يمثل قطاع اليخوت في الإمارات نموذجاً فريداً لالتقاء الطموح الاستراتيجي بالفرص الاقتصادية؛ حيث تتلاقى ناطحات السحاب الصحراوية مع أفق المحيط الممتد لتشكل عاصمة جديدة لرفاهية الملاحة البحرية. واليوم يمر هذا القطاع بمنعطف تاريخي حاسم، بعد أن انتزعت سياحة اليخوت الصدارة في مشهد القيادة وأسلوب الحياة العصري والربط العالمي الذي تقوده الدولة، بحسب مجلة «إنترناشونال بيزنس».
ونضج القطاع ليتحول إلى مركز عالمي للأنشطة البحرية الفاخرة، مدفوعاً بمشاريع المرافئ الضخمة، والاستراتيجيات الحكومية الطموحة، والطلب المتنامي من أصحاب الملاءة المالية الفائقة. وأسهمت البيئة الضريبية الجاذبة، والبنية التحتية للمراسي ذات المعايير العالمية، والطقس المثالي للإبحار على مدار العام، في قفزة نوعية للمبيعات؛ مما جعل دبي وأبوظبي تنافسان المراكز التقليدية في البحر الأبيض المتوسط، وتطرحان الإمارة كأفضل قاعدة شتوية لامتلاك وإرساء اليخوت الفاخرة.
بيئية تدعم النمو
وشهد القطاع دفعة قوية وعميقة الأثر عقب إصدار الحكومة الإماراتية لقانون بحري جديد ألغى تشريعات عام 1891 البالية، مما أدى إلى مرونة تشغيلية غير مسبوقة. وتكامل هذا التحديث التشريعي مع ربط الإقامة الذهبية بملكية اليخوت الفاخرة والمهنيين البحريين، مما رسخ استقرار القطاع وتوسعه. ويعزز هذا التميز نظام بيئي استثنائي للإبحار يمتد على خط ساحلي يتجاوز 1000 كيلومتر، ويضم أكثر من 15 مرسى فاخراً، بجانب طبيعة بحرية بكر تحتضن الشعاب المرجانية، السلاحف، الدلافين، والأسماك النادرة.
ووفقاً لتقرير مؤسسة «سوبر يخت تايمز»، تستحوذ دول مجلس التعاون الخليجي حالياً على 5.3% من أسطول اليخوت الفاخرة العالمي؛ حيث تضم المنطقة أكثر من 311 يختاً فاخراً خاصاً يتجاوز طولها 30 متراً، ويستأثر سكان الإمارات بحصة الأسد منها بنسبة 48% (بزيادة قدرها 4% مقارنة بعام 2023). وتؤكد هذه الأرقام النمو المستقر للقطاع في دبي، متجاوزاً كافة التوقعات السابقة التي تنبأت بتباطؤ المبيعات نتيجة التوترات الجيوسياسية العالمية.
وانعكس هذا التحول في تطور الهوية البحرية للدولة؛ فبعد عقود من الاعتماد على الموانئ التجارية، ومحطات الحاويات، وصادرات النفط، تحولت اليخوت إلى رموز للمواطنة، وهجرة الرساميل، والوجاهة الثقافية. فدبي؛ تحتضن اليوم 22 مرسى توفر أكثر من 3750 رصيفاً مائياً و640 رصيفاً جافاً، أما أبوظبي فقد ضخت مليارات الدراهم لتطوير مناطق بحرية مخصصة لليخوت على طول سواحلها. وقفزت حجوزات اليخوت المستأجرة في الإمارات بنسبة هائلة بلغت 379% بين عامي 2019 و2023، بينما نمت في منطقة الخليج العربي ككل بنسبة 283% للفترة ذاتها.
بنية تحتية
وتتحرك الإمارات بخطى مدروسة لتكون ضمن أفضل 5 دول بحرية عالمياً بحلول 2030، ويتضح ذلك من خلال حزمة مشاريع كبرى، أبرزها استراتيجية أبوظبي البحرية حيث رصدت 3 مليارات درهم لتحديث الموانئ والمرافق المخصصة لليخوت. كما أضافت مدينة دبي الملاحية التوسعة في المرحلة الثالثة مناطق صيانة متطورة لليخوت العملاقة قادرة على استيعاب سفن يصل طولها إلى 100 متر. وفي الشارقة قدمت المنطقة الحرة بالحمرية حوافز جاذبة لبناة السفن الدوليين، مما خلق تجمعاً حيوياً للصناعات البحرية.
وتتميز السوق الإماراتية بامتلاكها واحداً من أعلى معدلات اليخوت الفاخرة مقارنة بعدد المليارديرات عالمياً، لا سيما في فئة اليخوت التي يتجاوز طولها 24 متراً. وخلافاً للمراكز الموسمية في أوروبا، توفر الإمارات مرافئ تعمل على مدار العام، وإجراءات جمركية مبسطة، ومنظومة رفاهية متكاملة تدمج المراسي بمناطق التجزئة، والمطاعم الفاخرة، والترفيه.
وترسخ النسخة الـ32 من معرض دبي الدولي للقوارب والمقرر إقامتها في الفترة من 25 إلى 29 نوفمبر 2026، مكانة المعرض كحدث رائد تلتقي فيه النخبة البحرية العالمية. ومن المنتظر أن تشهد منصة «سوبر يخت أفينيو» استعراض أحدث تصاميم وابتكارات كبار البناة الدوليين والإقليميين مثل «جلف كرافت»، و«أزيموت»، و«فيريتي»، و«صن سيكر»، و«برينسيس يخوت». ويتجاوز المعرض كونه مجرد منصة عرض، ليتحول إلى سوق استراتيجي مغلق لإبرام صفقات الوساطة العقارية البحرية، والتخطيط للرحلات، وتدوير الأصول الائتمانية الحصرية؛ حيث تعكس أرقام الحضور والتي تخطت 4300 من كبار الشخصيات في نسخة 2025 الطبيعة النخبوية والقدرة الشرائية الجادة لزواره.
وفي 2026، يشهد القطاع حراكاً إنشائياً لافتاً مع وجود 7 مشاريع مراسي كبرى قيد التنفيذ. وساهمت التوسعة الغربية لدبي هاربور في إضافة 250 رصيفاً جديداً لليخوت التي تتراوح أطوالها بين 30 و60 متراً، مدعومة بمراكز التخليص الجمركي ومحطات الوقود والتزويد بالتموين.
وفي المقابل، تواصل أبوظبي تعزيز تنافسيتها عبر تطاوير «ياس مارينا» وشاطئ الراحة، في حين ترسخ رأس الخيمة والشارقة مكانتهما في بناء السفن واستضافة اليخوت متوسطة الحجم. وتقدر قيمة صناعة اليخوت في الإمارات لعام 2026 بنحو 136 مليون دولار، مع توقعات بالنمو لتصل إلى 174.9 مليون دولار بحلول 2033 حيث تستحوذ اليخوت الفاخرة على الحصة الأكبر من الإيرادات، بينما تسجل اليخوت الرياضية الوتيرة الأسرع في النمو.