- توحيد عبدالله: مقولة «الألماس الصناعي صديق للبيئة» خدعة كبيرة

- ريتشا سينغ: تصنيع الألماس يتطلب حرارة تبلغ 20% من حرارة الشمس

- فرح يزبك: الألماس الصناعي لا يحتفظ بقيمة حقيقية عند إعادة البيع

- أحمد عنيزان: هوامش ربح تصل إلى 80% وراء انتشار الألماس الصناعي

خاتمان متشابهان في اللمعة والشكل الخارجي، لكنهما يحملان قصتين متناقضتين.. أحدهما ولد في أعماق الأرض عبر ملايين السنين حاملاً شعار «الندرة والتاريخ العريق»، والآخر صنع في المختبر بتقنيات تكنولوجية متقدمة تعكس سرعة العصر وكفاءته. وبين هذا وذاك تدور اليوم معركة صامتة في سوق الألماس، حيث يُكتب البقاء في النهاية لمن ينجح في إقناع المستهلك بالقيمة.. تعالوا نشهد وقائع هذه الحرب، ونستمع إلى شهادات من المراقبين.

فوفقاً لتقارير «ستاتيستا» و«جراند فيو ريسيرش»، يقدر إجمالي حجم سوق الألماس العالمي في عام 2025 بنحو 102.1 مليار دولار؛ ولا يزال الألماس الطبيعي يستحوذ على الحصة الأكبر من هذه الإيرادات بنسبة 71% (ما يعادل تقريباً 72.4 مليار دولار)، مدفوعاً بالطلب المستمر على المجوهرات الفاخرة والأحجار الاستثمارية.

وفي المقابل بلغ حجم سوق الألماس الصناعي (المنتج مخبرياً) 29.7 مليار دولار، وهو ما يمثل 29% من إجمالي السوق العالمي، مع تسجيله أعلى معدل نمو سنوي مركب يصل إلى 9.4%، ما يجعله القطاع الأسرع نمواً نتيجة توسع تطبيقاته في التكنولوجيا المتقدمة.

حماية المستهلك

وعن ذلك يقول توحيد عبدالله، رئيس مجلس إدارة مجموعة الذهب والمجوهرات: في السنوات الأخيرة شهدت الأسواق العالمية موجة كبيرة من الجدل حول الألماس الطبيعي والألماس المصنّع مختبرياً، خصوصاً بعد أن بدأت بعض الدول، مثل فرنسا، فرض قوانين تلزم التجار بكتابة توضيح صريح على الفواتير والمنتجات يبين أن الحجر المعروض مصنّع مختبرياً وليس طبيعياً.

وأضاف: كان الهدف من هذا الإجراء هو حماية المستهلك ومنع أي التباس أو تضليل، إذ يرى كثيرون أن إخفاء هذه المعلومة يُعدّ نوعاً من الغش التجاري، فالألماس المصنّع مختبرياً هو في جوهره منتج يُصنع داخل معامل متخصصة باستخدام تقنيات عالية الضغط والحرارة، أو عبر ترسيب البخار الكربوني، وبكبسة زر واحدة يمكن برمجة الأجهزة لإنتاج حجر «خالٍ من العيوب» وبالوزن واللون المطلوبين، خلال ساعات قليلة.

أما الألماس الطبيعي فهو ثمرة عمليات جيولوجية معقدة استمرت ملايين السنين، نتجت عنها أحجار فريدة لا تتكرر بالشكل نفسه أو التكوين نفسه، وهو ما يمنحه تلك الندرة التي ترفع قيمته المادية والاستثمارية.

ورغم التشابه الكبير في الشكل واللمعان فإن الفارق في القيمة والهوية واضح؛ فالألماس الطبيعي يحتفظ بقيمته على المدى الطويل، ويمكن بيعه أو استبداله في أي وقت تقريباً من دون خسارة كبيرة، بينما يفتقر الألماس المصنّع إلى أي قيمة استثمارية حقيقية.

الفارق في السعر

ويضيف توحيد عبدالله: الألماس المصنّع دخل السوق في بداياته بقيمة تقارب 10% من سعر الألماس الطبيعي، إلا أن فقدانه السريع للقيمة جاء نتيجة الإنتاج غير المبرر وفائض المعروض، ما أدى إلى تراجع أسعاره بشكل حاد، لتصل اليوم في بعض الحالات إلى ما بين 0.5% و1% فقط من قيمة الألماس الطبيعي.

وفي ظل هذا التراجع يشير إلى أن بعض البيوت العالمية الكبرى اتخذت قراراً بالتوقف عن إصدار شهادات للألماس المصنّع، بعد حدوث التباس واسع لدى المستهلكين.

فقد كان وجود الشهادة يُفهم غالباً على أنه ضمان للقيمة، من دون التمييز بين طبيعتها وطبيعة شهادات الألماس الطبيعي أو قراءة تفاصيلها بدقة، ما أسهم في تكوين صورة غير دقيقة عن القيمة الحقيقية للألماس المصنّع في السوق.

فقد ازداد الإنتاج العالمي من الألماس المصنّع بنسبة تجاوزت 100% خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت الأسواق تعاني من فائض ضخم يفوق حجم الطلب.

وتتصدر الصين والهند اليوم قائمة الدول المنتجة، بعد أن كانت الولايات المتحدة الأمريكية رائدة في هذا المجال.

هذا التوسع الكبير في التصنيع جعل السوق يغصّ بكميات هائلة من الألماس الصناعي؛ ما تسبب في انهيار أسعاره بشكل متواصل.

ورغم هذا التراجع يستخدم بعض التجار أساليب تسويقية تُغري المستهلكين بعروض جذابة، مثل بيع خاتم ذهب وزنه خمسة جرامات مع «فص ألماس» بسعر مغرٍ، ولكن من دون أن يوضحوا أن الفص مصنوع في المختبر.

هذه الممارسات، برأي الخبراء، تُعد تضليلاً للمستهلك، خصوصاً أن كثيرين لا يدركون الفارق بين الحجر الطبيعي والآخر المصنّع، أو يظنون أن وجود شهادة ضمان يعني أنه طبيعي، في حين أن الشهادة نفسها تقتصر غالباً على توصيف الحجر من حيث اللون والوزن والقطع، من دون التطرق لقيمته أو مصدره.

ويؤكد توحيد عبدالله اعتقاده بأن الألماس المصنّع، في ظل فقدانه السريع للقيمة وطبيعته الإنتاجية غير المحدودة، ينبغي أن يُدرج ضمن فئة الإكسسوارات لا المجوهرات، باعتباره منتجاً جمالياً للزينة أكثر منه أصلاً يحتفظ بالقيمة أو يمثل استثماراً طويل الأمد، وهو ما ميز المجوهرات الحقيقية تاريخياً واقتصادياً.

وأشار إلى أنه في العالم العربي تظل أزمة الوعي أكبر التحديات؛ فالمستهلك غالباً ما ينجذب إلى المظهر البراق من دون التحقق من المصدر أو القيمة الحقيقية.

ومع غياب مؤسسات أو مجالس تعنى بتوعية المشترين، تبقى المسؤولية على عاتق الشركات والمحلات التي يجب أن تلتزم بالشفافية الكاملة وتوضيح طبيعة الحجر في الفاتورة؛ فالقانون لا يمنع بيع الألماس الصناعي، لكنه يلزم بالإفصاح عنه بوضوح.

خدعة صديق البيئة!

وأضاف توحيد عبدالله: من الناحية البيئية يروج مصنعو الألماس المختبري لفكرة أن إنتاجهم «صديق للبيئة» لأنه لا يعتمد على التعدين.

غير أن الحقيقة مختلفة؛ فعمليات التصنيع تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء والطاقة، كما تعتمد على توربينات صناعية عملاقة؛ ما يجعل أثرها البيئي غير بسيط كما يروَّج له. صحيح أنها لا تسبب الأضرار الجيولوجية التي يحدثها التعدين، لكنها ليست خالية من الانبعاثات، ولا يمكن اعتبارها «خضراء» تماماً.

وقال: أما من ناحية الذوق العام فإن المستهلك الخليجي بطبعه يميل إلى الاقتناء الجمالي أكثر من الاستثمار، فيشتري الحجر المصنّع لما يراه من لمعان وجاذبية في المظهر.

بينما يميل المستهلك الآسيوي، خصوصاً في الهند، إلى النظرة الاستثمارية؛ فيفضل الألماس الطبيعي الذي يحتفظ بقيمته بمضي الوقت. أما في الأسواق الغربية فقد أصبح الألماس المصنّع خياراً شائعاً بدافع الاستدامة والسعر المنخفض.

وتابع: مع ذلك يجمع الخبراء على أن الألماس المصنّع، مهما يبلغ من دقة في الشكل والصفاء، لن يضاهي الألماس الطبيعي في جوهره أو رمزيته أو قيمته الاستثمارية؛ فالأول صناعة يمكن تكرارها، والثاني معجزة طبيعية لا تتكرر.

وبينما تتسع دائرة الإنتاج الصناعي عاماً بعد عام يتجه السوق تدريجياً إلى التوازن؛ إذ يبدأ الوعي العام الارتفاع، ويدرك المستهلك أن ما يلمع ليس دائماً ذهباً، وما يشبه الألماس ليس بالضرورة ألماساً.

قيمة عاطفية

أما الدكتورة ريتشا سينغ، المدير العام للهند والشرق الأوسط، المجلس الوطني للألماس، فقالت: الألماس نوعان، أحدهما إرث يمتد لمليارات السنين، تشكل بفعل الأرض والزمن، والآخر ينتَج بكميات كبيرة خلال بضعة أسابيع فقط. الأول يحمل قيمة عاطفية وكنزاً يمكن توارثه عبر الأجيال وعمقاً ثقافياً لا يمكن استبداله، وتكمن جاذبيته الاستثمارية في ندرة وجوده وتاريخه.

أما المنتج الذي يمكن الحصول عليه بسهولة فتكاد تنعدم الرغبة في اقتنائه، وبالتالي يفتقر إلى أي إمكانات استثمارية مستقبلية.

وتضيف سينغ: الألماس الطبيعي والألماس الصناعي يخضعان لعوامل مختلفة تشمل الموقع الجغرافي ومصادر الطاقة وقدرات الإنتاج والممارسات المستدامة، كما أن المعلومات المتاحة حول استهلاك الطاقة في تصنيع الألماس المخبري ليست مدعومة بتقارير موثوق بها.

والغالبية الكبرى من الألماس المخبري عالمياً تنتج في الهند والصين، حيث يعتمد توليد الكهرباء بشكل كبير على الفحم بنسبة 74% و62% على التوالي.

لذلك إذا صُنع الألماس المخبري باستخدام الكهرباء التقليدية في هذه المناطق فستكون بصمته الكربونية مرتفعة.

وتابعت: وفقاً لتقرير «حقائق الألماس» تحتاج هذه العمليات إلى درجات حرارة تبلغ نحو 20% من حرارة سطح الشمس.

أما الألماس الطبيعي فيُستخرج وفق لوائح بيئية واجتماعية صارمة. وتُمنح تصاريح التعدين من الجهات الحكومية المحلية مع وضع خطة لإعادة تأهيل الموقع قبل بدء العمل.

ويحمي قطاع الألماس الطبيعي التنوع البيئي لمساحات أكبر بكثير من تلك المستخدمة في التعدين. كما يشكل الصخر 99% من مخلفات الاستخراج، ويُعاد تدوير 84% من المياه المستخدمة. ورغم أن بعض العلامات التجارية المنتجة للألماس المخبري تعتمد ممارسات مستدامة، فإن الصناعة ككل لا يمكن اعتبارها مستدامة.

قصة لا تتكرر

«أحرص في تصاميمي على استخدام الألماس الطبيعي لأنه ليس مجرد حجر كريم، بل هو مادة تحمل قيمة حقيقية وقصة لا تتكرر».. هكذا تقول مصممة المجوهرات فرح يزبك، وتضيف: كل قطعة ألماس طبيعية متفردة بخصائصها، وهذا التفرد يمنح كل تصميم روحاً خاصة لا يمكن استنساخها.

الألماس الطبيعي يعبر عن الأصالة والندرة والاستمرارية عبر الزمن؛ ما يجعل المجوهرات أكثر من مجرد زينة، بل قطعة تحمل معنى وقيمة وإرثاً يمكن توريثه، والألماس الطبيعي يضيف بعداً عاطفياً واستثمارياً للتصميم، ويمنح المرأة شعوراً بالتميز.

بينما لا يحمل الألماس الصناعي - رغم تطوره التقني ودوره كخيار تجاري - القيمة الاستثمارية أو المعنوية ذاتها، فهو منتج قابل للاستنساخ والإنتاج غير المحدود.

وأضافت: كما أن الألماس الصناعي لا يحتفظ بقيمة حقيقية عند إعادة البيع، ولا يشكل أصلاً يمكن الاعتماد عليه على المدى الطويل. وأما من الناحية العاطفية فإنه يظل خالياً من القصة والتاريخ والإرث، وهي عناصر أساسية أبحث عنها في المجوهرات التي أقدّمها لعملائي.

وأشارت يزبك إلى أن نجوم هوليوود يفضلون الألماس الطبيعي في إطلالاتهم ومقتنياتهم الخاصة؛ فهو يعبر عن التفرد والقيمة الحقيقية، ويحمل بعداً تاريخياً ورمزياً لا يمكن تعويضه. إلى جانب ذلك يتمتع الألماس الطبيعي بقيمة استثمارية حقيقية، خصوصاً في القطع الكبيرة والنادرة، حيث يحافظ على قيمته بمضي الزمن، بل قد ترتفع.

ندرة جيولوجية

في حين يرى أحمد عنيزان، خبير أسواق المال المتخصص في الذهب والمعادن النفيسة، أن الفارق بين الألماس الطبيعي والألماس المصنّع ليس شكلياً، بل جوهرياً من الناحية الاستثمارية، موضحاً أن القيمة الحقيقية للألماس الطبيعي تنبع من ندرته الجيولوجية؛ فالألماس الطبيعي يتكون عبر ملايين السنين داخل باطن الأرض في ظروف جيولوجية نادرة؛ ما يجعل مخزونه العالمي محدوداً ويتناقص بمضي الوقت، وهو العامل الأساسي الذي يمنحه قيمة استثمارية متصاعدة.

وعلى العكس من ذلك قد يتطابق الألماس المصنّع كيميائياً وفيزيائياً مع الطبيعي، لكنه يفتقد عنصر الندرة، إذ يمكن إنتاجه بكميات غير محدودة، ومع التطور التكنولوجي المستمر تنخفض تكلفة تصنيعه يوماً بعد يوم؛ ما يؤدي إلى تآكل قيمته السوقية وتحوله إلى منتج للزينة لا للاستثمار.

وحول مدى التزام الأسواق بالإفصاح عن الفرق بين الألماس الطبيعي والمصنّع، شدد عنيزان على أن الإفصاح إلزامي وليس خياراً، سواء بموجب القوانين الدولية أو الأنظمة المحلية في دولة الإمارات؛ فالألماس المصنّع يجب أن يباع ويصرّح عنه بأنه مصنّع، وأي مخالفة لذلك تُعد انتهاكاً جسيماً للقانون، خصوصاً في دبي، حيث تخضع تجارة الألماس لرقابة شديدة الدقة، وتشمل شهادات المختبرات الدولية والمحلية التي توضح بشكل صريح نوع الألماس.

وأضاف: يشهد قطاع المجوهرات توجهاً متزايداً نحو الألماس الصناعي، وغالباً ما تُطرح تفسيرات متعددة لهذا التحول، مثل التقدم التقني وجاذبية الألماس الصناعي لدى الأجيال الجديدة، وقدرته على استقطاب شريحة جديدة من المستهلكين الباحثين عن خيارات مختلفة وأكثر حداثة.

لكن عند النظر إلى الموضوع بمنطق اقتصادي وتجاري بحت، يتضح أن السبب الرئيسي والمباشر لهذا التوجه يتمثل في تحقيق هوامش ربح مرتفعة جداً، قد تراوح بين 60% و80%.

ويعود ذلك إلى غياب ثقافة سعرية واضحة أو قوانين تنظيمية أو مؤشرات تسعير معتمدة للألماس الصناعي، على العكس من الألماس الطبيعي الذي يخضع لأسواق منظمة ومعايير تسعير دقيقة.. هذا الفراغ التنظيمي يمنح الشركات التجارية مرونة كبيرة في التسعير؛ ما يجعل الألماس الصناعي منتجاً جذاباً من حيث الربحية، وهو الدافع الأساسي وراء انتشاره التجاري.

معدن نفيس يخرج من رحم الانفجارات البركانية

يتكون الألماس الطبيعي عبر ملايين السنين في أعماق الأرض تحت ضغط وحرارة هائلين. وبعد هذا المشوار الجيولوجي الطويل تدفعه انفجارات بركانية معروفة بـ«الكيمبرلايت» إلى السطح، ليظهر في مجاري الأنهار أو قيعان المحيطات، بينما تبقى أجزاء كبيرة منه محصورة داخل الصخور. هذه الندرة، إلى جانب رحلته الفريدة، تكسبه قيمته العالية.

أما الألماس الصناعي فصنع لأول مرة في فبراير 1953 في ستوكهولم على يد شركة سويدية. لكن الجودة التي تصلح للمجوهرات لم تظهر إلا في السبعينيات، حين أتقنت شركات ناشئة في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم الهند والصين، تقنيات الضغط العالي ودرجة الحرارة العالية وترسيب البخار الكيميائي لإنتاج أحجار تبدو طبيعية تماماً.

وقد شهد قطاع المجوهرات العالمي انقساماً واضحاً في التوجهات، إذ اتجهت شركات كبرى إلى التحول الكامل لاستخدام الألماس الصناعي تماشياً مع معايير الاستدامة البيئية.

بينما أطلقت شركة De Beers خط الألماس المصنّع لتقديم قطع أقل تكلفة، ودمجت شركة Swarovski الألماس الصناعي ضمن منتجاتها التزاماً بالاستدامة والابتكار.

في المقابل لا تزال علامات فاخرة متمسكة بالألماس الطبيعي عالي الجودة، مراهنة على رمزيته التاريخية وقيمته العاطفية والاستثمارية؛ ما يعكس انقسام السوق بين من يفضل الابتكار والاستدامة، ومن يراهن على الندرة والفخامة التقليدية.