أكدت أمال الشاذلي، رئيسة منطقة الخليج لدى «شنايدر إلكتريك»، أن منطقة الخليج تشهد تحولاً نوعياً في استراتيجيات تطوير البنية التحتية، ينتقل فيه التركيز من حجم المشاريع والإنشاءات العملاقة إلى توظيف التقنيات الذكية في تصميمها وتشغيلها، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد اعتماداً متزايداً على الذكاء الاصطناعي وأنظمة الطاقة المتقدمة لتعزيز كفاءة المشاريع واستدامتها ومرونتها.
وقالت الشاذلي إن منطقة الخليج نجحت، على مدى جيل كامل، في تحويل رؤاها الطموحة إلى إنجازات ضخمة، شملت أطول برج في العالم، والمشاريع الأكبر من نوعها، والأفق العمراني الأسرع نمواً، موضحة أن الإنشاءات العملاقة والإنجازات غير المسبوقة التي ألهمت العالم شكّلت استراتيجية المنطقة وبصمتها في الوقت نفسه.
وأضافت أن المنطقة تشهد اليوم تحولاً نوعياً أعمق أثراً، إذ لم يعد التركيز مقتصراً على حجم ما يجري إنشاؤه، وإنما امتد إلى التقنيات الذكية التي يجري توظيفها في تلك المشاريع.
وأوضحت أن هذا التحول يأتي في مرحلة فاصلة يتسابق فيها العالم لإنشاء البنى التحتية للذكاء الاصطناعي، في وقت تشكّل فيه الطاقة أحد أبرز التحديات المرتبطة بهذه المشاريع، نظراً إلى أن تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة وتشغيلها يتطلب طاقة هائلة ومركّزة وموثوقة.
وأشارت إلى أن الطلب المتزايد على الطاقة يصطدم في معظم أنحاء العالم بشبكات متقادمة وفواتير متصاعدة وتململ محلي متنامٍ، بينما تعمل دول مجلس التعاون الخليجي على تلبية هذا الطلب دون تأخير، من خلال تشييد الحكومات والجهات المطوّرة مجموعة من أكثر مشاريع البنية التحتية الرقمية طموحاً على مستوى العالم، لمواكبة نمو اقتصاداتها وتعزيز تنوعها.
مجمعات الذكاء الاصطناعي
ولفتت رئيسة منطقة الخليج لدى «شنايدر إلكتريك» إلى أن أبوظبي تقدّم مثالاً واضحاً على هذا التوجه، إذ تحتضن الإمارة أحد أكبر مجمعات الذكاء الاصطناعي الجاري بناؤها في العالم خارج الولايات المتحدة، ويعتمد في إمداداته على مزيج مدروس من الطاقة النووية السلمية والطاقة الشمسية والغاز.
واعتبرت أن هذا المشروع يمثّل إعلان نوايا، ويؤكد رؤية المنطقة القائمة على أن البناء بأحجام ضخمة أمر ممكن، بينما يتمثل الإنجاز الحقيقي في إنشاء مبانٍ ومنشآت تؤدي وظائفها بذكاء وكفاءة، وتدوم طويلاً وتحافظ على فعاليتها.
وقالت إن تشغيل جيجاواط من القدرة الحاسوبية في المناخات الجافة، ولفترات طويلة من العام، يفرض تحديات كبيرة، خصوصاً أن التبريد يستحوذ على حصة هائلة من ذروة الطلب على الطاقة في مدن المنطقة.
وأضافت أن خوادم الذكاء الاصطناعي يمكن أن تستهلك أكثر من عشرين ضعف الطاقة اللازمة لتشغيل الخوادم التقليدية، وأن تولّد قدراً مماثلاً من الحرارة، ما يجعل تلبية هذا الطلب أحد أبرز التحديات التي يسعى العالم إلى معالجتها.
وأكدت أن الميزة التنافسية لمنطقة الخليج لم تعد تقتصر على وفرة الطاقة، بل تشمل امتلاك التقنيات والأنظمة الذكية التي تجعل استخدام تلك الطاقة أكثر جدوى وكفاءة.
وأوضحت أن ذلك يتحقق من خلال هياكل طاقة مصممة بصورة متكاملة من الشبكة الكهربائية إلى الشريحة الإلكترونية، وأنظمة تبريد سائل متقدمة يمكنها، عند تصميمها بصورة سليمة، خفض استهلاك الطاقة والمياه معاً، إلى جانب استخدام التوائم الرقمية لاختبار المنشآت قبل وقت طويل من البدء في صب أساساتها، وتطوير الشبكات المصغّرة التي تحافظ على قدرة الأنظمة الحساسة على الاستمرار في العمل عند حدوث أي اضطراب.
مشاريع النقل والمطارات
وأشارت الشاذلي إلى أن هذا التوجه نحو البنية التحتية الذكية أصبح نمطاً شاملاً على مستوى منطقة الخليج، ولم يعد مقتصراً على قطاع واحد، وهو ما يتضح من طبيعة المشاريع التي تختار دول المنطقة تنفيذها.
وقالت إن دبي تعمل على توسيع شبكة المترو ذاتية القيادة من خلال الخط الأزرق الجديد، الذي يُبنى وفق أعلى معايير الأبنية الخضراء، ويُصمّم لتخفيف الضغط عن الطرق، وليس لزيادة الطاقة الاستيعابية فحسب.
وأضافت أن «قطارات الاتحاد» تدشّن خدمة نقل الركاب خلال العام الجاري، برحلات تستغرق أقل من ساعة بين أبوظبي ودبي، مع افتتاح الشبكة على مراحل.
وأشارت كذلك إلى مشروع «حفيت للقطارات»، الذي يجري إنشاؤه ليكون أول خط سكة حديد عابر للحدود بين دولتين خليجيتين، ويربط دولة الإمارات وسلطنة عُمان.
وفي قطاع الطيران، أوضحت أن مطار آل مكتوم الدولي في دبي الجنوب يجري تطويره ليصبح الأكبر في العالم، بطاقة استيعابية مخططة تصل إلى 260 مليون مسافر سنوياً.
وأكدت أن القاسم المشترك بين هذه المشاريع لا يتمثل في حجمها وحده، إذ لا يركز أي منها على الحجم بمعزل عن الكفاءة التشغيلية والأنظمة الذكية.
وبيّنت أن المترو ذاتي القيادة يمثل نظاماً قادراً على الاستشعار واتخاذ القرارات بصورة آنية، بينما يمثّل مطار بتلك الطاقة الاستيعابية، من منظور الطاقة، مدينة صغيرة تتطلب التشغيل والتبريد بصورة متواصلة ودون انقطاع.
وشددت على أن تحقيق طموحات هذه المشاريع يعتمد على إدارتها بذكاء، بما يضمن كفاءتها واستمرارية أدائها.
العمليات المستقلة في الخليج
وقالت الشاذلي إن اعتماد الذكاء في إدارة المشاريع والبنية التحتية لا يقتصر على أمثلة منفردة، بل أصبح أسلوب عمل يتوسع في مختلف أنحاء منطقة الخليج.
وأوضحت أن المنطقة تتصدر العالم في تبنّي العمليات المستقلة، التي تعتمد على أنظمة قادرة على الاستشعار واتخاذ القرارات والاستجابة بصورة آنية، ما يتيح للبشر التركيز على أداء الأعمال الأعلى قيمة.
وأشارت إلى أن تطبيق هذا النهج يختلف من سوق خليجية إلى أخرى، تبعاً للظروف الاقتصادية وأولويات التنمية.
وقالت إن دولة الإمارات نجحت في تحويل أهداف الطاقة النظيفة إلى قدرات فعلية من الطاقة المنجزة بسرعة لافتة، بينما تعمل سلطنة عُمان على بناء أحد أكثر النماذج انضباطاً واعتماداً على الطاقة المتجددة في المنطقة.
وأضافت أن دولة قطر توجّه قوة اقتصادها القائم على الطاقة نحو عملية تنويع اقتصادي مدروسة ومحكمة التخطيط.
وأكدت أن اختلاف منطلقات الدول الخليجية لا يغيّر وحدة الوجهة التي تتجه إليها، والمتمثلة في تطوير بنية تحتية تقوم على الذكاء.
المرونة واستمرارية التشغيل
وشددت الشاذلي على أن الذكاء والمرونة عنصران مترابطان في مستقبل البنية التحتية، موضحة أن المنشآت والأنظمة التي تعجز عن الصمود ومواصلة الأداء تحت الضغط ستخذل في نهاية المطاف الجهات والأفراد الذين تعتمد خدماتهم عليها.
وأوضحت أن هذه الضغوط قد تنتج عن الحرارة الشديدة، أو تذبذب إمدادات الطاقة المتجددة، أو تحديات أخرى أوسع نطاقاً.
وقالت إن تصميم البنية التحتية وفق متطلبات المرونة يستدعي إنشاء أنظمة مزوّدة باحتياطيات حقيقية، وتطوير مبانٍ ومجمعات قادرة على التكيف مع الظروف بصورة آنية، إلى جانب الانتقال الحاسم من الاستجابة للمشكلات بعد وقوعها إلى استباقها قبل حدوثها.
وأضافت أن التقنيات الذكية التي تجعل مركز البيانات موثوقاً في أدائه يمكنها أن تحقق المستوى ذاته من الموثوقية في المستشفيات وشبكات القطارات والمطارات والمشاريع العملاقة.
وأكدت أن هذه القدرات لم تعد من التحسينات الكمالية، خصوصاً في ظل احتمال أن يؤدي إخفاق واحد في الأداء إلى تبعات أكبر وأوسع نطاقاً، وإنما أصبحت ضرورة تشغيلية وميزة تنافسية في الوقت نفسه.
قمة الابتكار في أبوظبي
وكشفت الشاذلي أن هذه القضايا ستكون محوراً للنقاش خلال الدورة المقبلة من «قمة الابتكار للشرق الأوسط وأفريقيا»، التي تنظمها شركة «شنايدر إلكتريك» وتستضيفها أبوظبي هذا العام.
وأوضحت أن القمة ستتجاوز عرض المنتجات إلى مناقشة سبل التكامل بين السياسات والتقنيات والشراكات، بما يسهم في تشكيل ملامح الجيل المقبل من البنية التحتية في منطقة الخليج.
وأضافت أن النقاشات ستشمل المباني والمنشآت والمجمعات والشبكات التي تتولى نقل الأشخاص والبضائع، مع التركيز على تصميمها بطريقة تضمن استهلاكاً أقل للموارد، وأداءً أفضل، وقدرة أسرع على التكيف مع المتغيرات، واستمرارية تشغيلية موثوقة.
مستقبل البنية التحتية الخليجية
وأكدت الشاذلي أن الإنجازات والمشاريع العملاقة أسهمت في بناء سمعة منطقة الخليج على المستوى العالمي، مشيرة إلى أن هذه الإنجازات أدّت دوراً رئيسياً في ترسيخ مكانة المنطقة خلال العقود الماضية.
وقالت إن معايير تقييم الإنجازات في العقد المقبل ستتجاوز حجم الطاقة الإنتاجية للمشاريع، لتشمل مستوى الذكاء المستخدم في تنفيذها ودمج أنظمتها وتشغيلها.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن منطقة الخليج صنعت اسمها عالمياً من خلال ضخامة إنجازاتها العمرانية والإنشائية، وأن توظيف الذكاء في البنية التحتية سيمكّنها من مواصلة ريادتها في المستقبل.