تسهم الكيانات المرتبطة بالحكومة في منطقة الخليج في تغيير طريقة تمويل المشاريع، وقد أدت التطورات واسعة النطاق في البنية التحتية وأهداف انتقال الطاقة إلى زيادة النشاط منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في دول الخليج، حيث تسارع هذا النمو مع سعي الحكومات إلى تنويع اقتصاداتها وجذب الاستثمار الخاص، لا سيما في مجالات الطاقة المتجددة والمرافق العامة والنقل.
وتسهم الحكومات في المنطقة، خاصة في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، بدور محوري في هذه المشاريع، غالباً من خلال الكيانات المرتبطة بالحكومة لتسهيل التمويل وضمان نجاح المشاريع.
وسلطت وكالة «إس آند بي جلوبال للتصنيفات الائتمانية» الضوء على دور الكيانات المرتبطة بالحكومة في تطوير البنية التحتية في منطقة الخليج والعوامل المؤثرة في الجدارة الائتمانية للمشاريع، وأجابت عن الأسئلة الشائعة حول الظروف التي نُصنف بموجبها معاملة تمويل المشروع على أنها كيانات مرتبطة بالحكومة وتأثير الدعم الحكومي في التصنيفات الائتمانية. كما سلطت الضوء على كيف مواءمة مشاركة الكيانات المرتبطة بالحكومة لأهداف المشروع مع أولويات الحكومة، ما يوفر قوة ائتمانية ويخفف من المخاطر.
تنويع الاقتصاد
وأوضحت أن تمويل المشاريع يتسارع في دول الخليج نتيجة للجهود المبذولة لتنويع الاقتصادات وتوسيع البنية التحتية. لقد أصبح تمويل المشاريع نموذجاً مفضلاً، لأنه يسمح للمطورين بالحصول على تمويل طويل الأجل يتماشى مع دورات حياة المشاريع، مع إبقاء الديون خارج الميزانية العمومية. ويهدف هذا النهج التمويلي إلى إدارة المخاطر طوال مراحل تنفيذ المشروع، من مرحلة الأعمال الإنشائية إلى التشغيل.
وأضافت الوكالة أن توجه الحكومات في المنطقة نحو تمويل المشاريع كأداة لتمويل المشاريع الكبيرة للبنية التحتية عبر الاستفادة من مشاركة القطاع الخاص يتزايد من خلال هياكل المشاريع المشتركة، مع الحفاظ على الانضباط المالي. وعادة تُهيكل معاملات تمويل المشاريع على شكل مشاريع مشتركة بين الحكومة والمطورين من القطاع الخاص.
وأوضحت أن هذا النهج يتجنب إثقال الميزانيات العامة، ما يتيح للحكومات الاستمرار بالمشاركة النشطة، مع منحها قدرة للتركيز على أهداف الاستدامة طويلة الأجل. وهذا أمر بالغ الأهمية نظراً للطلب الهائل على أصول البنية التحتية في المنطقة، بما في ذلك توليد الطاقة المتجددة والطاقة المعتمدة على الغاز وتحلية المياه ومراكز البيانات والأصول الاجتماعية.
التحول التكنولوجي
وفيما يتعلق بأنواع المشاريع التي تقود هذا التوسع أوضحت «إس آند بي» أن هذه المشاريع في دول الخليج تعكس التزام هذه الدول بالاستدامة والتحول التكنولوجي. وتعد مشاريع مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومحطات إنتاج الهيدروجين من المكونات الأساسية للاستراتيجيات الوطنية، مثل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، واستراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050. وفي الوقت نفسه، تشهد الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، نمواً سريعاً. وقد أسهمت صناديق الثروة السيادية بدور حيوي في هذه المشاريع، من خلال توجيه رؤوس أموال ضخمة إلى هذه القطاعات الناشئة لدعم التنويع الاقتصادي.
شراكة القطاعين
وأضافت أن الطلب المتزايد على تمويل المشاريع هو نتيجة مباشرة لأهداف الاستدامة العالمية، والاستراتيجيات الإقليمية للتنويع الاقتصادي، وتفضيل المطورين لنماذج التمويل التي تربط بين الامتيازات طويلة الأجل والديون طويلة الأجل. وقد شجعت أطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي أنشأتها الحكومات الخليجية مشاركة القطاع الخاص، ما مكّن الحكومات من هيكلة الصفقات في شكل مشاريع مشتركة يمكنها التصرف كملاك للأراضي أو كمشترين أو كمساهمين مشاركين.
وقالت الوكالة إن دول المنطقة واجهت تاريخياً صعوبات في جذب المستثمرين المؤسسيين الأجانب، لكننا نشهد الآن مشاركة متزايدة من جانب مديري الأصول البديلة والبنوك التقليدية. وقد أدى هذا التطور إلى جعل المنطقة مركزاً عالمياً للاستثمار في البنية التحتية المستدامة والقائمة على التكنولوجيا.
طرح العطاءات
وأوضحت أن مشاركة الحكومة في مشاريع البنية التحتية في منطقة الخليج تعد سمة مميزة لنظام تمويل المشاريع في المنطقة.
وتنخرط الحكومات، من خلال الكيانات المرتبطة بالحكومة بدرجة رئيسية، بعمق في دورة حياة هذه المشاريع، من مرحلة الشراء إلى العمليات التشغيلية.
وتشرف الكيانات المرتبطة بالحكومة على عمليات طرح العطاءات، وتدعو المطورين المحليين والدوليين إلى تقديم عطاءات للمشاريع المنظمة ضمن أطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وفي قطاع المرافق العامة، تتصدر شركة مياه وكهرباء الإمارات (EWEC)، وهيئة كهرباء ومياه دبي (DEWA) عمليات شراء الطاقة والمياه في دولة الإمارات العربية المتحدة. وتقود الشركة السعودية لشراء الطاقة (SPPC)، والشركة السعودية لشراكات المياه (SWPC) هذا القطاع في المملكة العربية السعودية.
وأوضحت أن الإمارات والسعودية طبقتا أطراً قوية للشراكة بين القطاعين العام والخاص، ما يجعل تمويل المشاريع الخيار الطبيعي لتمويل المشاريع الكبيرة.
امتيازات قوية
وتعتقد وكالة «إس آند بي جلوبال للتصنيفات الائتمانية» أن التزام الحكومة بامتيازات قوية وآليات قوية للتخفيف من المخاطر، بما في ذلك الحماية من المخاطر التنظيمية والسياسية، يعزز قابلية تمويل المشاريع الخليجية ويجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين الإقليميين والدوليين على حد سواء.
وقالت الوكالة: «من وجهة نظرنا، يدعم الإطار التعاقدي القوي جودة المشاريع، مع اتفاقيات شراء مجربة ومع انكشاف محدود أو معدوم على مخاطر السوق (الحجم/السعر). وتتضمن هذه العقود توزيعاً ملائماً للمخاطر مع أطراف نظيرة ذات تصنيف ائتماني مرتفع، ما يضمن إمكانية التنبؤ بالتدفقات النقدية.
وتتضمن المزايا التي نراها في سوق الشراكة المحلية بين القطاعين العام والخاص حقيقة أن المخاطر المرتبطة بالحكومة مثل التغيير في القوانين، والقوة القاهرة، والمخاطر السياسية تنتقل إلى المشتري المملوك للدولة على المدى الطويل. وتوجد أيضاً أنظمة صارمة لفسخ الاتفاقيات لمنع المشترين من فسخ العقود لأسباب غير جوهرية، وهذا يعزز هيكل الاستثمار».
مبادرات الإمارات
وفي أبوظبي، تجسد شركة مياه وكهرباء الإمارات (EWEC) القيادة الحكومية في مبادرات الطاقة المتجددة، بالتعاون مع مطور المشاريع شركة مَصدر، المملوكة بالكامل، بشكل غير مباشر، للدولة، حيث تتوزع حصصها بين شركة مبادلة للاستثمار وشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، وشركة طاقة. وتسعى شركة مياه وكهرباء الإمارات (EWEC) إلى توسيع قدراتها المستقبلية من خلال مشاريع مثل محطة العجبان للطاقة الشمسية الكهروضوئية، والمشاريع العملاقة مثل محطة خزنة ومحطة الزراف للطاقة الشمسية الكهروضوئية، التي فتحت عطاءاتها أو منحت بالفعل.
ويأتي ذلك بعد تشغيل مشروع سويحان للطاقة الشمسية الكهروضوئية المستقلة في أبريل 2019، ومحطة الظفرة للطاقة الشمسية الكهروضوئية في يونيو 2023، اللذين يعدان من أكبر محطات الطاقة الكهروضوئية على مستوى المرافق في موقع واحد في العالم.
بطاريات التخزين
ومن بين المشاريع البارزة لشركة مياه وكهرباء الإمارات (EWEC) أكبر وأول مشروع من نوعه على مستوى العالم يجمع بين محطة طاقة شمسية ونظم بطاريات تخزين الطاقة لتوفير إمدادات الطاقة النظيفة على مدار الساعة في أبوظبي، التي تعكف الشركة على تطويرها بالتعاون مع شركة مَصدر.
وسيجمع المشروع بين محطة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 5.2 جيجاوات مع أنظمة بطاريات لتخزين الطاقة بقدرة 19 جيجاواط/ساعة، ما يتيح توليد ما يصل إلى 1 جيجاواط من الطاقة النظيفة المستمرة.
وتتبع جميع هذه المشاريع التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها النموذج نفسه، حيث تمتلك الحكومة حصة أغلبية بنسبة 60% بطريقة غير مباشرة، في حين تقدم أيضاً ضماناً حكومياً على التزامات شركة مياه وكهرباء الإمارات (EWEC) المتعلقة باتفاقيات الشراء.
وبحسب الوكالة أظهرت حكومة السعودية التزامها بتنمية الطاقة المتجددة من خلال شراكة مشتركة بين صندوق الاستثمارات العامة ومطور المشاريع أكوا باور، حيث يمتلك صندوق الاستثمارات العامة حصة 44% من حصتها. ونعتقد أن هذا التعاون سيكون له دور فعال في تعزيز أهداف الطاقة المتجددة في المملكة.
وتهدف هذه الشراكة إلى تطوير 70% من أهداف المملكة في مجال الطاقة المتجددة كجزء من رؤية المملكة 2030، التي تهدف للوصول إلى 130 جيجاوات من الطاقة المتجددة بحلول نهاية العقد. ويؤكد هذا التزام الحكومة بتنويع مزيج الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتعزيز التنمية المستدامة.
