أظهرت تطورات متسارعة في قطاع مراكز البيانات أن التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي يفرض تحدياً جديداً على شبكات الكهرباء، لا يتعلق فقط بارتفاع حجم الاستهلاك، وإنما بالتغيرات الحادة والسريعة في الأحمال الكهربائية، ما يدفع شركات التكنولوجيا والطاقة إلى تطوير حلول قادرة على الحفاظ على استقرار منظومة الكهرباء.

وقالت شركة ABB إن هذه التقلبات تمثل تحدياً هندسياً معروفاً يمكن التعامل معه من خلال تصميم البنية التحتية الكهربائية منذ البداية، مشيرة إلى أن دول الخليج تمتلك ميزة مهمة تتمثل في أن جزءاً كبيراً من مراكز البيانات الجديدة لا يزال في مراحل التصميم والتنفيذ، بما يسمح بإدماج حلول الاستقرار والحماية داخل المنشآت قبل تشغيلها.

وتشير تقارير متخصصة في الولايات المتحدة وأوروبا إلى أن مراكز البيانات التي تعتمد على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي قد تشهد ارتفاعات وانخفاضات سريعة في الطلب على الكهرباء خلال أجزاء من الثانية، وهو ما يمكن أن يفرض ضغوطاً على البطاريات والمولدات وأنظمة التبريد، فضلاً عن الشبكات الكهربائية المتصلة بها.

ويرى نادر طحان، مدير تسويق المنتجات في قطاع حلول توزيع الكهرباء لدى ABB، أن التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها «أزمة» قد يعطي انطباعاً غير دقيق، موضحاً أنها في الأساس مشكلة هندسية مفهومة ويمكن تصميم حلولها مسبقاً.

وأوضح أن أحمال تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي لا تستهلك الطاقة بصورة مستقرة، وإنما تشهد ارتفاعات وانخفاضات حادة خلال فترات زمنية قصيرة للغاية، الأمر الذي يضع المعدات التقليدية المصممة للتعامل مع الأحمال المستقرة أمام تحديات إضافية.

وتشهد منطقة الخليج في الوقت نفسه توسعاً كبيراً في إنشاء مراكز البيانات، وسط توقعات بارتفاع الطلب على الطاقة اللازمة لتشغيلها خلال السنوات المقبلة. وفي الإمارات، يرتبط هذا النمو بمشروعات ضخمة، من بينها مشروع «ستارغيت» في أبوظبي، الذي تطوره «مايكروسوفت» و«G42».

ومع إنشاء مراكز بيانات بهذا الحجم، تتحول المنشأة من مجرد مبنى يضم خوادم إلى حمل كهربائي ضخم يمكن أن يقترب تأثيره من استهلاك مدينة صغيرة، ما يجعل جودة الطاقة واستقرارها جزءاً أساسياً من تصميم البنية التحتية.

وأكد طحان أن زيادة إنتاج الكهرباء وحدها لا تمثل الحل، مشيراً إلى أهمية تحسين جودة الطاقة، وتصميم أنظمة الحماية والتحكم والفصل الكهربائي بحيث تتمكن من التعامل مع التقلبات قبل انتقال آثارها إلى الخوادم أو الشبكة العامة.

وتشمل الحلول المتاحة المفاتيح الكهربائية الرقمية وأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات على نطاق الشبكة، التي تستطيع مراقبة الاضطرابات والاستجابة لها بسرعة كبيرة، بما يساعد على امتصاص التقلبات وتحسين استقرار منظومة الطاقة.

وتكمن الميزة الرئيسية لدول الخليج، وفق رؤية ABB، في توقيت بناء بنيتها التحتية الرقمية. ففي الأسواق التي تعتمد على شبكات ومرافق قديمة، يتطلب إدخال تقنيات تثبيت الأحمال تعديلات معقدة على منشآت قائمة، بينما تستطيع دول الخليج إدماج هذه الحلول منذ مرحلة التصميم.

وبذلك، لا تبدو تقلبات استهلاك الطاقة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في الخليج أزمة مستقبليّة بقدر ما تمثل مواصفة هندسية جديدة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تصميم مراكز البيانات وشبكات الكهرباء.

ووفق هذه الرؤية، لا يملك الخليج فقط فرصة لمواكبة طفرة الذكاء الاصطناعي، بل فرصة لبناء بنية تحتية كهربائية مصممة منذ البداية للتعامل مع متطلباتها.