لكنها تجعلها في الوقت نفسه معرضة لتداعيات اضطرابات الممرات البحرية وسلاسل الإمداد.