لم تعد القدرة على صياغة الرؤى الطموحة وحدها كافية لصناعة التنافسية في الاقتصاد العالمي، بل أصبحت القدرة على تحويل الخطط والاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة وفي الوقت المحدد إحدى أهم المزايا التي تميز الاقتصادات والمؤسسات الأكثر نجاحاً. وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات نموذجاً لافتاً في الجمع بين الطموح وسرعة التنفيذ، مدفوعة باستثمارات واسعة في البنية التحتية والتكنولوجيا والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة وتنويع الاقتصاد.

ومع اتساع نطاق المشاريع وتعقّدها وتداخل القطاعات والجهات المعنية بها، تتزايد أهمية الكفاءات القادرة على قيادة التنفيذ وإدارة المخاطر وتنسيق أصحاب المصلحة واتخاذ القرارات، وهي مهارات تكتسب أهمية خاصة في بيئة عمل تتغير بوتيرة متسارعة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتقول إنجي سعد يحيى، أخصائي أول الاستراتيجيات والأداء المؤسسي في دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي، إن إدارة المشاريع لم تعد وظيفة تشغيلية فحسب، وإنما أصبحت أداة استراتيجية لتحويل الأولويات المؤسسية إلى نتائج قابلة للقياس.

وتوضح أن خبرتها في مجالات الاستراتيجية وإدارة الأداء المؤسسي وإدارة المحافظ، إلى جانب حصولها على شهادة محترف إدارة المشاريع (PMP)، أسهمت في تعزيز قدرتها على ربط المشاريع بالأهداف الاستراتيجية، مشيرة إلى أن تطبيق منهجيات إدارة المشاريع ساعد في تعزيز حوكمة مكتب إدارة المشاريع، وتحسين مواءمة المحافظ مع الأهداف المؤسسية، وتطوير آليات متابعة الأداء ودعم اتخاذ القرار.

وتقول يحيى إن القيمة الحقيقية لشهادة PMP تكمن في ترسيخ إدارة المشاريع باعتبارها «مُمكّناً استراتيجياً»، يمنح المهنيين الأدوات والعقلية اللازمة للقيادة بوضوح وانضباط ومسؤولية وتحقيق أثر ملموس.

ومن منظور أكاديمي ومؤسسي، يرى الدكتور خليل راهي، الأستاذ المشارك في جامعة أبوظبي ومؤسس شركة «Projilience»، أن إدارة المشاريع تمثل عنصراً أساسياً في إعداد الكفاءات التي ستقود المرحلة المقبلة من مسيرة التنمية في الإمارات. وبعد أكثر من عقد على حصوله على شهادة PMP، وظّف راهي مبادئ إدارة المشاريع في الصناعة والأوساط الأكاديمية والاستشارات، كما يدمج أفضل الممارسات العالمية في برامجه التعليمية ويقدم الاستشارات للمؤسسات في الحوكمة واعتماد الذكاء الاصطناعي وتعزيز المرونة المؤسسية.

ويشير إلى أن كثيراً من المؤسسات تمتلك الرؤية والموارد والتكنولوجيا اللازمة للتحول، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في وجود إطار موحد للتنفيذ. ومن هنا تبرز أهمية هياكل الحوكمة الواضحة، والمساءلة، وإدارة المخاطر، وآليات الاعتماد، وربط المشاريع بالمحافظ والأهداف الاستراتيجية بدلاً من التعامل مع كل مشروع بصورة منفصلة.

ويقول راهي إن الإمارات تنفذ مشاريع وطنية طموحة في البنية التحتية والطاقة والتحول الرقمي والتنويع الاقتصادي، وإن الكوادر المؤهلة في إدارة المشاريع تمثل حلقة الوصل بين هذه الرؤى والنتائج المستدامة.

وتزداد أهمية هذا الدور مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى بيئات العمل. فبينما يمكن للتكنولوجيا أتمتة وتحليل جزء متزايد من المهام، تظل مهارات القيادة وحسن التقدير وإدارة أصحاب المصلحة والتفكير الاستراتيجي والقدرة على التكيف عوامل بشرية حاسمة في نجاح المشاريع.

وفي هذا الإطار، حدّث معهد إدارة المشاريع (PMI) شهادة PMP واختبارها ليعكسا بصورة أكبر مواءمة المشاريع مع أهداف الأعمال، واتخاذ القرار الاستراتيجي، والاستدامة، والمنهجيات الرشيقة والهجينة، والقيادة والتنفيذ في بيئات تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي. كما أصبح الاختبار متاحاً باللغة العربية.

وتكشف بيانات المعهد عن القيمة المهنية للشهادة؛ إذ يرى 69% من الحاصلين على PMP أنها تمنحهم ميزة تنافسية، في حين يؤكد 83% أنها تعزز سيرهم الذاتية. كما أفاد 75% ممن حصلوا عليها خلال السنوات الثلاث الماضية بتحقيق فائدة مهنية واحدة على الأقل، من بينها زيادة الثقة في اتخاذ القرار بنسبة 53% والحصول على فرص مهنية جديدة بنسبة 40%.