في خضم الحروب التجارية والاضطرابات الجيوسياسية وتشكيك متصاعد في استقرار العملات الاحتياطية، تؤدي الإمارات دورا محوريا في خريطة الثروة العالمية التي رصد إعادة رسم معالمها تقرير "إعادة الترتيب الكبرى"، الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية في طبعته السادسة والعشرين. وبينما يعيد العالم توزيع ثرواته بحثا عن ملاذات آمنة ومراكز ذات عمق مؤسسي وانفتاح مالي، تجد دبي وأبوظبي نفسيهما في مركز الثقل لهذه المعادلة الجديدة.

333 تريليونا على خريطة العالم

ورصد التقرير قفزة لافتة في الثروة المالية العالمية التي ارتفعت بنسبة 10.7% لتبلغ 333 تريليون دولار عام 2025، وهو أعلى معدل نمو منذ عام 2021، ويرتفع الرقم إلى 550 تريليون دولار حين تتم إضافة الأصول الحقيقية. وتوزعت المكاسب بشكل غير متكافئ؛ إذ قفزت الأسهم بنسبة 13.2%، فيما نمت الأصول الحقيقية بنسبة 7.4% مثقلة بارتفاع الأسعار وتزايد المعروض في الأسواق المتقدمة. وكانت الذهب المفاجأة الأبرز بارتفاع نحو 44%، مدفوعا بموجة من الشراء المركزي لدى البنوك المركزية التي أصبحت تخشى على استقرار العملات الاحتياطية. وعلى صعيد التوقعات، يتوقع نمو الثروة المالية العالمية بمعدل سنوي مركب قدره 7% حتى عام 2030، إذا تراجعت حدة التوترات الجيوسياسية.

نمو الإمارات يتجاوز المنافسين

وتحتل الإمارات المرتبة السابعة بين أكبر مراكز الثروات العابرة للحدود حول العالم، إذ ارتفعت الثروة العابرة للحدود المودعة فيها بنسبة لافتة بلغت 11.1% عام 2025 لتصل إلى 721 مليار دولار، متجاوزة بذلك معدلات نمو مراكز راسخة مثل لوكسمبورج وجزر كايمان والبهاماز. ويرجع هذا الأداء إلى منظومة متكاملة من العوامل كشفها التقرير. وهي التطور المتسارع للبنية التحتية المالية في مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي، واستمرار جاذبية اﻹمارات كموطن ثان للأفراد من ذوي الثروات المرتفعة قادمين من مناطق ذات توترات عالية، فضلا عن بيئة تنظيمية أجمعت عليها التقارير الدولية بوصفها من أكثر البيئات مرونة وانفتاحا.

ولم يتجاهل التقرير التحديات؛ مشيرا إلى أن المخاطر قصيرة الأجل لا تزال مرتفعة في ظل التوترات الإقليمية. وفي السيناريو الأساسي المبني على استقرار نسبي في النصف الثاني من العام، يتوقع التقرير أن يستأنف النمو وتيرته بمعدل 6% سنويا، ليبلغ إجمالي الثروة العابرة للحدود المودعة في الإمارات أكثر من 900 مليار دولار بحلول عام 2030.

الإمارات تقاطع شبكتين عالميتين

وكشف التقرير عن ظاهرة بالغة الأهمية لفهم المكانة الاستراتيجية للإمارات، حيث تتشكل خريطة الثروات العالمية من شبكتين؛ الأولى تتمحور حول هونغ كونغ وسنغافورة وتستقطب الرساميل الصينية والهندية ومن جنوب شرق آسيا، والثانية تتمحور حول سويسرا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وتستقطب الثروات الأوروبية واللاتينية والشرق أوسطية. وتجد الإمارات نفسها في موضع نادر يتيح لها التموضع على حدود الشبكتين معا، ما يمنحها ما وصفه التقرير بـ"الأفضلية البنيوية" التي تضاعف قدرتها التنافسية في استيعاب التدفقات الدولية.

وقد استحوذت مراكز الإيداع العشرة الكبرى على قرابة 90% من التدفقات العابرة للحدود الجديدة، مع هيمنة الدول الآسيوية على الصدارة، حيث هونغ كونغ احتلت المرتبة الأولى بثروة بلغت 2.9 تريليون دولار بنمو 10.7%، تلتها سويسرا في المرتبة نفسها من حيث الحجم لكن بنمو أكثر تحفظا عند 7.6%، ثم سنغافورة في المرتبة الثالثة بـ2.1 تريليون دولار ونمو 10.3%، فيما جاءت الإمارات في المرتبة السابعة متقدمة في معدل النمو على معظم من سبقها في الترتيب.

زخم الشرق الأوسط وأفريقيا

وعلى المستوى الإقليمي، نمت الثروات الاسمية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بنسبة 12.3% عام 2025، لترتفع إلى 9.2 تريليونات دولار. وأرجع التقرير هذا الأداء إلى التنويع الاقتصادي المتسارع في دول الخليج والنشاط الاستثماري المرتفع، إلى جانب توسع ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي في دول أفريقيا جنوب الصحراء.

ويقدر معدل النمو السنوي المركب المتوقع خلال السنوات الخمس المقبلة بـ7%، فيما يشير إلى زخم بنيوي يتجاوز التقلبات الطارئة، رغم تحذير التقرير من المخاطر الجيوسياسية وعدم انتظام معدلات التضخم وضعف أسواق رأس المال في بعض دول القارة الأفريقية.

مديرو الثروات: الإمارات السوق الأسرع نموا

وخصص التقرير مساحة تحليلية لظاهرة مديري الثروات المستقلين الذين بات قطاعهم يمثل قوة صاعدة في صناعة إدارة الثروات عالميا. وفي قائمة الأسواق الأسرع نموا، تتصدر الإمارات المشهد إلى جانب الهند وسنغافورة، وتقدر أصول الشركات المستقلة العاملة تحت إشراف هيئة الخدمات المالية في دبي ومنظومة سوق أبوظبي العالمي بما بين 100 و150 مليار دولار بمعدل نمو يتراوح بين 6 و12 بالمئة. ويتميز هذا القطاع بأنه يخدم شريحة العملاء من الأثرياء الناشئين بعتبة دنيا للثروات تبدأ من 250 ألف دولار، وهو ما يجعله مكملا للبنوك الخاصة الكبرى لا منافسا لها.

موجة ثروات الأسواق الناشئة وتداعياتها على الإمارات

كما أبرز التقرير أن الأسواق الناشئة ستضيف نحو 12 تريليون دولار من الثروات المالية، وأنها تسهم بنحو 10% من نمو الثروة العالمية حتى نهاية العقد، وتقود الهند هذا الاتجاه بأكثر من تريليوني دولار، تليها البرازيل بتريليون دولار، ثم المكسيك بـ600 مليار دولار. ويتوقع أن ينمو قطاع الأثرياء الناشئين الذين تتجاوز ثرواتهم 250 ألف دولار في هذه الأسواق بمعدل سنوي 8%، مع إضافة أكثر من مليون مليونير جديد بحلول 2030. وتتقاطع هذه المعطيات مع الإمارات تحديدا من زاوية استقطاب الثروات والكفاءات من الهند والدول الناشئة الأخرى، خاصة أن دبي أصبحت من أبرز محطات الهجرة الاستثمارية لأثرياء هذه المناطق.

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم إدارة الثروات

كما حلل التقرير كيف قلب الذكاء الاصطناعي موازين الصناعة؛ إذ أدى إعلان شركة تقنية أمريكية ناشئة عن ميزة تخطيط ضريبي مدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى محو ما يزيد على 140 مليار دولار من القيمة السوقية لعدد من كبرى شركات إدارة الثروات. ويمثل ذلك، في تقدير التقرير، إقرارا من السوق بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد إضافة إنتاجية هامشية. وتشير التوقعات إلى أن تطبيق الذكاء الاصطناعي بشكل كامل يمكن أن يضيف ما بين 25 و30 بالمئة من الطاقة الإنتاجية للتخطيط وإدارة المحافظ، مع رفع عائد بين 15 و20 بالمئة عبر تحسين معدلات الإحالة والاحتفاظ بالعملاء. وفي سياق المنافسة المتصاعدة على استقطاب الشركات المالية والتقنية، يتحول تفوق الإمارات في تبني هذا التحول إلى رافعة تنافسية إضافية.

هونغ كونغ — 2.9 تريليون — نمو 10.7%

سويسرا — 2.9 تريليون — نمو 7.6%

سنغافورة — 2.1 تريليون — نمو 10.3%

الولايات المتحدة — 1.6 تريليون — نمو 7.7%

المملكة المتحدة — 1.0 تريليون — نمو 7.0%

جزر القنال وجزيرة مان — 0.8 تريليون — نمو 6.5%

الإمارات — 0.7 تريليون — نمو 11.1%

لوكسمبورغ — 0.6 تريليون — نمو 7.1%

جزر كايمان — 0.5 تريليون — نمو 6.5%

جزر البهاما — 0.5 تريليون — نمو 7.8%