فيما تتحرك الأصول المالية تحت ضغط مزيج معقد من العوامل النقدية والجيوسياسية، ما يفرض إيقاعاً متقلباً على التداولات عبر مختلف البورصات.
ورسمت «وول ستريت» ملامح مرحلة انتقالية بعد موجات صعود قوية قادتها أسهم التكنولوجيا، إذ باتت التقييمات المرتفعة عرضة لاختبارات قاسية مع تغير حسابات السيولة وكلفة الأموال.
ويتزايد تركيز المستثمرين على الأساسيات والربحية الفعلية بدلاً من الرهانات بعيدة الأجل، في إشارة إلى تحوّل أعمق في مزاج السوق.
وأنهى «داو جونز» الصناعي الأسبوع على ارتفاع مغلقاً عند 50115.67 نقطة في 6 فبراير، مقارنة مع 48892.47 نقطة في 30 يناير، محققاً مكاسب 2.50 %.
في المقابل، تراجع «ستاندرد آند بورز» بشكل طفيف إذ أغلق عند 6932.30 نقطة مقابل 6939.03 نقطة في الإغلاق السابق، مسجلاً انخفاضاً محدوداً بنحو 0.10 %.
أما «ناسداك» المركب فقد تكبد خسائر أوضح متراجعاً من 23461.816 نقطة إلى 23031.213 نقطة بانخفاض 1.84 %.
إعادة تسعير المخاطر
ويوضح أن السبب الجوهري وراء هذا التراجع يتمثل في إعادة تسعير شاملة للمخاطر، لافتاً إلى أن الأسواق دخلت العام الحالي بتوقعات تفاؤلية مبالغ فيها، شملت رهانات سريعة على خفض أسعار الفائدة، واستمرار الزخم القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى وفرة السيولة التي سادت في الفترات السابقة.
ويضيف أن الواقع الاقتصادي جاء مغايراً لهذه التوقعات، إذ ما زالت البيانات الاقتصادية قوية نسبياً؛ الأمر الذي يقلل من حاجة الاحتياطي الفيدرالي إلى التوجه نحو سياسة تيسيرية سريعة، بل قد يدفعه إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وفيما يخص «وول ستريت»، يؤكد أن ما حدث خلال الأسبوع هو تصحيح صحي وليس انهياراً، موضحاً أن التراجعات، خصوصاً في أسهم التكنولوجيا، تعكس عمليات جني أرباح بعد موجة صعود طويلة، إضافة إلى حساسية مرتفعة تجاه التقييمات العالية التي كانت محل ملاحقة قوية من المستثمرين خلال الفترة الماضية.
محصلة خضراء في أوروبا وعلى النقيض من أداء «وول ستريت»، أنهت الأسواق الأوروبية تعاملات الأسبوع الأول من فبراير على محصلة خضراء؛ مدعومة بتحسن نسبي في شهية المخاطرة، رغم استمرار الحذر في أوساط المستثمرين ترقباً لتطورات الاقتصاد العالمي ومسار السياسات النقدية.
وسجل «ستوكس 600» الأوروبي ارتفاعاً؛ إذ أغلق في 6 فبراير عند 617.12 نقطة مقارنة مع 611 نقطة في 30 يناير، محققاً مكاسب أسبوعية 1 %.
وفي ألمانيا، صعد «داكس» إلى 24721.46 نقطة مقابل 24538.81 نقطة في الإغلاق السابق بزيادة 0.74 % مدعوماً بأداء أسهم الصناعة والشركات الكبرى ذات الانكشاف العالمي.
أما في فرنسا، فقد كان الأداء أكثر قوة، حيث ارتفع «كاك 40» إلى 8273.84 نقطة مقارنة مع 8126.53 نقطة في نهاية الأسبوع السابق، مسجلاً مكاسب 1.81 %.
وفي المملكة المتحدة، أنهى مؤشر «فوتسي 100» التداولات عند 10369.75 نقطة مقابل 10223.54 نقطة في 30 يناير، مرتفعاً 1.43 %.
وعكست تحركات الأسبوع حالة من التفاؤل الحذر في البورصات الأوروبية، مع محاولات لتعويض خسائر سابقة، لكن ضمن بيئة لا تزال محاطة بمستويات مرتفعة من عدم اليقين العالمي.
تفاوت في آسيا
ويؤكد أن التزامن الواضح في التراجعات بين «وول ستريت» وسوق العملات المشفرة وحتى في بعض الأسواق الآسيوية يشير إلى أننا لسنا أمام تحركات عشوائية، بل أمام عملية إعادة تسعير شاملة للسيولة والمخاطر في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة.
ويضيف أن المشهد في «وول ستريت» تقوده بالأساس المخاوف القادمة من قطاع التكنولوجيا، الذي كان المحرك الرئيسي للصعود خلال الفترة الماضية، قبل أن يتحول إلى مصدر رئيسي للقلق.
فالقصة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تغيرت، بحسب تعبيره، من كونه منجم ذهب مضموناً إلى كونه عبئاً ضخماً في الإنفاق الرأسمالي تضخه الشركات الكبرى دون عوائد سريعة وملموسة، ما دفع المستثمرين إلى إعادة حساباتهم.
كما أسهم ظهور أدوات ذكاء اصطناعي جديدة في تهديد نماذج أعمال شركات البرمجيات التقليدية، الأمر الذي انعكس في تراجعات حادة لأسهمها، خاصة مع وصول التقييمات السعرية إلى مستويات فقاعة تاريخية جعلت السوق هشاً وقابلاً للتصحيح عند أول إشارة سلبية.
ويعتقد سعيد بأن استمرار هذه التقلبات يبقى مرهوناً بمسار الاقتصاد الكلي؛ ففي أسواق الأسهم، عادة ما تستغرق حركات التصحيح الفني المماثلة بضعة أسابيع أو أشهر قبل الوصول إلى قاع واستقرار نسبي، شريطة عدم الدخول في ركود اقتصادي عميق.. ويؤكد أن الأسواق تعيش حالياً مرحلة «عضّ الأصابع» وبناء المراكز تدريجياً، في انتظار اتضاح الرؤية النهائية للبيانات الاقتصادية والقرارات الفيدرالية المقبلة.
