تشهد الأسواق العالمية حالة من الاضطراب والتقلب الشديد في الأسابيع الأخيرة، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وخصوصاً الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي أثرت بشكل مباشر في أسعار النفط والطاقة، وسياسات البنوك المركزية، وأداء الأسواق المالية بمختلف فئاتها. هذه التطورات جاءت في وقت حساس، حيث تحاول الاقتصادات الكبرى موازنة النمو الاقتصادي مع مكافحة التضخم المتصاعد، وسط مخاوف من أن أي تصعيد عسكري أو تعطيل لإمدادات الطاقة قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة تضغط على الأسواق العالمية.
تشير الأحداث الحالية إلى أن الأسواق العالمية تواجه تحديات مزدوجة؛ التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي تؤثر مباشرة في أسعار الطاقة، وضغوط التضخم المتزايدة التي تدفع البنوك المركزية نحو سياسات نقدية أكثر تشدداً. في ظل هذه المعطيات، يظل المستثمرون في حالة حذر وترقب، مع تقلبات ملحوظة في الأسهم والسندات والعملات والمعادن النفيسة، بينما تبقى الحرب الإيرانية - الأمريكية العامل الحاسم في تحديد مسار الأسواق والاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة.
في نيويورك، سجلت الأسواق الأمريكية تراجعاً ملحوظاً، أمس، مع تلاشي الآمال في خفض محتمل لأسعار الفائدة خلال 2024 من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي نتيجة لتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وهبط مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.9%، متجهاً نحو أطول سلسلة خسائر أسبوعية منذ عدة سنوات، فيما انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 0.6%، ومؤشر ناسداك المركب بنسبة 1.2%.
جاء هذا الانخفاض بالتوازي مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، التي تؤثر في تكلفة الاقتراض والرهن العقاري، بما قد يبطئ النمو الاقتصادي ويضغط على أسعار جميع أنواع الاستثمارات. وقد ألغى المتداولون وفقاً لبيانات مجموعة «سي إم إي» تقريباً كل رهانات خفض أسعار الفائدة هذا العام، بل وتوقع البعض رفعها في 2026، وهو سيناريو كان شبه مستحيل قبل بدء الحرب.
على صعيد الشركات، تعرض سهم «سوبر مايكرو كمبيوتر» لهبوط حاد بنسبة 28% عقب اتهامات من الحكومة الأمريكية لمسؤولين بالتآمر لتهريب أجهزة كمبيوتر متقدمة إلى الصين، فيما ارتفع سهم «فيديكس» بنسبة 2.2% بعد إعلان أرباح فاقت توقعات المحللين.
الأسهم العالمية
وعلى الصعيد العالمي، شهدت الأسهم والدولار ارتفاعاً طفيفاً، لكنها متجهة نحو تسجيل خسائر أسبوعية، مع استمرار الضغوط على أسواق السندات بسبب المخاوف من تجدد التضخم. كانت الأسواق متقلبة، متأثرة بالأحداث في الشرق الأوسط، بما في ذلك خطط إدارة ترامب المحتملة لاحتلال أو حصار جزيرة «خارج» الإيرانية لضمان إعادة فتح مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي.
في أوروبا، ارتفع مؤشر ستوكس 600 بنسبة 0.34% خلال اليوم، لكنه يتجه نحو خسارة أسبوعية تقارب 1.7%. أما مؤشر MSCI العالمي، فقد استمر في التراجع للأسبوع الثالث على التوالي، بينما انخفض مؤشر MSCI لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة 0.5%.
وتوقعات المستثمرين تشير إلى توجه البنوك المركزية الأوروبية والبريطانية نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، مع احتمالية رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعاتها القادمة، بينما من المتوقع أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة دون تغيير خلال العام الجاري. قالت الخبيرة الاقتصادية ساندرا هورسفيلد: «البنوك المركزية تدرك أن صدمة الطاقة ليست مؤقتة، ما يستوجب رد فعل أكثر تشدداً»، مشيرة إلى أن هذه الرسائل المتشددة هدفها التأثير في توقعات السوق أكثر من كونها إجراءات فورية.
تأثير أسعار الطاقة
أسعار النفط شهدت تقلبات حادة، حيث انخفض خام برنت بنسبة 1.32% إلى 107.22 دولارات للبرميل، مع استمرار التركيز على مضيق هرمز، فيما أعلنت دول أوروبية واليابان دعمها لجهود تأمين الملاحة، بينما رفعت الولايات المتحدة إمدادات النفط، وقفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 35% بعد استهداف بعض البنى التحتية للغاز، ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمطالبة إسرائيل بعدم تكرار الهجمات على البنية التحتية الإيرانية.
كبيرة الاقتصاديين في بنك ناتيكس، أليسيا غارسيا هيريرو، أبدت قلقها من استمرار الصراع بوتيرة أقل، ما يعني استمرار الضغط على سوق الطاقة، مع بقاء أسعار النفط مرتفعة طوال العام عند مستويات لا تقل عن 90 دولاراً للبرميل.
تحركات السندات والعملات
ارتفعت عوائد السندات الحكومية الأوروبية، حيث بلغ عائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات أعلى مستوياته منذ 2008 عند 4.93%، وارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عامين إلى 2.61%. في الولايات المتحدة، قفز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.37%، وعائد السندات لأجل عامين إلى 3.92%.
في سوق العملات، خسر الدولار جزءاً من مكاسبه السابقة، متجهاً نحو خسارة أسبوعية بنحو 1.15%، واستقر اليورو عند 1.1575 دولار، والجنيه الإسترليني عند 1.34 دولار، والين عند 158.57 يناً للدولار، وعززت تصريحات محافظ بنك اليابان كازو أويدا الثقة في توجه البنك المركزي نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً.
الذهب والمعادن النفيسة
مع تزايد الضغوط التضخمية وارتفاع عوائد السندات، شهد الذهب تراجعاً حاداً، متجهاً نحو أكبر خسارة أسبوعية منذ 6 سنوات، إذ فقد نحو 7% من قيمته واستقر عند 4660–4685 دولاراً للأونصة، وجاء تراجع الذهب نتيجة ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار، إضافة إلى عمليات بيع واسعة من المستثمرين، وسحب الاستثمارات من صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب. كما تكبدت الفضة والبلاديوم والبلاتين خسائر ملحوظة، مع ضعف عام في قطاع المعادن النفيسة.
