رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، لا تزال أسعار الذهب والفضة تتعرض لضغوط هبوطية، في تحول يخالف النمط التقليدي الذي يدعم المعادن الثمينة باعتبارها ملاذاً آمناً خلال الأزمات. وانخفض الذهب بنحو 29 % عن أعلى مستوياته السنوية، فيما تراجعت الفضة بنحو 50 %.

ويعكس هذا الأداء هيمنة العوامل الاقتصادية الكلية على حركة الأسواق، مع استمرار قوة الدولار الأمريكي فوق مستوى 100 نقطة، وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ما عزز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي يقلص جاذبية الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب والفضة.

كما تعكس المراكز التي يتخذها المتداولون الواقع نفسه، فبحسب بيانات عملاء FOREX.com، يحتفظ نحو 70 % من المتداولين بمراكز شراء على الذهب، مقارنة بـ30 % فقط من المتداولين الذين يتخذون مراكز بيع. ويشير ذلك إلى أن المستثمرين الأفراد ما زالوا يتوقعون تعافياً محتملاً للأسعار رغم بقائها دون مستويات المقاومة الرئيسية. وفي الوقت نفسه، يشهد نشاط التداول تراجعاً تدريجياً منذ شهر أبريل، ما يعكس التباطؤ الموسمي الذي عادة ما نشهده في الصيف، وعلامات الإرهاق في الأسواق بعد فترة من التراجع المستمر. ولكن على الرغم من هذا الضعف على المدى القصير، بدأت تظهر بعض الدلائل إلى دور أكثر تأثيراً في الفترة المقبلة.

ومن منظور تقني على المدى الطويل، يقترب كل من الذهب والفضة من مناطق سعرية عادة ما تعتبر نقاط تحول رئيسية لاتجاه الأسواق، وليس فقط مستويات الدعم الاعتيادية، فالذهب لا يزال يتبع خط اتجاه صعودي يمتد منذ عشر سنوات، أي منذ عام 2016، بينما تقترب الفضة من منطقة سعرية لعبت دور مستوى مقاومة مهماً بين 1980 و2024.

وقالت رزان هلال، خبيرة تحليل الأسواق المعتمدة في FOREX.com: «تدخل الأسواق مرحلة محورية لا تقل فيها الإشارات الهيكلية على المدى الطويل أهمية من العوامل الاقتصادية الكلية على المدى القصير. وعلى الرغم من العوامل التي تشكل ضغوطاً قصيرة المدى على المعادن الثمينة مثل قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزينة، فإن المستويات التي يتم اختبارها حالياً حصلت تاريخياً بالتزامن مع فترات من التجميع والانعكاسات في اتجاهات الأسواق. يجب على المستثمرين إذن أن يستعدوا لاستمرار التقلبات، وأن يفهموا الدور الذي تلعبه هذه المناطق السعرية في رسم ملامح الدورة المقبلة على المدى الطويل».

مع ذلك، لم تتلاشَ مخاطر الهبوط حتى الآن، فإذا خرق الذهب مستوى 3930 دولاراً، فقد يفتح ذلك المجال للتراجع نحو منطقة 3500 - 3400 دولار، حيث يتقاطع مستوى تصحيح فيبوناتشي 38.2 % للاتجاه الصعودي الحاصل بين عامي 1920 و2026 مع فترة التماسك الممتدة على خمسة أشهر خلال 2025. وبالنسبة للفضة، فإن الهبوط دون مستوى 54 دولاراً قد يوجّه الانتباه إلى منطقة الدعم الممتدة بين 46 و50 دولاراً، وقد يحدد ذلك طبيعة المرحلة المقبلة التي قد تشهد عودة المشترين إلى السوق.

في المقابل، فإن مرونة الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة والسياسات النقدية، إلى جانب التوصل إلى حل مستدام للتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، قد توفر البيئة الاقتصادية اللازمة لانطلاق موجة صعودية جديدة. من الناحية الفنية، فإن استقرار الذهب فوق مستوى 4400 دولار والفضة فوق 71 دولاراً قد يعزز احتمال العودة إلى المستويات القياسية.

حالياً، لا تزال التوقعات متوازية، ويرجَّح أن تحدد الأشهر المقبلة ما إذا كانت مستويات الدعم التاريخية الحالية ستمهّد لانطلاق موجة صعودية جديدة للمعادن الثمينة، أو إذا كانت مجرد محطة أخرى في اتجاه تصحيحي.