أكد موقع «ريتز هيرالد» أن مركز دبي للسلع المتعددة يعيد صياغة مستقبل التجارة العالمية. وذكر الموقع أن المركز أعلن مؤخراً عن تحقيق إنجاز استثنائي بتجاوز عدد الشركات المسجلة فيه حاجز الـ 26000 شركة، وقد تحقق هذا الإنجاز بعد انضمام 2300 شركة جديدة خلال عام 2025، مما يعكس بوضوح تحولاً جوهرياً في محرك دبي الاقتصادي.
وبحسب الموقع، فإن حجم وتشكيلة هذا التوسع في المركز أثارا دهشة المراقبين؛ فبعد أن كان مركز دبي للسلع المتعددة يعرف تاريخياً بكونه منصة رائدة لتجارة السلع الأساسية، ومركزاً لتدفقات الذهب، والألماس، والطاقة، فرضت التكنولوجيا نفسها كقوة مهيمنة تتجاوز تلك القطاعات التقليدية، واليوم، يمثل قطاع التكنولوجيا المنظومة الأكبر داخل المنطقة الحرة، حيث يضم أكثر من 4000 شركة.
ويُظهر هذا التحول الاستراتيجي حرص دبي على دمج التجارة، والتمويل، والتكنولوجيا ضمن منصة واحدة مترابطة؛ إذ أصبحت المدينة بيئة أعمال حديثة تعتبر فيها البنية التحتية الرقمية ركيزة أساسية للتجارة المادية، ومحركاً رئيسياً لتدفقات رؤوس الأموال عبر الابتكار.
الترفيه الرقمي
وتجلت معدلات النمو المرتفعة لقطاع التكنولوجيا في المركز بشكل واضح من خلال القطاعات الناشئة؛ مثل العملات المشفرة، والذكاء الاصطناعي، ومراكز الألعاب الإلكترونية. ويقع ضمن هذه الفئة أكثر من 1000 شركة، مما يخلق تجمعاً استثنائياً للشركات ذات النمو السريع؛ حيث شهدت هذه البيئة انضمام أسماء عالمية بارزة مثل: Kraken، وCrypto.com، في حين اختارت شركة Bitcoin.com تأسيس مقرها الإقليمي في مركز الكريبتو التابع لمركز دبي للسلع المتعددة.
ويدرك الخبراء الأثر الإيجابي الهائل لهذا التكتل؛ فتواجد الشركات التي تعمل في طليعة التكنولوجيا والتمويل معاً يشجع على التعاون العابر للقطاعات؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لشركات البلوك تشين العمل جنباً إلى جنب مع تجار السلع، بينما تستفيد شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة من الشبكات اللوجستية، ويستطيع مطورو الألعاب فتح مسارات تجارية جديدة عبر تكامل التقنيات المالية.
وفي سياق متصل، تبرز فرصة واعدة وغير مطروقة بالقدر الكافي في سوق الترفيه الرقمي المنظم؛ حيث عملت دولة الإمارات مؤخراً على تخفيف القيود التنظيمية المتعلقة بصناعة الألعاب، مما يفتح الباب أمام شركات التكنولوجيا للاستفادة من هذا القطاع.
ومع تزايد الإقبال على الأشكال الجديدة للترفيه الرقمي، أصبح هذا المجال يشكل فرصة ذهبية لشركات التكنولوجيا لدعم صناعة آمنة، وقابلة للتوسع، وتتمتع بتجارب غامرة للمستخدمين.
بيئة مثالية لابتكارات الألعاب الإلكترونية
من الجدير بالذكر أن الخبرات اللازمة لبناء هذه الصناعة -بدءاً من معالجات الدفع الفوري، مروراً بتصميم واجهات المستخدم المتقدمة، وصولاً إلى أدوات التخصيص المدعومة بالذكاء الاصطناعي- متوفرة بالفعل داخل مجمعات مركز دبي للسلع المتعددة.
ولا تكتفي دبي بأن تكون سوقاً استهلاكية في هذا المجال، بل مؤهلة لتصبح مركزاً خلفياً للابتكار وتطوير الأنظمة، حيث يمكن للمطورين الاستفادة من البنية التحتية للمركز، ووفرة رؤوس الأموال، والقرب من طرق التجارة العالمية لإنتاج برمجيات وألعاب للمشغلين الدوليين.
وسيؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى زيادة الطلب على المهارات المتخصصة في الأمن السيبراني، وتوثيق البلوك تشين، والمدفوعات الرقمية؛ وهي مجالات يستثمر فيها المركز بكثافة بالفعل. وجاء هذا النمو السريع مدفوعاً بطلب عالمي قوي، إذ تُشير سجلات تسجيل الشركات الجديدة في 2025 إلى اهتمام مستدام من أسواق رئيسية مثل الهند، والمملكة المتحدة، وتركيا.
ومع ذلك، سُجل أسرع معدل نمو من الولايات المتحدة، والصين، وألمانيا، وسويسرا. ويعكس هذا التنوع في تدفق الشركات حقيقة أن دبي لا تزال بوابة عالمية جاذبة للأسواق الإقليمية والدولية.
سلع تقليدية تحتفظ ببريقها
ورغم التركيز الكبير على التكنولوجيا، لم تفقد المنطقة الحرة اهتمامها البالغ بالسلع الأساسية؛ فقد استضافت بورصة دبي للماس أكثر من 100 مناقصة ومزاد خلال العام الماضي، بينما يستمر تداول الذهب والمعادن الثمينة في لعب دور حيوي في منظومة المركز.
وفي خطوة تدمج بين الأصالة والحداثة، تم تحويل سبيكة فضة قياسية بوزن 1971 كيلوغراماً إلى أصول رقمية عبر منصة (DMCC Tradeflow)، في مؤشر واضح على أن الابتكار الرقمي يعيد تعريف القطاعات التقليدية.
اقتصادياً ومالياً، ارتفع النشاط بشكل ملحوظ، فقد سجلت منصة (DMCC Tradeflow) أكثر من 296 ألف معاملة بقيمة تجاوزت 1.32 تريليون درهم بزيادة قدرها 47% على أساس سنوي. وفي الوقت ذاته، سجلت بورصة دبي للذهب والسلع تداول أكثر من مليوني عقد، متجاوزةً قيمتها الإجمالية 46.9 مليار دولار.
وعلى الصعيد العمراني واللوجستي، تتطور البنية التحتية المادية بوتيرة متسارعة، فقد دخل مشروع «أبتاون دبي» مرحلته التالية، مع تطوير مساحات تجارية جديدة ستضيف 62000 متر مربع من المكاتب ومتاجر التجزئة.
ومع نفاد مبيعات المساكن ذات العلامات التجارية، والنشاط المستمر في عقارات «أبراج بحيرات جميرا» يتبين وجود طلب قوي على بيئات العمل والعيش المتكاملة، وهو عامل حاسم في جذب أفضل المواهب. وتتمثل الاستراتيجية طويلة الأمد لمركز دبي للسلع المتعددة في التعزيز المستمر لمنظومته وتوسيع نقاط الاتصال بين الصناعات المختلفة. وتم إطلاق منصات جديدة مثل (DMCC FinX) و(Wealth Hub) لربط الأسواق المالية بشكل أوثق بالاقتصاد الحقيقي.
ولضمان بيئة آمنة للمبدعين، يوفر إطار عمل دعم الملكية الفكرية المصمم حديثاً مساعدة للشركات لحماية ابتكاراتها وتحقيق العوائد منها؛ لتكون النتيجة النهائية نموذجاً اقتصادياً متكاملاً يمتد تأثيره الإيجابي إلى مناطق تتجاوز حدود المناطق الحرة التقليدية.