دعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في تصريحات لافتة إلى تقليص شراء المجوهرات الذهبية لمدة عام كامل، قائلاً: «لمدة عام، ومهما كانت المناسبة، ينبغي ألا نشتري مشغولات ذهبية»، وذلك بالتزامن مع قرار الحكومة رفع رسوم استيراد الذهب والفضة إلى نحو 15%، في خطوة تعكس حساسية ملف الذهب في الاقتصاد الهندي وأهميته الاجتماعية والمالية.

وتأتي هذه التطورات في وقت يظل فيه الطلب على الذهب في الهند واحداً من أكثر الظواهر الاقتصادية صلابة في الأسواق العالمية، رغم ارتفاع الأسعار والرسوم الجمركية.

يأتي قرار الحكومة الهندية في وقت يشهد فيه السوق العالمي للذهب حالة من التذبذب نتيجة التوترات الجيوسياسية، وضعف العملات، وتزايد الطلب على الأصول الآمنة، ما دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة أصلاً، ومع إضافة الرسوم الجديدة، ارتفعت الأسعار المحلية في الهند بشكل أكبر، ما أثار تساؤلات حول مستقبل الطلب في أحد أكبر أسواق الذهب في العالم.

قراءة سلوك المستهلك الهندي تكشف صورة أكثر تعقيداً، فالذهب في الثقافة الهندية ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل هو جزء من بنية اجتماعية واقتصادية ممتدة عبر الأجيال، يُستخدم كمدخرات طويلة الأجل، ووسيلة للتحوط ضد التضخم، وضمان مالي في حالات الطوارئ، بل ويُعتبر أيضاً رمزاً اجتماعياً يرتبط بالمناسبات الكبرى مثل الزواج والأعياد.

وعلى الرغم من حساسية المستهلك الهندي تجاه الأسعار، إلا أن البيانات التاريخية تُظهر أن الطلب الإجمالي ظل مستقراً نسبياً خلال العقد الماضي، حتى مع ارتفاع كبير في الأسعار المحلية، ويعود ذلك إلى قدرة الأسر على التكيف مع الظروف، عبر تقليل الكميات المشتراة أو التحول إلى مجوهرات أقل وزناً أو عياراً، دون التخلي عن الشراء نفسه.

ويُلاحظ أن تأثير الرسوم المرتفعة يكون أكثر وضوحاً على قطاع المجوهرات، الذي يشكل نحو ثلاثة أرباع الطلب على الذهب في الهند، ففي فترات ارتفاع الأسعار، تميل الأسر إلى تأجيل شراء المجوهرات أو تقليل الإنفاق المرتبط بالمناسبات، لكن هذا التباطؤ غالباً ما يكون مؤقتاً، إذ يعود الطلب للانتعاش مع تحسن الظروف أو خلال مواسم الأعياد والزواج.

في المقابل، يشهد الطلب الاستثماري نمواً متزايداً، مع توجه الأفراد نحو شراء السبائك والعملات الذهبية وصناديق الاستثمار المتداولة في الذهب.

ويُنظر إلى الذهب في الهند كأصل مالي آمن، خصوصاً في ظل تقلبات أسواق الأسهم وضعف العوائد في بعض الفترات،. كما أن ارتفاع الرسوم المحلية يعزز الاعتقاد بأن الذهب سيواصل الارتفاع، ما يشجع المزيد من المستثمرين على الدخول إلى السوق.

من جانب آخر، يحذر خبراء من أن رفع الرسوم قد ينعكس أيضاً على زيادة نشاط السوق غير الرسمي أو التهريب، كما حدث في دورات سابقة عندما ارتفعت تكاليف الاستيراد، ورغم ذلك، تبقى قدرة الدولة على ضبط السوق عاملاً مهماً في الحد من هذه الظواهر.

يبدو أن السياسات الضريبية وحدها غير كافية لتغيير العلاقة العميقة بين المجتمع الهندي والذهب، فالمعدن الأصفر في الهند يتجاوز كونه سلعة اقتصادية ليصبح جزءاً من منظومة الأمان المالي والاجتماعي، وهو ما يجعل الطلب عليه أكثر مرونة واستقراراً من المتوقع، حتى في ظل ارتفاع الرسوم والأسعار.