توقعت بنوك ومؤسسات دولية، استمرار نمو اقتصاد دولة الإمارات خلال عام 2026 بوتيرة مستقرة، دون تغييرات حادة، وبمعدلات تتراوح بين 3 % و5 %، رغم التحديات الاقتصادية العالمية، والتوترات الجيوسياسية، مع قدرة واضحة على امتصاص الصدمات، وتجاوز الانعكاسات الخارجية.

وأشارت التقديرات إلى أن مسار النمو في الدولة سيظل مدعوماً باستمرارية سياسات التنويع الاقتصادي، وازدهار النشاط المؤسسي والتجاري، إلى جانب مرونة الأسواق المحلية، ما يعزز استقرار التوقعات طويلة الأجل، ويحد من التقلبات في الاستراتيجيات الاقتصادية. وأوضح رصد أجرته «البيان» لآراء مسؤولي بنوك ومؤسسات بحثية ودولية، أن الإمارات تواصل ترسيخ مكانتها نموذجاً اقتصادياً رائداً في منطقة الخليج، مستندة إلى أسس اقتصادية قوية، وسياسات مرنة تمكّنها من اتخاذ قرارات فعالة في التوقيت المناسب، بما يتجاوز الاعتماد على خطط الطوارئ التقليدية.

وأضافت الآراء أن هذه المرونة عززت ثقة الشركات في استقرار بيئة الأعمال المحلية، وأسهمت في استمرار خططها التشغيلية طويلة الأمد، مع التركيز على النمو والتوسع في مرحلة ما بعد الاستقرار الجيوسياسي. وأكدت المؤسسات أن الفترة الحالية تشهد استمرار الشركات في تنفيذ خطط التوسع، والتحول الرقمي، وتأسيس مقرات إقليمية جديدة في الدولة، مع تركيز أكبر على رفع الكفاءة التشغيلية، وضبط التكاليف، وتنويع سلاسل التوريد.

كما تستفيد الشركات من مكانة الإمارات كمركز إقليمي مستقر، مدعوم ببنية تحتية متقدمة، ووضوح في السياسات الاقتصادية، ما يجعل قرارات الاستثمار طويلة الأجل ثابتة إلى حد كبير، حتى في ظل نهج أكثر حذراً في المدى القصير. وأشارت التقديرات إلى أن التحديات الأخيرة أسهمت في تسريع القرارات الاستراتيجية لدى العديد من الشركات والمؤسسات الكبرى، إلى جانب تطوير خطط لإدارة السيولة، وتجنب التوسع غير المدروس في رأس المال، ما عزز قدرتها على التكيف مع المتغيرات.

كما اتجهت الشركات المدرجة في القطاعات الرئيسة إلى تعزيز متانتها المالية وطمأنة الأسواق، فيما اعتمدت الشركات غير المدرجة استراتيجيات أكثر تحفظاً، شملت تحسين إدارة سلاسل الإمداد، وزيادة المخزون، والاعتماد على مراكز تجارة بديلة داخل الدولة وخارجها.

وفي المقابل، واصلت الشركات والمستثمرون والمكاتب العائلية البحث عن فرص توسع جديدة، مستفيدين من موقع الإمارات كقاعدة مفضلة للعمليات الإقليمية، ما انعكس في استمرار التوظيف، ونشاط الصفقات، وتوسع الأعمال في قطاعات رئيسة، مثل التمويل، والعقارات، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا.

تراكم مكاسب الاستقرار

أكد أحمد الدرمكي، الخبير الاقتصادي، أن النمو الاقتصادي المتوقع في دولة الإمارات يظل إيجابياً خلال المرحلة المقبلة، وإن كان بوتيرة أقل نسبياً من أعلى المستويات المسجلة سابقاً، مشيراً إلى أن هذا النمو بات يعتمد بشكل متزايد على الاستثمارات النوعية والقطاعات المدعومة بالسياسات الحكومية، بدلاً من التوسع الشامل التقليدي. وأوضح الدرمكي أن السياسات الاقتصادية الحديثة أسهمت في إعادة ضبط جداول الاستثمار، بما يتماشى مع ظروف السوق، وجعل حركة رأس المال أكثر اتساقاً مع مستويات الطلب والعوائد المتوقعة، مع تركيز أكبر على الفرص التي توفر دخلاً مستقراً، وقيمة طويلة الأجل. وأشار إلى أن القطاع الخاص في الدولة، لا سيما الشركات العائلية، يواصل أداءه المستقر، في حين تستمر الكيانات المرتبطة بالحكومة والشركات الكبرى في تنفيذ مشاريع استراتيجية طويلة الأجل في مجالات البنية التحتية، وتحول الطاقة، والتنويع الاقتصادي. وأضاف أن هذه البرامج تسهم في تعزيز ثقة السوق، وضمان استمرارية المشاريع دون توقف، مع استمرار تدفق رؤوس الأموال نحو مختلف القطاعات الحيوية.

وتابع الدرمكي أن الإمارات تواصل الاستفادة من مرحلة طويلة من الاستقرار الاقتصادي، مدعومة بتطبيق سياسات استباقية، تعزز مرونة الاقتصاد، وترفع من جودة الحياة، ما يجعل الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التقلبات العالمية.

وأكد أن هذه العوامل مجتمعة، تعزز من متانة الاقتصاد الوطني، وتدعم استمرارية النمو القائم على أسس مستقرة ومستدامة، بما يرسخ مكانة الإمارات وجهة اقتصادية جاذبة على المدى الطويل.

توقع حمزة دويك، رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، أن يعود اقتصاد دولة الإمارات بشكل واسع إلى مسار النمو الذي كان عليه قبل الأزمة، مدعوماً بمؤشرات إيجابية لعدد من القطاعات الاقتصادية الرئيسة.

وأوضح أن البيانات الأخيرة الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي، تشير إلى استمرار توسع النشاط الاقتصادي في مطلع عام 2026، مدفوعاً بنمو قوي في القطاع المصرفي، واستقرار في مستويات السيولة، إلى جانب أداء إيجابي في التجارة الخارجية.

وأضاف أن الأصول المصرفية والائتمان والودائع، شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، ما يعكس استمرار متانة القطاع المالي، ويحافظ على مستويات مرتفعة من الثقة في النظام الاقتصادي.

وأشار دويك إلى أن وكالات التصنيف الائتماني الدولية جددت تأكيدها على قوة التصنيف السيادي لدولة الإمارات، لافتة إلى قوة المراكز المالية، ووجود مصدات مالية ضخمة، إضافة إلى مرونة السياسات الاقتصادية، ما يعزز قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الخارجية. وأكد أن النموذج الاقتصادي المتنوع في الإمارات، ساهم في الحد من تأثير التوترات الجيوسياسية في معنويات الأسواق العالمية، مشيراً إلى استمرار القطاعات غير النفطية، مثل التجارة والخدمات اللوجستية والخدمات المالية والتصنيع والسياحة، في قيادة النمو الاقتصادي.

وأضاف أن التوقعات الرسمية لا تزال تشير إلى تسجيل نمو قوي في الناتج المحلي الإجمالي خلال 2026، بما يتماشى مع التقديرات السابقة للأزمة، ما يعكس استقرار المسار الاقتصادي للدولة.

ولفت إلى أن الإمارات تتميز مقارنة بالعديد من الاقتصادات العالمية، بامتلاكها ميزانيات عمومية حكومية قوية، ومرونة عالية في السياسات المالية والنقدية، وهو ما يتيح استمرار زخم النمو، حتى في فترات التقلبات العالمية، وارتفاع الضغوط الاقتصادية.

وأكد أن هذه العوامل مجتمعة تعزز من قدرة الاقتصاد الإماراتي على الحفاظ على استقراره، ومواصلة جذب الاستثمارات، وترسيخ موقعه مركزاً اقتصادياً إقليمياً ودولياً مرناً ومستداماً.

نمو مدفوع بالاستدامة

أكد شيفكومار روهيرا، الرئيس التنفيذي لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في «كلاي جروب»، أن سوق الإمارات لا يزال يتمتع بحيوية وجاذبية قوية للمستثمرين، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تشهد تحولاً واضحاً نحو نهج أكثر انضباطاً وكفاءة في التنفيذ، مع تركيز متزايد على تحقيق نتائج مستدامة طويلة الأجل.

وأوضح روهيرا أن النمو في الإمارات يتجه بشكل متوازن عبر مختلف القطاعات، بما يعكس انتقال الاقتصاد من أنماط التوسع السريع والدوري، إلى نموذج أكثر استقراراً واستدامة، مدعوماً باستثمارات طويلة الأجل، وتوجهات سياسية واضحة، مع استمرار القطاع غير النفطي كمحرك رئيس للنمو الاقتصادي.

وأشار إلى أن الكيانات الكبرى المرتبطة بالحكومة تواصل دفع المشاريع الوطنية الاستراتيجية، خصوصاً في مجالات تحول الطاقة، والبنية التحتية، والاقتصاد الرقمي، ما يعزز من مسار التنويع الاقتصادي في الدولة. وفي المقابل، لفت إلى أن استثمارات القطاع الخاص أصبحت أكثر انضباطاً، حيث يتم تنفيذ المشاريع على مراحل، وبمستويات إنفاق أكثر توازناً، تتناسب مع حجم الطلب الفعلي، بدلاً من التوسع السريع غير المدروس.

وأضاف روهيرا أن سلوك المستثمرين في الإمارات أصبح أكثر انتقائية، حيث يواصل المستثمرون المؤسسيون والمكاتب العائلية ضخ رؤوس أموالهم في السوق المحلي، لكن مع تركيز أكبر على العوائد المستقرة، والسيولة، ووضوح استراتيجيات الخروج.

وأشار إلى أن توزيع الأصول يشهد تحولاً تدريجياً نحو الاستثمارات المدرة للدخل، والائتمان الخاص، إلى جانب تنويع جغرافي وإقليمي أكثر تحفظاً ووعياً بالمخاطر. وأكد روهيرا أن قدرة الإمارات على جذب رؤوس الأموال لا تزال تمثل نقطة قوة رئيسة، مدعومة بالاستقرار التنظيمي، والانفتاح الاقتصادي، والموقع كمركز إقليمي للأعمال، ما يعزز ثقة المستثمرين على المدى الطويل. ومع ذلك، أوضح أن هذه المرونة الاقتصادية تخضع لاختبارات متزايدة، نتيجة عوامل عالمية، أبرزها ارتفاع أسعار الفائدة وضغوط السيولة، وهو ما يؤدي إلى بيئة استثمارية أكثر حذراً وانتقائية، دون أن يؤثر في الجاذبية الأساسية لسوق الإمارات.

استعرض إدموند كريستو، كبير محللي أبحاث المؤسسات المالية الخليجية في «بلومبرغ إنتلجنس»، مستوى مرونة عدد من القطاعات في مواجهة انعكاسات التوترات الإقليمية، مشيراً إلى أن القطاع المالي في المنطقة، وعلى رأسه الإمارات، لا يزال في وضع قوي، يمكّنه من تجاوز المخاطر المحتملة.

وأوضح كريستو أن قوة القطاع المالي تستند إلى دعم المصارف المركزية، وسلامة الميزانيات العمومية للمؤسسات المالية، إلى جانب استمرار مستويات سيولة قوية، ما يعزز قدرة القطاع على امتصاص أي صدمات خارجية. وأضاف أن تأثيرات أي انكماش اقتصادي في ربحية أسواق المال، قد لا تظهر بشكل مباشر في المدى القريب، لكنها قد تتضح إذا استمرت الضغوط على المدى الطويل، حيث تؤدي التوترات الجيوسياسية عادة إلى زيادة المخصصات التحوطية لدى المؤسسات المالية. وفي ما يتعلق بالقطاع العقاري، أشار كريستو إلى أن بعض الأسهم القيادية في القطاع، تمر بمرحلة تصحيح جزئي، إلا أنه توقع أن تتحول هذه التراجعات إلى فرص ومكاسب مستقبلية، خاصة في ظل سياسات تنظيم المعروض العقاري، التي تتماشى مع تباطؤ سلاسل الإمداد، ما يدعم الوصول إلى توازن طبيعي بين العرض والطلب. وتوقع أن يشهد القطاع العقاري في دبي وأبوظبي، عودة ملحوظة في الطلب الاستثماري، عقب انتهاء التوترات، خاصة من المستثمرين العقاريين الصينيين، مدفوعين بجاذبية الأصول العقارية في الإمارات، واستقرار بيئتها الاستثمارية.

توقعات بنمو اقتصاد الدولة 5 % في 2026

أكد فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»، أن آفاق الاقتصاد الإماراتي لا تزال قوية، رغم التوترات العالمية المستمرة، مشيراً إلى أن الأداء المتميز للأنشطة غير النفطية يظل المحرك الرئيس للنمو. وتوقع فاليشا أن يحقق الاقتصاد الإماراتي نمواً قد يصل إلى سقف 5 % خلال العام الجاري، مدفوعاً بتوسع متزامن في القطاعات النفطية وغير النفطية، مع استمرار الزخم في قطاعات حيوية، تدعم متانة الاقتصاد الوطني.

وأوضح أن من أبرز القطاعات الداعمة للنمو: الإنشاءات، والعقارات، والتصنيع، وتجارة الجملة والتجزئة، إضافة إلى الخدمات المالية، مشيراً إلى أن هذه القطاعات تواصل أداءها القوي، في ظل توجه الدولة نحو تحقيق مستهدفات «أجندة الإمارات 2031»، الهادفة إلى مضاعفة حجم الاقتصاد ليصل إلى 3 تريليونات درهم. وأضاف أن هذا التوجه تدعمه منظومة تشريعية متطورة، وبيئة أعمال جاذبة، ورؤية واضحة لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

وأشار فاليشا إلى أن بيئة الأعمال في الإمارات أظهرت مرونة كبيرة خلال فترات التوتر، حيث تمكنت الشركات من إجراء تعديلات تشغيلية مدروسة، ضمنت استمرارية الأعمال دون تأثيرات جوهرية.

كما لفت إلى أن عدداً من الشركات الكبرى المدرجة في أسواق المال بدبي وأبوظبي، سارعت إلى طمأنة المستثمرين، مؤكدة محدودية التغييرات التشغيلية، وتراجع الأثر المالي، خاصة في قطاعات الطاقة والموانئ والاتصالات والبنوك، ومن أبرزها «أدنوك» و«موانئ أبوظبي» و«دو»، وعدد من البنوك الوطنية. وفي المقابل، أوضح فاليشا أن الشركات غير المدرجة المعتمدة على الواردات، اتجهت إلى تبنّي خطط طوارئ طويلة الأجل، شملت اختبار مرونة سلاسل التوريد، وتوسيع المخزون الاستراتيجي، والاعتماد على مسارات شحن بديلة. وأشار إلى أن بعض هذه الشركات بدأت بالفعل في تحويل شحناتها عبر مراكز لوجستية مثل الفجيرة وخورفكان، إضافة إلى وجهات إقليمية ودولية أخرى، وهو اتجاه قد تتبعه لاحقاً شركات كبرى أخرى.

ولفت إلى أن التأثيرات القطاعية لا تزال غير متساوية، حيث يواجه قطاعا الطيران والسياحة بعض الضغوط، في حين يواصل القطاع المصرفي أداءه المستقر، مدعوماً بالسيولة القوية والدعم الحكومي، رغم احتمالية مراقبة جودة الأصول في مراحل لاحقة. أما القطاع العقاري، فأشار إلى أنه يتحرك ضمن نطاق متوازن، حيث شهدت بعض الأسهم القيادية، مثل «إعمار» و«الدار»، تصحيحات سعرية، في حين لا يزال الطلب الأساسي على العقارات قوياً، ما يجعل أداء القطاع مرهوناً بمدة استمرار الظروف الحالية.