في خطوة تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى لتأمين مسارات الطاقة الوطنية، كشف معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي وزير التجارة الخارجية، عن أن الدولة بدأت بالفعل في تنفيذ خطة متكاملة، تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز في قطاع النفط تدريجياً، وصولاً إلى نسبة اعتماد صفرية على هذا الممر المائي الحيوي.

وتأتي هذه الخطوة في إطار توجه إماراتي أشمل نحو تنويع مسارات التجارة والطاقة، وعدم حصر الإمدادات الحيوية في نقطة عبور واحدة، مهما بلغت أهميتها التاريخية، إدراكاً من صناع القرار بأن الظروف الجيوسياسية قابلة للتغير في أي وقت، وأن المرونة في البنية التحتية اللوجستية، باتت شرطاً أساسياً لاستمرارية تدفق الإمدادات بثبات.

وفصّل الزيودي أبرز ملامح هذه الخطة وآلياتها وجدولها الزمني المتوقع، إلى جانب المسارات البديلة التي تعمل عليها الدولة حالياً، والاستثمارات الموازية في خطوط النقل والبنية التحتية التي تدعم هذا التوجه.

وكشف الزيودي في مقابلة خاصة مع «سي إن بي سي» «CNBC عربية»، عن الخطة التي تنفذها الإمارات من خلال تطوير مسار بديل، تتقدم نسبة إنجازه بخطى سريعة، ومن المتوقع أن يكون جاهزاً قبل نهاية العام الحالي، إلى جانب دراسة إنشاء مسار ثالث، يستوعب أي توسعات مستقبلية في الإنتاج. ويجري بالتوازي تطوير خط مخصص للبتروكيماويات، وتسريع ربط قطار الاتحاد بكل من خورفكان ودبا، بما يعزز انسيابية حركة السلع بشكل عام.

توسعات استراتيجية

وأكد معالي وزير التجارة الخارجية استمرار التوسع في البنية التحتية اللوجستية بالمنطقة الشرقية، سواء في الفجيرة أو خورفكان أو ميناء دبا، إلى جانب التوسع في الموانئ الرئيسة للدولة وخدماتها اللوجستية المرتبطة بها.

وأشار إلى الإعلان الأخير لموانئ دبي العالمية عن توسعة ميناء جبل علي، وزيادة قدراته التشغيلية، إضافة إلى تعزيز أسطول الشاحنات العامل في منطقة الخليج، بما يضمن انسيابية حركة البضائع.

كما تحدث عن المشروع الاستراتيجي الذي أعلنت عنه موانئ أبوظبي لربط الإمارات بمدينة البصرة العراقية، ومنها إلى تركيا وسوريا، واصفاً إياه بمشروع بالغ الأهمية يعكس حرص الدولة على تنويع مسارات التجارة وعدم الاعتماد على مسار واحد، بما يضمن توفر بدائل جاهزة في جميع الأوقات.

وأوضح أن هذا المسار خضع بالفعل للاختبار، ليس فقط بين البصرة وأبوظبي، بل أيضاً إلى دبي والشارقة، وأثبت كفاءة عالية، ما يفسر التوسع الكبير فيه حالياً عبر الاستثمار في البنية التحتية وتسريع حركة النقل البري بين العراق وسوريا والدول المجاورة.

وأضاف أن الإمارات تخطط لتسريع الاستثمارات المرتبطة بتطوير محور تركيا - البصرة خلال الفترة المقبلة، باعتباره أحد المسارات الاستراتيجية المهمة.

وفيما يتعلق بتكاليف الشحن، أوضح الزيودي أن الاعتماد الكامل على شركات الشحن الدولية يرفع بطبيعة الحال من التكاليف وفق الرسوم التي تحددها هذه الشركات، ولتقليل هذا التأثير، تواصل الإمارات الاستثمار في بنيتها التحتية الخاصة وأساطيلها البحرية وعمليات النقل المملوكة لشركاتها الوطنية، مع العمل على خفض هوامش الربح لضمان استقرار الأسعار في السوق المحلية.

كما كشف الزيودي في مقابلة خاصة مع»سي إن بي سي«»CNBC عربية«، عن خطة متكاملة تنفذها الإمارات لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز في قطاع النفط تدريجياً، من خلال تطوير مسار بديل تتقدم نسبة إنجازه بخطى سريعة، ومن المتوقع أن يكون جاهزاً قبل نهاية العام الحالي، إلى جانب دراسة إنشاء مسار ثالث يستوعب أي توسعات مستقبلية في الإنتاج. ويجري بالتوازي تطوير خط مخصص للبتروكيماويات، وتسريع ربط قطار الاتحاد بكل من خورفكان ودبا، بما يعزز انسيابية حركة السلع بشكل عام.

وعلى صعيد آخر، أفصح الزيودي، بصفته رئيس مجلس إدارة شركة الاتحاد لائتمان الصادرات»ECI«، عن خطط لتعزيز دور الشركة وزيادة رأسمالها في المرحلة المقبلة، بهدف تحويلها إلى شركة أكثر ربحية ومنافس قوي لشركات تأمين الصادرات العالمية.

صادرات قياسية

وكشف معالي الدكتور ثاني الزيودي، عن أبرز العوامل التي أسهمت في اقتراب التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات من حاجز التريليوني درهم خلال النصف الأول من العام الجاري، بعدما سجلت 1.937 تريليون درهم بنمو سنوي بلغ 13.1%.، متوقعاً أن تصل التجارة الخارجية غير النفطية للدولة إلى 4 تريليونات درهم بنهاية العام الحالي 2026، في حال استمر الأداء بالمعدل ذاته المسجل خلال الأشهر الماضية.

وأوضح الزيودي أن الاستمرار في تنفيذ استراتيجية التنويع الاقتصادي، إلى جانب الاستفادة القصوى من البنية التحتية والشبكة اللوجستية التي طورتها الإمارات على مدار العقود الماضية، يمثل أحد أبرز محركات هذا النمو.

وأضاف أن الاستفادة الكبيرة من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، التي لعبت دوراً محورياً في فتح الأسواق وتعزيز تدفقات التجارة، تمثل عاملاً ثانياً رئيسياً، فيما شكّلت المرونة العالية وسرعة التكيف مع المستجدات الإقليمية عاملاً ثالثاً مهماً.

وأشار الوزير إلى أن الأولوية خلال الفترة الأخيرة انصبّت على ضمان انسيابية حركة التجارة وتوفير السلع في الأسواق باستمرار، إلى جانب رفع كفاءة الربط بين القطاعات اللوجستية المختلفة، سواء البحرية أو البرية أو الجوية، وهو ما كان له أثر مباشر في تحقيق هذه النتائج القوية.

وكشفت بيانات النصف الأول من 2026 عن ارتفاع لافت في قيمة صادرات الإمارات غير النفطية، التي بلغت 452.8 مليار درهم بنمو سنوي 23.9%، وبنسبة نمو تصل إلى 77.3% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024. كما ارتفعت مساهمة الصادرات من إجمالي التجارة الخارجية غير النفطية إلى 23.4% في النصف الأول من 2026، مقارنة بـ21.3% قبل عام، و18.4% خلال 2024، و16.9% مقابل عام 2023، لتسجل بذلك أعلى نسبة تحققها الإمارات في تاريخها.

وأرجع الزيودي هذا التطور إلى الاهتمام الكبير بالقطاع الصناعي خلال السنوات الماضية، وتعزيز المحتوى المحلي ودعم الصناعة الوطنية، وهو ما انعكس إيجاباً على توفير السلع في السوق المحلية وتعزيز انسيابية الصادرات إلى الأسواق الإقليمية والعالمية في آن واحد.

وأكد أن نمو الصادرات يرتبط دائماً بتقليل العوائق أمام التجارة وتبسيط الإجراءات، إلى جانب تنويع الأسواق المستهدفة، مشدداً على أهمية أن ترتفع مساهمة الصادرات مقارنة بإعادة التصدير، لأن ذلك يعني أن الواردات لا تمر عبر الدولة فحسب، بل تُضاف إليها قيمة مضافة قبل تصديرها مجدداً إلى الأسواق العالمية.

وحول أبرز الشركاء التجاريين، أكدت البيانات أن الصين تحافظ على مكانتها كأكبر شريك تجاري غير نفطي للإمارات بقيمة تجارة بلغت 180.7 مليار درهم، إلى جانب معدلات نمو قوية سُجلت مع شركاء رئيسيين آخرين تضم مصر وعُمان وهونغ كونغ وسويسرا.

وفي هذا السياق، أوضح الزيودي أن القدرات الصناعية الضخمة للصين والهند والدول الصناعية الكبرى الأخرى تجعل منها شركاء لا يمكن الاستغناء عنهم، مؤكداً أن دول المنطقة تلعب دوراً متنامياً ومهماً، وأن الصين والهند ستظلان محركاً رئيسياً للتجارة العالمية في المرحلة المقبلة.

شبكة موانئ عالمية

كشف الزيودي عن نهج استراتيجي جديد تتبعه الإمارات في إدارة تجارتها، حيث لم تعد الدولة تدير التجارة من داخل حدودها فقط، بل عبر شبكة واسعة من الموانئ التي تديرها شركات إماراتية في عدد من الدول، من بينها الهند وباكستان، إضافة إلى محطة في جدة بالسعودية وموانئ في مصر. وأوضح أن هذه الشبكة تفسر النمو الكبير في حجم التجارة مع تلك الدول خلال النصف الأول من العام، إذ تتجه أعداد كبيرة من السفن إلى تلك الموانئ أولاً، ثم تُنقل البضائع عبر الشبكة اللوجستية إلى دولة الإمارات.

كما شهدت التجارة نمواً لافتاً مع مصر وسلطنة عمان والأردن، في إطار الحرص المستمر على ضمان انسيابية السلع وتوافرها في السوق المحلية والإقليمية.

وفيما يتعلق بعمليات إعادة التصدير، أوضح الزيودي أنها سجلت خلال النصف الأول من 2026 معدلات نمو مقاربة لما تحقق في العام الماضي، الذي شهد بدوره نمواً بلغ نحو 14% خلال النصف الأول من 2025.

وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من عمليات إعادة التصدير يُدار حالياً عبر الموانئ التي تديرها الشركات الإماراتية خارج الدولة، بهدف تخفيف الضغط عن موانئ المنطقة الشرقية مثل ميناء الفجيرة وميناء خورفكان، وضمان استمرار تدفق السلع بسلاسة للسوق المحلية والإقليمية.

مستهدف 4 بنهاية 2026

توقع وزير التجارة الخارجية أن تصل التجارة الخارجية غير النفطية للدولة إلى 4 تريليونات درهم بنهاية العام الحالي 2026، في حال استمر الأداء بالمعدل ذاته المسجل خلال الأشهر الماضية. وأكد أن هذا المستهدف يجري العمل عليه بالتعاون الوثيق مع جميع الشركاء في القطاعين الحكومي والخاص، مع التركيز على ضمان استدامة هذا النمو.

وبالنسبة للصادرات، أوضح الزيودي أن الهدف لا يقتصر على زيادة قيمتها فحسب، بل يمتد ليشمل زيادة الصادرات ذات المحتوى المحلي والقيمة المضافة داخل الدولة. وأشار إلى أن برنامج المحتوى المحلي يمر حالياً بمرحلة توسع واضحة، إذ جرت دراسة تفصيلية لأكثر من 150 سلعة أساسية وحيوية، مع تحديد أسواق وبدائل تضمن استمرارية توافرها محلياً في جميع الأحوال. كما نوّه إلى الحرص، من خلال اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، على فتح الأسواق أمام الصناعات الوطنية، بما يتيح لها الاستفادة من أسواق خارجية واسعة إلى جانب السوق المحلية.

18 اتفاقية شراكة نافذة

انتقل الحوار إلى الملف الأبرز في السياسة التجارية الإماراتية، وهو برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة»CEPA«، الذي أُطلق عام 2021. وأوضح الزيودي أن هناك دولاً تبادر الإمارات بالتفاوض معها، بينما تتواصل دول أخرى لطلب بدء المفاوضات، مؤكداً أن الإمارات تتفاوض حالياً مع نحو 20 دولة، إلى جانب الاتفاقيات التي تُبرم ضمن إطار مجلس التعاون الخليجي.

وأشار إلى أن التركيز حالياً ينصبّ على إنهاء المفاوضات القائمة أولاً قبل الدخول في مسارات جديدة، حفاظاً على مصداقية البرنامج وضمان الالتزام مع جميع الشركاء. وأكد أن البرنامج أثبت نجاحه بوضوح، حيث تواصل صادرات الإمارات إلى الدول الموقعة على الاتفاقيات ارتفاعها المستمر، فيما ساعدت العلاقات المتينة التي بُنيت مع هذه الدول في تسهيل التواصل المباشر على المستوى الوزاري والفني لحل أي تحديات تشغيلية بسرعة كبيرة، سواء عبر الاتصال المباشر أو تطبيقات التواصل الحديثة.

وحتى تاريخه، دخلت 18 اتفاقية حيز التنفيذ، وكانت أوكرانيا آخر دولة انضمت باتفاقيتها مطلع يوليو الجاري. وتوقع الزيودي الانتهاء من المفاوضات مع كندا بحلول 24 يوليو الجاري.

وحول أكثر الاتفاقيات تحقيقاً للعائد الاقتصادي، أوضح أن اتفاقية الهند تتصدر القائمة نظراً لحجم السوق الهندية، تليها الاتفاقية مع تركيا، التي ارتفع حجم التجارة بموجبها من نحو 15 مليار دولار قبل الاتفاقية إلى ما يقارب 45 مليار دولار خلال العام الماضي.

5 اتفاقيات جديدة في شهرين

كشف الزيودي أن اتفاقية مجموعة أوراسيا أصبحت جاهزة من الطرفين، وكذلك الحال مع بيلاروس، وسيُعلن قريباً عن دخولهما حيز التنفيذ. وأضاف أن الاتفاقيات مع روسيا وأرمينيا وقرغيزستان جاهزة أيضاً، فيما تنتظر الاتفاقيتان مع كازاخستان والمغرب تحديد موعد التوقيع.

وعليه، توقع دخول نحو خمس اتفاقيات جديدة حيز التنفيذ خلال الشهرين أو الشهرين والنصف المقبلين، وما بين سبع وثماني اتفاقيات إجمالاً قبل نهاية عام 2026.

وأوضح أن الاتفاقية مع رواندا وصلت إلى مراحلها النهائية، وأن ملف المفاوضات مع تايلاند أُعيد فتحه بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي في أقرب وقت ممكن.

كما أشار إلى أن مفاوضات دول»الميركسور«بلغت مراحل متقدمة، وأن المفاوضات مع بيرو وعدد من الدول الأفريقية تسير بصورة جيدة. وبشكل عام، أوضح الزيودي أن هناك ما بين خمس وسبع اتفاقيات في مراحلها النهائية، يُتوقع الانتهاء منها قبل نهاية العام الجاري.

وفيما يخص المفاوضات مع مصر، أفاد بأنها وصلت إلى مرحلتها النهائية، معرباً عن أمله في استكمال التنسيق الداخلي لدى الجانب المصري لإتمام الاتفاقية في القريب العاجل، لافتاً إلى أن العديد من البنود المطروحة سبق أن اعتمدتها مصر ضمن اتفاقيات مماثلة مع شركاء تجاريين كبار آخرين.

أما بخصوص المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، فأكد الزيودي أنها مستمرة بهدف الانتهاء منها قبل نهاية العام، مشيراً إلى أن الإمارات تعمل وفق مسارين متوازيين: الثنائي والخليجي المشترك. وعلى المستوى الخليجي، انتهت المفاوضات قبل نحو شهرين مع المملكة المتحدة، وتعتزم الإمارات بدء مفاوضات ثنائية إضافية مع بريطانيا لاستكمال جوانب لم تغطها الاتفاقية الخليجية. كما انتهت المفاوضات مع الصين ونيوزيلندا على المستوى الخليجي، وتنتظر إجراءات الموافقة النهائية، فيما تقترب المفاوضات مع كوريا الجنوبية من نهايتها بانتظار دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

وأوضح الوزير أن الاتفاقيات الثنائية تمنح الإمارات سرعة ومرونة أكبر مقارنة بالاتفاقيات عبر التكتلات، التي تحتاج وقتاً أطول لاستكمال إجراءات الموافقة الداخلية لدى مختلف الدول الأعضاء.

الذهب يتصدر تداولات السلع

وأظهرت البيانات أن الذهب يواصل تصدر قائمة السلع المتداولة في التجارة غير النفطية للإمارات، بقيمة بلغت 706.2 مليار درهم ونمو سنوي وصل إلى 48.8% خلال النصف الأول من 2026، فيما تشكل السلع العشر الرئيسية نحو 67% من إجمالي التجارة السلعية غير النفطية للدولة.

وأكد الزيودي أن الهدف لا يقتصر على التركيز على عشر سلع رئيسية فحسب، بل يمتد إلى فتح الأسواق أمام أكثر من 90% من إجمالي تجارة الإمارات مع الدول الموقعة على اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة.

وأشار إلى نمو واضح في الصناعات المرتبطة بالمعادن الأساسية كالنحاس والحديد والألمنيوم، التي باتت تدخل أسواقاً جديدة وتحقق نمواً كبيراً.

جاهزية وطنية مستدامة

وفي معرض حديثه عن الآليات التي اعتمدتها الإمارات لضمان استمرارية تدفق التجارة والسلع في مختلف الظروف، أكد الزيودي أن الجاهزية المسبقة كانت العنصر الأهم، حيث لعبت الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث دوراً بارزاً في إعداد سيناريوهات استباقية وضمان التنسيق بين مختلف الجهات المعنية. كما أسهمت عمليات التنبؤ المبكرة في توفير مخزون استراتيجي كافٍ من السلع الأساسية، وضمان جاهزية كل الآليات اللازمة لتفعيلها عند الحاجة.

وأشار إلى أن البنية التحتية المتطورة التي بنتها الدولة على مدى العقود الماضية أثبتت جدواها الكبيرة، إلى جانب شبكة العلاقات الدولية والاستثمارات الإماراتية الممتدة في الموانئ والبنية اللوجستية حول العالم، والتي أسهمت مجتمعة في ضمان استمرار تدفق السلع والخدمات بسلاسة. كما لفت إلى الدور المتنامي للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إدارة سلاسل الإمداد والقطاع اللوجستي، باعتبارهما من أهم الأدوات التي أثبتت فعاليتها العملية على أرض الواقع.

عوامل نمو التجارة الخارجية

بحسب ما ذكره معالي ثاني الزيودي وزير التجارة الخارجية في الحوار، أهم العوامل التي أدت إلى نمو التجارة الخارجية غير النفطية جاءت مرتبة كالتالي:

استراتيجية التنويع الاقتصادي والبنية التحتية: الاستمرار في تنفيذ استراتيجية التنويع الاقتصادي، والاستفادة القصوى من البنية التحتية التي طورتها الإمارات، إلى جانب الشبكة اللوجستية المبنية على مدار العقود الماضية.

اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA): الاستفادة الكبيرة من هذه الاتفاقيات التي لعبت دوراً مهماً في فتح الأسواق وتعزيز تدفقات التجارة مع الشركاء الدوليين.

المرونة وسرعة التكيف: القدرة العالية على التكيف السريع مع المستجدات والظروف التي مرت بها المنطقة خلال الفترة الماضية.

وأضاف الزيودي أن الأولوية خلال هذه الفترة تحولت من التركيز فقط على تحقيق النمو والربحية، إلى ضمان انسيابية حركة التجارة، وتوفير السلع في الأسواق دون انقطاع، إلى جانب رفع كفاءة الربط بين القطاعات اللوجستية المختلفة (البحرية والبرية والجوية)، وهو ما كان له أثر مباشر في تحقيق هذه النتائج.

استثمارات إماراتية متسارعة في سوريا..والعقارات تتصدر الفرص

كشف معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، عن تنامي الاستثمارات الإماراتية في السوق السورية، مؤكداً أن الأمور تسير بصورة إيجابية عقب زيارته للبلاد في مايو الماضي على رأس وفد اقتصادي كبير ضم أكثر من 140 مشاركاً من مختلف القطاعات. ووصف الوزير السوق السورية بأنها سوق واعدة وذات حجم كبير، في إشارة إلى الفرص المتعددة التي تتيحها المرحلة الحالية لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين البلدين على أسس جديدة.

موانئ إماراتية على الأرض السورية

تُعد قطاعات الموانئ والبنية التحتية اللوجستية من أوائل المجالات التي دخلت فيها الشركات الإماراتية إلى السوق السورية بشكل ملموس. فقد وقّعت»موانئ دبي العالمية«عقداً لإدارة أحد الموانئ السورية لمدة 30 عاماً، وهو ما يعكس التزاماً استثمارياً طويل الأمد يتجاوز الفرص الآنية إلى رؤية استراتيجية ممتدة.

وإلى جانبها، تحضر»موانئ أبوظبي" في السوق ذاتها ضمن تحالف مع إحدى الشركات الفرنسية، مع خطط قائمة لتوسيع نطاق حضورها مستقبلاً. وتأتي هذه الاستثمارات في إطار توجه إماراتي أوسع لبناء شبكة موانئ عالمية تديرها شركات وطنية في عدة دول، وهو النهج ذاته الذي تتبعه الإمارات في أسواق أخرى مثل الهند وباكستان ومصر والسعودية.

يرى الزيودي أن القطاع العقاري سيكون الأبرز من حيث حجم الفرص الاستثمارية في سوريا خلال المرحلة المقبلة، وهو تقييم يستند إلى الحاجة الكبيرة لإعادة الإعمار والتطوير العمراني التي تشهدها البلاد حالياً.

ويقوم رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار بدور محوري في هذا الملف، حيث أوضح الوزير أن الأمور تسير بصورة إيجابية بين الجانبين، ولم يتبق سوى استكمال بعض الموافقات والإجراءات القانونية والالتزامات المتبادلة، قبل أن يُعلن رسمياً عن تفاصيل المشاريع المرتقبة.

وبحسب توقعات الزيودي، من المرتقب أن تبدأ الخطوات التنفيذية واللمسات الأولى لهذه المشاريع خلال فترة تتراوح بين الشهرين والثلاثة أشهر المقبلة، وهو جدول زمني يعكس تقدماً ملموساً في المفاوضات القائمة بين الجانبين.

لم تقتصر الفرص الاستثمارية الإماراتية في سوريا على قطاعي الموانئ والعقارات فحسب، إذ أشار الزيودي إلى أن القطاع الزراعي يشهد بدوره تقدماً ملموساً، حيث تجري حالياً دراسات جدوى تفصيلية لعدد من المشروعات الزراعية المرتقبة، وهو ما يعكس اهتماماً إماراتياً بالاستفادة من الأراضي الزراعية السورية الخصبة ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز الأمن الغذائي الإقليمي.

كما تجري دراسة فرص الاستثمار في القطاع المصرفي السوري بشكل مفصّل، في خطوة قد تفتح الباب أمام دخول مؤسسات مالية إماراتية إلى السوق السورية لدعم عجلة إعادة الإعمار وتمويل المشروعات الاستثمارية المرتقبة.

وإلى جانب ذلك، تدرس الإمارات فرصاً واعدة إضافية في قطاع التكنولوجيا، وإن كانت هذه الدراسات لا تزال في مراحلها الأولى مقارنة بالقطاعات الأخرى الأكثر نضجاً من حيث الاستعداد للاستثمار.

تعكس بيانات التبادل التجاري بين البلدين حجم الزخم الاقتصادي المتنامي بين الإمارات وسوريا؛ إذ سجّل التبادل التجاري غير النفطي بينهما نمواً لافتاً بلغ 132.4% خلال العام الماضي، ليقفز من مستويات محدودة إلى نحو 1.4 مليار دولار (ما يعادل نحو 5 مليارات درهم).

ويُعد هذا المعدل من أعلى معدلات النمو التي سجلتها الإمارات مع أي من شركائها التجاريين خلال الفترة نفسها، ما يشير إلى أن سوريا تتحول تدريجياً من سوق هامشية إلى وجهة استثمارية وتجارية ذات أولوية متصاعدة ضمن خريطة العلاقات الاقتصادية الإماراتية في المنطقة.

ويأتي هذا التوجه الإماراتي المتنامي نحو السوق السورية في سياق أوسع من الاستراتيجية الاقتصادية للدولة القائمة على تنويع الأسواق والشراكات، وهو النهج ذاته الذي تنتهجه الإمارات في توسيع شبكة اتفاقياتها التجارية وموانئها حول العالم، بما يعزز مكانتها كمركز إقليمي رئيسي لإعادة الإعمار والاستثمار في سوريا خلال المرحلة المقبلة.