تشهد الأسواق المالية العالمية واحدة من أقوى موجات الأداء الربعي منذ سنوات، مع استمرار شهية المخاطرة لدى المستثمرين رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران، وتقلبات حادة في أسعار الطاقة والعملات. ووفق بيانات التداول، تتجه المؤشرات الأمريكية والعالمية إلى إغلاق الربع الثاني على مكاسب قوية تعكس تحولاً واسعاً في المزاج الاستثماري نحو الأسهم عالية النمو وقطاع التكنولوجيا، خصوصاً الذكاء الاصطناعي.
تعكس تحركات الأسواق خلال هذا الربع إعادة تموضع واسعة لرؤوس الأموال العالمية، حيث تتصدر الأسهم الأمريكية والآسيوية مشهد النمو، في حين تتراجع أصول الملاذات التقليدية مثل الذهب والين، تحت تأثير ارتفاع الدولار وتراجع أسعار الطاقة.
ورغم استمرار المخاطر الجيوسياسية، فإن الأسواق تبدو حتى الآن أكثر ميلاً لتسعير النمو والتكنولوجيا على حساب المخاوف، في إشارة إلى مرحلة جديدة من الدورة الاقتصادية العالمية، تقودها البيانات بدلاً من الصدمات.
أفضل ربع منذ 2020
على المستوى العالمي، ارتفع مؤشر MSCI للأسهم العالمية بنحو 14% خلال الربع، في أفضل أداء له منذ 2020، مدفوعاً بصعود قوي في أسواق آسيا وأمريكا. كما سجل مؤشر STOXX 600 الأوروبي مكاسب قاربت 10%، مدعوماً بقطاع التكنولوجيا والطاقة والدفاع، وسط تحسن نسبي في معنويات المستثمرين.
الأسهم الأمريكية
في الولايات المتحدة، واصلت وول ستريت تسجيل مستويات قياسية من الزخم، حيث ارتفع داو جونز بنسبة 0.35%، وصعد ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.71%، في حين تقدم ناسداك بنسبة 1.53%. وتضع هذه التحركات المؤشرات الرئيسة على مسار تحقيق أفضل أداء ربع سنوي منذ عام 2020، في ظل استمرار التدفقات الاستثمارية نحو أسهم النمو، رغم المخاوف المرتبطة بالتضخم والسياسة النقدية.
ويؤكد محللون في بنك أوف أمريكا أن القطاعات الدورية، وعلى رأسها الطاقة والخدمات المالية، قد تكتسب زخماً إضافياً خلال النصف الثاني من العام، مع إعادة تقييم المستثمرين لدورات الفائدة والتضخم، واحتمالات التشدد النقدي المستمر من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
وقال ديفيد، كبير محللي السوق في شركة تريد نيشن: «لا يرى المستثمرون نهاية وشيكة لهذا الصعود القوي»، مضيفاً أن أي انخفاض في الأسعار يبدو أنه يُعطي «دافعاً جديداً للشراء».
مع ذلك، فإن الضعف الأخير في أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى قد وضع مؤشري ستاندرد آند بورز 500 وناسداك المركب على مسار إنهاء سلسلة مكاسب استمرت شهرين.
وقال محللون استراتيجيون في بنك أوف أمريكا إن القطاعات الدورية ذات التوجه القيمي، مثل الطاقة والخدمات المالية، قد تكون الخيار الأفضل مع دخول النصف الثاني من العام.
ويتوقع بعض المحللين أن يُعزز موسم إعلان الأرباح القادم أسعار الأسهم. قد يسهم تحقيق انفراجة في المفاوضات الأمريكية الإيرانية في تحسين المعنويات.
في المقابل، لا تزال التوترات الجيوسياسية تلقي بظلالها على الأسواق، خصوصاً في ظل استمرار تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني وتأثيره في أسواق النفط والشحن. ومع ذلك، يشير محللون إلى أن تأثير هذه التوترات بقي محدوداً نسبياً على الأسهم، ما لم يحدث تصعيد مباشر يهدد إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.
صعود أوروبي مدفوع بالدفاع والتكنولوجيا
سجلت الأسهم الأوروبية أداءً قوياً خلال الربع الثاني، حيث ارتفع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنحو 10%، محققاً أكبر مكاسب ربع سنوية له منذ أكثر من خمس سنوات، في موجة صعود مدفوعة أساساً بزخم قطاع التكنولوجيا وتنامي الرهانات على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن شهية المخاطرة عالمياً مع تراجع حدة التوترات في الشرق الأوسط.
وأغلق المؤشر على ارتفاع يومي بنسبة 0.9%، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً خلال الجلسة، في تأكيد على استمرار تدفق السيولة نحو الأسهم الأوروبية، التي استفادت أيضاً من انخفاض أسعار الطاقة إلى مستويات ما قبل الحرب الإيرانية، وهو ما خفف الضغوط التضخمية ودعم القطاعات الدورية مثل السفر والترفيه، وسجل فوتسي 100 البريطاني ارتفاعاً للربع السادس على التوالي، مدعوماً بأسهم البنوك والدفاع والطيران.
في قلب هذا الأداء، برز قطاع التكنولوجيا كأقوى المحركات، مرتفعاً بنسبة 2.5% في جلسة واحدة، ومتجهاً نحو أفضل أداء فصلي منذ أكتوبر 2001. وواصلت شركات الرقائق الأوروبية الاستفادة من الطلب العالمي المتصاعد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث قفز سهم ASML بنحو 6.8%، في حين سجلت STMicroelectronics وInfineon مكاسب ملحوظة، في إشارة إلى عودة الزخم إلى سلسلة القيمة العالمية لأشباه الموصلات.
كما دعمت نتائج الشركات الكبرى هذا الاتجاه، مع ارتفاع سهم Siemens Energy بعد تأكيد قوة الطلب في قطاع المعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما يعكس تحول أوروبا من موقع المتأخر في سباق التكنولوجيا إلى لاعب يستفيد من موجة الاستثمار العالمية في البنية التحتية الرقمية.
على الجانب الآخر، استفادت قطاعات أكثر حساسية للتقلبات الجيوسياسية، وعلى رأسها السفر والترفيه، من تراجع أسعار النفط وانحسار المخاطر في الشرق الأوسط، حيث سجل القطاع ارتفاعاً تجاوز 19% خلال الربع، وهو أفضل أداء له منذ مطلع 2023، في دلالة على عودة الطلب السياحي وثقة المستهلك الأوروبي.
في المقابل، لم يكن الأداء متجانساً داخل السوق، إذ تعرضت بعض الشركات لضغوط نتيجة مراجعات سلبية للتوقعات، حيث تراجع سهم Teleperformance بعد خفض شركة Concentrix الأمريكية لتقديراتها، في حين قفز سهم شركة الأدوية الفرنسية Abivax بأكثر من 38% بعد نتائج إيجابية لتجارب دوائية، ما يعكس استمرار التباين بين قطاعات النمو والدفاع داخل السوق الأوروبية.
وتعكس هذه المكاسب مجتمعة تحولاً أوسع في الأسواق العالمية خلال الربع الثاني، حيث تتقاطع ثلاث قوى رئيسة: طفرة الذكاء الاصطناعي، إعادة تسعير الطاقة، وتراجع نسبي في المخاطر الجيوسياسية، وهو ما منح الأسهم الأوروبية فرصة لإعادة تموضعها بعد سنوات من الأداء المتخلف نسبياً مقارنة بالولايات المتحدة وآسيا.
الأسهم الآسيوية
ارتفعت معظم مؤشرات الأسواق الآسيوية، اليوم الثلاثاء، مدعومة بصعود وول ستريت وتنامي الزخم في قطاع الذكاء الاصطناعي، رغم استمرار التقلبات في بعض الأسواق.
وفي اليابان ارتفع مؤشر نيكاي 0.86% ليغلق عند 70062.32 نقطة، مسجلاً مكاسب فصلية قوية بلغت 37%.
كما صعد مؤشر توبكس 0.73% إلى 4010.88 نقاط.
وتراجع المؤشر نيكي خلال جزء من الجلسة، وكان أداء الأسهم عند الإغلاق متبايناً، مع ارتفاع 104 أسهم مقابل تراجع 121 سهماً.
وقالت ماكي ساوادا محللة الأسهم في نومورا سكيوريتيز «على الرغم من أننا نشهد اليوم انتعاشاً يتركز على بعض الأسهم المرتبطة بأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، والتي كانت قد شهدت انخفاضاً ملحوظاً أخيراً، فإن السوق بشكل عام لا تزال ضعيفة».
وكان سهم تايو يودن الأكثر ارتفاعاً من حيث النسبة المئوية على المؤشر إذ قفز 8.28 %، يليه سهم فوروكاوا إلكتريك الذي تقدم 7.04 % وسهم سكرين هولدنجز الذي صعد 6.20 % مسجلا مستوى قياسيا مرتفعا. أما الأسهم التي سجلت أكبر خسائر فهي سهم إن.إي.سي الذي انخفض 3.01 % وسهم نيتوري هولدنجز الذي نزل 2.74 % وسهم كونيكا مينولتا الذي تراجع 2.31 %.
وفي كوريا الجنوبية ارتفع كوسبي 1%، مدعوماً بخطط استثمارية ضخمة تتجاوز 500 مليار دولار في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، ما عزز أسهم سامسونج إلكترونيكس (+3.4%) وإس.كيه هاينكس (+0.8%).
وفي المقابل تراجع مؤشر هانج سينج في هونغ كونغ 0.6 %، بينما ارتفع شنغهاي 0.5 %، وصعد تايكس التايواني 3.2%، وارتفع إس أند بي/أيه إس إكس الأسترالي 0.5%، في حين تراجع سينسكس الهندي 0.3 %.
كما واصلت أسعار النفط تراجعها الطفيف، حيث انخفض برنت 0.7 % إلى 73.40 دولاراً، وغرب تكساس 0.8% إلى 70.22 دولاراً، وسط استقرار نسبي في التوترات الجيوسياسية.
وفي سوق العملات، ارتفع الدولار إلى 162.42 ين، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1986، ما يعكس استمرار قوة العملة الأمريكية.
أما في سوق العملات، فقد واصل الدولار الأمريكي أداءه القوي، مرتفعاً بنسبة 1.4% مقابل سلة العملات الرئيسة، في حين هبط الين الياباني إلى أدنى مستوى له منذ عقود، ما يعكس اتساع فجوة السياسات النقدية بين الاقتصادات الكبرى.