تقدّم أزمة الكهرباء التي يواجهها العراق هذا الصيف درساً اقتصادياً بالغ الوضوح؛ مفاده أنّ الدول التي تتّكئ على مصدرٍ وحيد للدخل، تظلّ عرضةً للاهتزاز أمام الصدمات الخارجية، مهما بلغت ثرواتها الطبيعية. فالعراق، أحد أغنى دول العالم بالنفط، يستعدّ لاضطرابات حادّة في التيار الكهربائي خلال فصل الصيف هذا، بعد أن أوقفت حرب إيران إمدادات الغاز، في أزمةٍ كشفت هشاشة بنيته الاقتصادية وعدم تكامل اقتصادها بصورة كبيرة.
وبحسب صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، يلقي شبح انقطاع الكهرباء بظلاله في أشدّ أشهر الصيف حرارةً، حيث تتجاوز درجات الحرارة 45 مئوية ويرتفع الطلب على التبريد، بالتزامن مع إغلاق إيران مضيق هرمز الذي أوقف معظم صادرات النفط العراقية، التي تشكّل وحدها ما يربو على 90% من موازنة البلاد.
ساق واحدة
بحسب الصحيفة، حوّل إخفاقُ العراق في تنويع مصادر طاقته ودخله، البلادَ إلى واحدةٍ من أكثر الدول هشاشةً أمام تداعيات الصراع الذي اندلع في فبراير الماضي. ونقلت عن المحلّل في شركة "ولِيجِنس" إريك سوساي قوله إن إنتاج النفط العراقي تراجع إلى نحو ربع مستوياته قبل الحرب، ما اضطرّ بغداد إلى إغلاق معظم حقوله النفطية، فاهتزّ بذلك المصدرُ الوحيد الذي تتّكئ عليه الموازنة بأكملها.
ويتضاعف الخلل حين ننتقل من جانب الدخل إلى جانب الطاقة. فالعراق، رغم كونه من أكبر منتجي النفط في منظمة "أوبك"، يحرق جزءاً كبيراً من الغاز المصاحب لإنتاجه النفطي بدل استثماره، وبات خلال العقد الأخير يعتمد على الواردات الإيرانية في تأمين نحو ثلث إمداداته الكهربائية. ووفق محلّلين نقلت عنهم الصحيفة، فإن هذا الترتيب منح طهران ورقةَ ضغطٍ على جارتها؛ فالاعتماد على مورّدٍ واحد يتحوّل، في لحظة الأزمة، إلى نقطة ضعفٍ استراتيجية.
انكشاف الخلل
ذكرت الصحيفة، نقلاً عن وزارة الكهرباء العراقية، أن إمدادات الغاز الإيراني توقّفت بالكامل بعد قصف إسرائيل حقل "بارس الجنوبي" للغاز في مارس، إذ تراجعت الكميات المستوردة إلى نحو 15 مليون متر مكعّب يومياً في أبريل، مقابل 50 مليون متر مكعّب تحتاجها محطات الكهرباء العراقية. وحذّرت الوزارة من تراجع ساعات تجهيز الكهرباء بسبب الحرب التي عرقلت استعداداتها لمواجهة ذروة الطلب الصيفي.
وبحسب ريتشارد برونز، رئيس قسم الجيوسياسة في "إنرجي آسبكتس"، لجأ العراق إلى حرق النفط الخام لتوليد الكهرباء سعياً لتوفير الغاز، بعد أن شحّ حتى الغاز المحلي إثر تراجع الإنتاج النفطي.
ونقلت الصحيفة عن رعد القادري، الشريك الإداري في شركة الاستشارات المتخصّصة في المخاطر السياسية "3TEN32"، وصفَه الوضع بأنه "حربٌ لم يكن العراق مستعدّاً لها على الإطلاق"، مضيفاً أن رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، الذي أدّى اليمين الدستورية قبل أيام بعد أشهر من الصراعات السياسية، يواجه أزمة موازنة واحتمالات اضطرابات شعبية. وسبق لانقطاع الكهرباء في ذروة الحرّ أن أشعل احتجاجات واسعة في صيف 2021.
اقتصاد سهل الكسر
اللافت أن جذور الأزمة، كما تؤكّد الصحيفة، أعمق من الحرب وأسبق منها. فقد سعى العراق إلى ربط شبكته الكهربائية بشبكة الخليج من دون أن ينجح، وفق هاري إستيبانيان مؤسّس "مركز العراق للتغيّر المناخي"، ما حرمه من بديلٍ إقليمي كان كفيلاً بتخفيف اعتماده على مصدرٍ واحد.
أما لؤي الخطيب، وزير الكهرباء العراقي الأسبق، فأرجع الأزمة إلى الدعم الحكومي الذي جعل الكهرباء رخيصةً إلى حدٍّ يرفع الطلب سنوياً بوتيرة يعجز النظام عن مجاراتها.
ورأى رناد منصور، مدير مبادرة العراق في معهد "تشاتام هاوس"، أن غياب الحوافز السياسية حال دون إصلاح المنظومة، قائلاً إن وزارة الكهرباء "يُنظر إليها أولاً بوصفها فرصة للربح، وثانياً بوصفها فرصة لتقديم الخدمات". وهكذا اجتمع غيابُ التنويع مع غياب الإصلاح، فتُرك الاقتصاد قائماً على دعامةٍ واحدة سهلةِ الكسر.
الدرس المستفاد
ترتهن شدّة الأزمة في العراق باستمرار إغلاق إيران مضيق هرمز، في ظل صعوبة إعادة تشغيل الحقول النفطية المغلقة. ونقلت "فاينانشال تايمز" عن فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، قوله إن إعادة حقلٍ نفطي إلى العمل بعد إغلاقه "تتطلّب الكثير" من الوقت والجهد.
ووفقاً لأحمد طبقجلي، كبير الاستراتيجيين في صندوق "AFC العراق"، تستطيع الحكومة الاقتراض لتغطية عجز موازنتها ما دامت الأزمة ستنحسر خلال أشهر، لكنه حذّر من أنه إذا طال أمد الحرب فإن "كل الاحتمالات تصبح واردة"، بما في ذلك العجز عن دفع رواتب القطاع العام الضخمة.
وتتجاوز دلالةُ الأزمة العراقَ؛ لتُعيد التذكير بأن متانة الدولة أمام الصدمات تُقاس بتنويع مصادر دخلها وطاقتها، أكثرَ من حجم ثرواتها الطبيعية. فالدول التي راكمت قطاعاتٍ غير نفطية، من الصناعة والتجارة والخدمات المالية والطاقة المتجدّدة، ونوّعت موارد طاقتها وأسواق تصديرها، تملك من المرونة ما يُمكّنها من امتصاص الأزمات الإقليمية والصمود في وجهها.. وهو الدرس الذي تختصره أزمة الكهرباء في العراق.