يظهر القطاع السياحي والفندقي في دبي مرونة تشغيلية عالية، مدعوماً بقدرة مؤسساته على التكيف السريع مع المتغيرات والتحديات التي فرضتها الظروف الإقليمية والعالمية، وهو ما ينعكس على سرعة تعديل الاستراتيجيات التشغيلية وتنويع الخدمات بما يتماشى مع تطورات الطلب، إلى جانب تبني نماذج عمل ديناميكية تعزز كفاءة الأداء وتدعم استمرارية النمو.
وتؤكد المؤشرات أن تأثير الأحداث الإقليمية على القطاع السياحي في دبي يظل محدوداً على المدى القصير، في حين يتمتع القطاع بقدرة واضحة على التعافي السريع واستعادة الزخم، مدفوعاً بعوامل هيكلية راسخة تشمل التكامل بين القطاعين العام والخاص، والاستثمار المستمر في الابتكار والتكنولوجيا، وتعدد مصادر الطلب السياحي.
ويجمع خبراء القطاع على أن دبي لا تكتفي بالحفاظ على مستويات نموها، بل تواصل تطوير نموذجها السياحي ليكون أكثر مرونة واستدامة، عبر تعزيز الجاهزية التشغيلية، وتوسيع قاعدة الأسواق، وتبني حلول رقمية متقدمة تسهم في تحسين تجربة الزائر ورفع كفاءة الأداء، بما يعزز من مكانتها كواحدة من أهم الوجهات السياحية على مستوى العالم.
رقم قياسي
وأكد محمد جاسم الريس، الرئيس التنفيذي لشركة «الريس للسفريات - مجموعة الريس» والرئيس الفخري لمجموعة عمل وكلاء السفر والسياحة في دبي، أن القطاع السياحي في دبي دخل 2026 من أقوى نقاطه على الإطلاق، بعد تحقيق رقم قياسي ثالث متتالٍ باستقبال نحو 19.6 مليون زائر دولي في 2025، مشيراً إلى أن البنية التحتية والاستراتيجية السياحية لدبي تظل بين الأكثر قوة ومتانة على مستوى العالم، والتعافي الكامل مرهون بمدة الاضطراب الجيوسياسي.
وعن العوامل الداعمة لمرونة القطاع السياحي، قال: «إن هناك ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل أولاً في القاعدة الاقتصادية القوية، إذ يتوقع الاقتصاديون نمواً في الناتج المحلي للإمارات بنحو 2.5% في 2026 و2027 رغم الأحداث في المنطقة، في حين يرجع العامل الثاني إلى تنوع مصادر الزوار وعدم الاعتماد على سوق واحدة، مع توسع مستمر نحو أفريقيا وجنوب آسيا والأسواق القيادية الخليجية، في حين يرجع العامل الثالث إلى تدفق الاستثمارات في المنتج السياحي، بما يتضمن مشاريع كبرى قيد الإنجاز من شأنها أن تعزز جاذبية الوجهة على المدى البعيد».
وعن جاهزية القطاع السياحي في دبي للتكيف مع التحولات المستقبلية، قال الريس:«إن دبي في موقع متقدم جداً في هذا الجانب لا سيما أن القطاع السياحي في الإمارة يعتمد بشكل متزايد على الابتكار والتكنولوجيا، سواء في التسويق الرقمي، أو تحليل بيانات المسافرين، أو تحسين تجربة الزائر».
وأضاف: «إن المرونة التشغيلية لدى الشركات السياحية والفندقية في دبي تمنحها القدرة على التكيف السريع مع تغيرات الأسواق والظروف العالمية، من خلال تعديل استراتيجياتها بشكل ديناميكي يتماشى مع طبيعة الطلب».
وأضاف: «بفضل رؤية دبي الاقتصادية، وفي مقدمتها أجندة دبي الاقتصادية D33، فإن القطاع السياحي لا يقتصر على التكيف مع المستقبل، بل يُتوقع أن يلعب دوراً أكبر في تعزيز مكانة دبي كواحدة من أهم الوجهات السياحية عالمياً».
قدرة على التكيف
وأكد مأمون حميدان، الرئيس التنفيذي للأعمال في «ويجو»، أن قطاع السياحة في دبي يواصل إظهار قدرة استثنائية على التكيف والنمو، مشيراً إلى أنه في موقع قوي يمكّنه من تجاوز التحديات الراهنة والاستمرار في تحقيق زخم إيجابي.
وأوضح أن هذا الأداء يستند إلى مجموعة من العوامل الرئيسية، في مقدمتها الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى للإمارة، والاستثمار المستمر في البنية التحتية، إلى جانب تنوع الأسواق المصدّرة للسياح، فضلاً عن بيئة تنظيمية مرنة تدعم الابتكار وتعزز الشراكات بين مختلف الأطراف في القطاع.
وأضاف: «إن جاهزية القطاع لمواكبة التحولات المستقبلية تبدو واضحة، لا سيما مع تسارع تبني الحلول الرقمية والاعتماد المتزايد على البيانات والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تحسين تجربة المسافرين وتقديم عروض أكثر تخصيصاً وكفاءة».
وأشار إلى أنه من منظور «ويجو»، لم يعد الابتكار والمرونة التشغيلية خيارين، بل أصبحا عنصرين أساسيين لتعزيز التنافسية، حيث تمكّن التقنيات المتقدمة الجهات السياحية من الاستجابة السريعة لتغيرات الطلب وتوقعات المسافرين، الأمر الذي يعزز من مكانة دبي كواحدة من أبرز الوجهات السياحية على مستوى العالم.
أقوى قاعدة سياحية
وأكد أميت ناياك، نائب رئيس جمعية مديري أصول الضيافة في الشرق الأوسط وأفريقيا ورئيس مجموعة عمل فنادق دبي التابعة لغرف دبي، أن دبي في هذه المرحلة تمتلك أقوى قاعدة سياحية في تاريخها، مع استقبال 19.59 مليون زائر دولي في عام 2025، وتسجيل معدل إشغال فندقي قياسي بلغ 80.7%، إضافة إلى 95.3 مليون مسافر عبر مطار دبي الدولي، الذي حافظ على موقعه كأكثر مطارات العالم ازدحاماً بحركة المسافرين الدوليين للعام الحادي عشر على التوالي، مشيراً إلى أن هذه الإنجازات لا تتلاشى بسبب أحداث مؤقتة قصيرة الأمد.
وأضاف: «إن التأثير على القطاع السياحي يظل تأثيراً قصير الأمد، حيث تتركز التداعيات في الفترة القريبة، بينما تُظهر الأشهر اللاحقة مستويات تأثر أقل بكثير بالأحداث الجارية في المنطقة. ومع عودة قطاع الطيران تدريجياً إلى طبيعته، فإن دبي في موقع قوي يمكّنها من استعادة زخم النمو بوتيرة أسرع مقارنة بأي وجهة منافسة»، مشيراً إلى أن القطاع السياحي في دبي نجح في تجاوز العديد من الأزمات خلال السنوات الأخيرة، وبعد كل أزمة كانت تسجل الإمارة أرقاماً قياسية جديدة نتيجة لقدراتها المؤسسية القوية، وبنيتها التحتية المتقدمة، وسرعة الاستجابة للتغيرات المختلفة.
وفيما يتعلق بعوامل المرونة، أوضح ناياك أن دبي تستند إلى مجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها التنسيق العالي بين الحكومة والقطاع الخاص، والذي تجلّى في سرعة التعامل مع تداعيات المرحلة الحالية، سواء من خلال استضافة أكثر من 20 ألف مسافر عالق بدعم حكومي، أو تشغيل ممرات جوية آمنة أسهمت في نقل نحو 17,498 مسافراً خلال أول 48 ساعة، إلى جانب التنسيق المؤسسي بين دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي وغرف دبي ومجالس الأعمال والقطاع الفندقي.
بنية تحتية متقدمة
وأكد أن البنية التحتية المتقدمة تمثل ركيزة محورية، حيث تتيح أنظمة الطيران والنقل والخدمات للمدينة الحفاظ على كفاءتها التشغيلية حتى في أوقات الضغط، مشيراً إلى أن الفنادق لعبت دور خط الدفاع الأول في رعاية المسافرين العالقين، وهو ما يعزز ثقة الأسواق العالمية.
وأضاف أن تنوع مصادر الطلب يشكل عاملاً حاسماً في استقرار القطاع، إذ لا تعتمد دبي على سوق أو شريحة واحدة، بل تجمع بين السياحة الترفيهية وسياحة الأعمال والمعارض والفعاليات وزيارات الأهل والأصدقاء، إلى جانب قاعدة سكانية كبيرة، ما يوفر توازناً هيكلياً يقلل من تأثير التباطؤ في أي قطاع.
وقال إن القطاع الفندقي في دبي تجنب اللجوء إلى تخفيضات حادة، واستعاض عنها بحزم قيمة مضافة مرنة مثل العروض والخدمات الإضافية وسياسات الإلغاء المرنة، بما يحافظ على موقع دبي كوجهة سياحية ذات قيمة عالية على المدى الطويل.
وأضاف ناياك أن الميزة التنافسية لدبي لا تكمن فقط في ما بنته، بل في سرعتها في التكيف، مستشهداً بتجربة التعافي من جائحة «كوفيد19»، حيث كانت من أسرع المدن في إعادة فتح قطاعها السياحي وتجاوز مستويات ما قبل الجائحة بحلول عام 2023، مشيراً إلى أن الابتكار يلعب دوراً محورياً، خصوصاً في مجالات اتخاذ القرار المبني على البيانات، وإدارة الطلب، وتطوير تجربة الزائر.
وجهة رئيسية
من جهته، قال تيمور الغاز، نائب رئيس المنطقة لفنادق روتانا العالمية في دبي والإمارات الشمالية، إن قطاع السياحة في دبي يتمتع بقدرة قوية على تجاوز التحديات الحالية والحفاظ على مسار نموه، مؤكداً أن الإمارة أثبتت مراراً قدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص.
وأضاف أن القطاع السياحي والفندقي في دبي أظهر قدرة فريدة على تحويل التحديات العالمية إلى فرص للنمو، مشيراً إلى أن القطاع الفندقي يشهد تزايد في الطلب على الإقامات الطويلة والعطلات المحلية وأن البنية التحتية المتطورة والقيادة الاستراتيجية في دبي تعززان مكانتها كوجهة رئيسية للسياح والمقيمين على حد سواء.
وأشار إلى أن مرونة القطاع السياحي في دبي تستند إلى مجموعة من العوامل الهيكلية المتينة، مثل تنوع شرائح السوق، وقوة الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى القدرة على تلبية احتياجات مختلف فئات الضيوف، من السياحة الفاخرة إلى الإقامات الطويلة المرتبطة بالأعمال. كما أن الدعم المستمر من مالكي الأصول والمبادرات التسويقية الاستراتيجية يعزز من استقرار الأداء.
وأضاف أن القطاع يتمتع بجاهزية عالية، مدفوعة بعقلية استباقية لا تعرف الركود، مشيراً إلى أن الابتكار لا يقتصر على التكنولوجيا فقط، بل يشمل المرونة التشغيلية والتركيز العميق على تجربة الضيف.
