تتحول صناعة الألعاب الإلكترونية في دبي من قطاع ترفيهي سريع النمو إلى رافد اقتصادي واعد ضمن منظومة الاقتصاد الرقمي، مدعومة برؤية واضحة تستهدف استقطاب الشركات والمواهب، وتطوير المحتوى، وبناء بيئة أعمال قادرة على المنافسة عالمياً.
وتشير بيانات حديثة من المكتب الإعلامي لحكومة دبي إلى أن حجم سوق الألعاب الإلكترونية في دولة الإمارات يتجه إلى بلوغ 4.65 مليارات درهم خلال عام 2025، مع نمو متوقع بنسبة 8% خلال السنوات المقبلة، فيما بلغ حجم السوق في دبي نحو 3 مليارات درهم العام الماضي، بما يعكس استحواذ الإمارة على نحو 65% من سوق الألعاب الإلكترونية في الدولة خلال 2025.
منظومة متنامية
تكتسب هذه الأرقام أهميتها من كونها تأتي في ظل تسارع واضح في نمو المنظومة المحلية للألعاب؛ إذ تحتضن دبي اليوم 350 شركة تعمل في القطاع، بينها 260 مطور ألعاب متخصصاً، فيما تم تأسيس 60 شركة جديدة منذ إطلاق «برنامج دبي للألعاب 2033» أواخر عام 2023، لترتفع منظومة الألعاب في الإمارة بنسبة 16.6% خلال فترة وجيزة.
ويُعد "برنامج دبي للألعاب 2033"، الذي تشرف عليه مؤسسة دبي للمستقبل، الركيزة الأبرز في هذا التحول، إذ يستهدف ترسيخ موقع دبي ضمن أفضل 10 مراكز عالمية في قطاع الألعاب، ورفع مساهمة القطاع في اقتصاد الإمارة إلى 3.67 مليارات درهم بحلول عام 2033، إضافة إلى استحداث 30 ألف وظيفة متخصصة في مجالات التطوير، والبرمجة، والتصميم، والإنتاج، والرياضات الإلكترونية.
فعاليات مؤثرة
ولا يقتصر نمو القطاع على الشركات والمطورين، بل يمتد إلى الفعاليات الجماهيرية والمهنية التي باتت تشكل منصات فاعلة لجذب الاستثمارات وبناء الشراكات. فقد سجل مهرجان دبي للألعاب والرياضات الرقمية حضوراً لافتاً، جامعاً عشرات الآلاف من الزوار، وملايين اللاعبين عبر بطولات محلية وإقليمية، إلى جانب مشاركة خبراء ومستثمرين وشركات ناشئة من عشرات الدول، ما يعكس قدرة دبي على تحويل الفعاليات الترفيهية إلى منصات اقتصادية ومعرفية.
وعلى هامش مهرجان دبي للألعاب والرياضات الرقمية، أكد الدكتور سعيد مبارك خرباش، الرئيس التنفيذي لقطاع السياسات والبحوث والبرامج في هيئة المعرفة والتنمية البشرية بدبي، أن الألعاب الإلكترونية أصبحت جزءاً أساسياً من حياة الشباب وثقافتهم اليومية، مشيراً إلى أن "75% من سكان دولة الإمارات يمارسون الألعاب الإلكترونية بشكل نشط".
مهارات المستقبل
وقال خرباش إن الألعاب لم تعد مجرد وسيلة ترفيهية، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً وإبداعياً متنامياً يوفر فرصاً متنوعة في التصميم، والفنون، والتسويق، والإعلام، وتحليل البيانات، مضيفاً أن لها إسهاماً واضحاً في تنمية مهارات المستقبل لدى الطلبة، مثل الإبداع، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والتواصل.
وتنسجم هذه الرؤية مع توجهات "استراتيجية التعليم 2033"، إذ أوضح خرباش أن هيئة المعرفة، من خلال شراكاتها مع المدارس والجامعات، تعمل على تمكين كل متعلم من اكتشاف مواهبه وقدراته الفريدة وتطويرها، بما يشمل المواهب المرتبطة بالتعليم الرقمي والتقنيات الناشئة.
مشاركة أوسع
وتبرز في هذا المشهد جهات حكومية وشبه حكومية عدة تعمل على دعم القطاع من زوايا مختلفة. فدائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، عبر مؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة، تجعل من مهرجان دبي للألعاب والرياضات الرقمية منصة لتعزيز السياحة والترفيه والاقتصاد الإبداعي. كما يعمل مركز دبي للسلع المتعددة من خلال مركز الألعاب التابع له على توفير بنية تحتية متخصصة وتراخيص وخدمات للشركات العاملة في الألعاب والرياضات الإلكترونية، في حين تسهم دبي للغرف في دعم الحوار بين القطاعين العام والخاص عبر مجموعة دبي للألعاب والرياضات الإلكترونية.
وفي هذا الإطار، قالت منى الفلاسي، مديرة استراتيجية الرياضات الإلكترونية والألعاب في مؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة، إن حجم المشاركة في نسخة هذا العام من مهرجان دبي للألعاب والرياضات الرقمية فاق ما تحقق في الأعوام السابقة، معتبرة أن ذلك يعكس «الطاقة الإيجابية» التي تضيفها الألعاب الإلكترونية إلى اقتصاد دولة الإمارات.
أثر تجاري
وأوضحت الفلاسي أن معرض "جيم اكسبو" بوصفه إحدى أبرز فعاليات مهرجان دبي للألعاب والرياضات الرقمية، لا يقتصر على التجربة الترفيهية، بل يؤدي دوراً اقتصادياً مباشراً عبر ربط الجمهور بالإصدارات الجديدة ومنصات البيع. فمناطق الألعاب تتيح للجمهور تجربة العناوين الجديدة، ثم شراؤها من متاجر التجزئة، بما يعزز الحركة التجارية المرتبطة بالألعاب الإلكترونية.
وأضافت أن المهرجان يدعم مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية "D33" من خلال محورين أساسيين: تنمية المهارات المحلية، وتهيئة بيئة جاذبة للشركات العالمية والمواهب المتخصصة. وقالت إن العمل مع المدارس يمثل جزءاً مهماً من هذا التوجه، لافتة إلى أن بطولات "ماينكرافت" التي نُظمت خلال السنوات الماضية أظهرت إقبالاً قوياً من الطلبة، وأسهمت في استخدام اللعبة كمنصة تعليمية تعزز الاستقطاب نحو مجالات الألعاب والتقنيات الرقمية.
تعليم تفاعلي
وأشارت الفلاسي إلى أن التعاون مع المدارس تطور من مجرد مسابقات إلى مسارات أكثر ارتباطاً بالإبداع الرقمي. فقد شهدت النسخة الأخيرة إطلاق مسابقة تتيح للطلبة ابتكار ورسم شخصيات باستخدام أدوات مستوحاة من عالم الألعاب، بالتنسيق مع هيئة الثقافة والفنون في دبي، ما أظهر إقبالاً واضحاً من الطلبة على هذا النوع من المحتوى الذي يجمع بين الخيال، والتصميم، والمهارات الرقمية.
ويعكس ذلك اتجاهاً متزايداً إلى التعامل مع الألعاب الإلكترونية بوصفها منصة تعليمية وتدريبية، وليست مجرد مساحة للترفيه. فالطالب الذي يشارك في تصميم شخصية، أو بناء عالم افتراضي، أو خوض تحدٍّ جماعي، يكتسب مهارات ترتبط بسوق العمل المستقبلي، من التفكير الإبداعي إلى حل المشكلات والتعاون والعمل تحت الضغط.
تجارب جديدة
وأوضحت الفلاسي أن نسخة هذا العام شهدت تطويراً في محتوى المهرجان، ومن بينها مناطق وتجارب جديدة داخل "جيم اكسبو"، مثل "Future Lab" التي تتيح للأطفال والشباب التفاعل مع التقنيات الحديثة، ومنطقة "Neo Tokyo" المستوحاة من الثقافة اليابانية والأنمي، والمدعومة من هيئة الثقافة والفنون في دبي، إلى جانب مشاركة "ليغو" للمرة الأولى من خلال تحديات تفاعلية تستهدف العائلات والأطفال.
ويؤكد هذا التوسع أن مهرجان دبي للألعاب والرياضات الرقمية لم يعد مجرد فعالية موسمية للترفيه، بل أصبح منصة تجمع العائلات، والطلاب، والمطورين، والشركات، والمستثمرين، وصناع المحتوى في مساحة واحدة، بما يعزز الترابط بين التجربة الجماهيرية والفرص الاقتصادية والمعرفية.
وعي رقمي
ومن اللافت أن الاهتمام بالألعاب لم يعد محصوراً في الشركات والمطورين، بل امتد إلى جهات مجتمعية وأمنية، وفي مقدمتها شرطة دبي، التي أصبحت حاضرة في هذا القطاع من خلال تنظيم بطولات للرياضات الإلكترونية تستهدف الشباب، وتربط بين التنافس الرقمي والتوعية بالأمن السيبراني.
وقد شهدت النسخة الخامسة من بطولة شرطة دبي للرياضات الإلكترونية مشاركة أكثر من 1500 لاعب من جنسيات مختلفة، مع جوائز مالية بلغت 200 ألف درهم، إلى جانب رسائل توعوية حول مخاطر الاحتيال الإلكتروني، والابتزاز عبر الألعاب، وأهمية حماية البيانات الشخصية والتوازن في ممارسة الألعاب.
مساحة اجتماعية
ويعكس دخول شرطة دبي إلى هذا المجال فهماً أوسع لطبيعة الألعاب الإلكترونية بوصفها مساحة اجتماعية واقتصادية ورقمية في آن واحد، تستدعي تعزيز الوعي بقدر ما تستدعي دعم الابتكار. فاللاعب اليوم ليس مجرد مستهلك للمحتوى، بل قد يكون مطوراً، أو صانع محتوى، أو رائد أعمال، أو محترفاً في الرياضات الإلكترونية.
وتستفيد دبي في هذا النمو من مجموعة عوامل متكاملة، من بينها البنية التحتية الرقمية المتقدمة، وسهولة تأسيس الأعمال، وتوفر المناطق الحرة، وتنامي مجتمع المواهب، واستضافة الفعاليات العالمية، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يربط أسواق الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا.
فرص عالمية
كما أن ارتباط الألعاب بتقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والميتافيرس يفتح أمام الإمارة فرصاً أوسع في مجالات التعليم، والتدريب، والسياحة الرقمية، وصناعة المحتوى. فالألعاب لم تعد منتجاً منفصلاً عن بقية القطاعات، بل أصبحت نقطة التقاء بين التكنولوجيا، والإبداع، والتعليم، والاستثمار.
وتقول الفلاسي إن الاستثمارات العالمية في قطاع الألعاب مرشحة للنمو بقوة خلال السنوات المقبلة، مشيرة إلى أن دبي تلمس بالفعل اهتماماً متزايداً من الشركات العالمية والمطورين، سواء من الإماراتيين أو المقيمين، بالاستثمار في سوق الألعاب المحلي وتطوير محتوى قادر على المنافسة إقليمياً وعالمياً.
مستقبل الصناعة
وبينما تتسارع المنافسة العالمية على اقتصاد الألعاب، تبدو دبي في موقع متقدم بفضل انتقالها من مرحلة استضافة الفعاليات إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الشركات، والمطورين، والمستثمرين، والمواهب، والجهات التنظيمية، والمؤسسات التعليمية، والجهات المجتمعية. وهذا ما يجعل القطاع مرشحاً ليكون أحد محركات الاقتصاد الإبداعي والرقمي خلال العقد المقبل.
ومع استهداف 30 ألف وظيفة ومساهمة اقتصادية بمليارات الدراهم بحلول 2033، لا تنظر دبي إلى الألعاب الإلكترونية باعتبارها صناعة ترفيهية فحسب، بل باعتبارها اقتصاداً قائماً بذاته، يتقاطع مع التكنولوجيا، وريادة الأعمال، والأمن الرقمي، والتعليم، والسياحة، وصناعة المستقبل.