تواجه شركة فيراري الإيطالية، المصنعة للسيارات الفاخرة، أزمة حادة وغير مسبوقة في هويتها العريقة؛ بعد أن قوبل إطلاق طرازها الكهربائي الأول بالكامل، والذي يحمل اسم "لوتشي" (Luce)، بموجة عارمة من الانتقادات والسخرية من قِبل المشجعين والمستثمرين على حد سواء.

فبينما كان يُفترض أن يمثل هذا الطراز الذي تم الكشف عنه في المجمع الرياضي "فيلا دي كالاترافا" بالعاصمة روما، في يوم الاثنين الماضي  25 مايو 2026، تزامناً مع الذكرى الـ 79 لأول فوز تاريخي للشركة في روما عام 1947 ، قفزة تكنولوجية نحو المستقبل، تحول المشهد إلى صدمة في الأوساط التقنية والمالية.

وتسببت هذه العاصفة في هبوط أسهم الشركة بنسبة بلغت 8% في بورصة ميلانو؛ وسط مخاوف حقيقية من أن يؤدي التصميم المثير للجدل إلى ضرب المكانة السوقية للعلامة التي تُقدر قيمتها بنحو 70 مليار دولار، وتعتمد في قوتها على ندرة إنتاجها الذي لا يتجاوز 14,000 سيارة سنوياً.

جاءت أقوى الضربات من داخل البيت القيادي السابق للشركة؛ حيث أبدى الرئيس الأسبق لفيراري، لوكا دي مونتيزيمولو، ذهوله وصدمته من المظهر الخارجي للسيارة أثناء تغطيته لإطلاقها في العاصمة الإيطالية.

وأكد تصريحات إعلامية انتشرت كالنار في الهشيم أنه يفضل الصمت حرصاً على مصلحة الشركة، قائلاً: "إذا قلت ما أعتقده حقاً، سألحق الضرر بـ فيراري.. نحن نخاطر بتدمير الأسطورة".

ولم يتوقف عند هذا الحد, بل تهكم بمرارة مقترحاً إزالة شعار "الحصان الجامح" من فوق السيارة، ومضيفاً بسخرية: "هذه بالتأكيد سيارة لن يفكر الصينيون في تقليدها أبداً".

لم تكن آراء الرئيس الأسبق معزولة عن الواقع، إذ ضجت منصات التواصل الاجتماعي بـ "الميمات" والصور الساخرة التي شبهت السيارة ذات السقف الزجاجي الكامل بـ "المكنسة الكهربائية"، في حين وصفها أحد المعلقين بأنها تبدو كـ "فأرة حاسوب من إنتاج شركة آبل ولكن على عجلات".

وعقد المحللون مقارنات بصرية ساخرة بينها وبين طراز "ليف" الكهربائي من إنتاج شركة "نيسان" اليابانية، رغم الفارق الفلكي في السعر؛ حيث يبدأ سعر سيارة "لوتشي" الجديدة من 550,000 يورو (ما يعادل 640,000 دولار).

ونقلت الصحافة الاقتصادية العالمية عن لوك بويريه، وهو جامع سيارات كندي يمتلك 40 سيارة فيراري، قوله مصدوماً: "يا إلهي، كم هي مخيبة للآمال! كيف يمكن تبرير هذا السعر؟ هذا أمر لا يصدق".

رهان معزول

أمام هذه العاصفة، اضطر الرئيس التنفيذي للشركة، بينيديتو فيجنا، إلى الرد غير المباشر عبر منصة "لينكد إن"، مدافعاً عن الاستراتيجية التي تضمنت تسجيل أكثر من 60 براءة اختراع جديدة، بالقول: "يجب أن نضع في الحسبان أن الابتكار الحقيقي لا يبحث عن الإجماع الفوري".

وجاء هذا الدفاع بالرغم من أن الشركة حشدت كل طاقاتها، مستعينة بتحالف تصميمي خارجي يقوده رئيس التصميم الأسبق لشركة آبل، السير جوني آيف، عبر استوديو "LoveFrom" لتطوير المقصورة والواجهة، وشاشات OLED متطورة تم تطويرها حصرياً بالتعاون مع عملاق التقنية "سامسونج". بل ووصل الأمر إلى حد قيام الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا بفحص السيارة رسمياً، والتقاط البابا ليو الرابع عشر صوراً بجانب نسخة بيضاء منها.

يسعى الرئيس التنفيذي الحالي، الذي خلف وراءه سنوات من العمل في صناعة الرقائق الإلكترونية، إلى جذب جيل جديد من الأثرياء في مراكز التكنولوجيا العالمية مثل "وادي السيليكون" في الولايات المتحدة، مستغلاً تحولاً هندسياً غير مسبوق؛ حيث تعد "لوتشي" أول سيارة بـ 5 مقاعد في تاريخ فيراري، مستفيدة من غياب المحركات التقليدية لتوفير مساحة داخلية رحبة وصندوق أمتعة قياسي يتسع لـ 597 ليتراً.

ويرفض فيجنا بشدة فرضية أن فيراري لا تملك ما تقدمه تكنولوجياً؛ حيث أعلنت الشركة أن السيارة تملك مواصفات خارقة بقوة 1,050 حصاناً يولدها 4 محركات مستقلة (محرك لكل عجلة)، مع قدرة على التسارع من الصفر إلى 100 كم/ساعة خلال 2.5 ثانية فقط، وبلوغ سرعة قصوى تصل إلى 310 كم/ساعة، بفضل بطارية ضخمة بسعة 122 كيلوواط/ساعة تدعم الشحن السريع بقدرة 350 كيلوواط (ما يسمح بشحن نصف البطارية في 20 دقيقة فقط)، لتوفر مدى قيادة يصل إلى 530 كيلومتراً.

انقسام عاطفي

ورغم التحديات وانخفاض الحماس العالمي لقطاع السيارات الكهربائية، إلا أن خبراء قطاع السيارات يؤكدون أن فيراري لم يكن لديها خيار آخر سوى دخول المعترك، بعد أن سبقتها شركات كبرى مثل "لامبورغيني" و"بنتلي" و"بورشه".

وتتوقع الخطة الاستثمارية لفيراري لعام 2030 أن تشكل السيارات الكهربائية بالكامل 20% من إجمالي نماذجها، مقابل 40% للسيارات الهجينة و40% لسيارات الاحتراق الداخلي التقليدية.

ورغم الانقسام العاطفي لعشاق العلامة الذين يفتقدون زئير محركات الاحتراق التقليدية (رغم ابتكار فيراري لنظام صوتي اصطناعي يضخم اهتزازات المحركات الكهربائية داخلياً وخارجياً)، يتوقع محللون ماليون في مؤسسة "بيرنشتاين" للأبحاث أن يتجاوز المشترون الصدمة الأولى، تماماً كما حدث عند إطلاق سيارة الدفع الرباعي "بوروسانغوي" عام 2022، والتي واجهت انتقادات حادة في البداية قبل أن تتحول إلى نجاح تجاري ضخم، لتبقى القاعدة الذهبية ثابتة: "إذا صنعت فيراري سيارة، فإن المشترين سيأتون حتماً".