بعد مرور أكثر من شهر بقليل على وصولها إلى مستوى قياسي، محت «بتكوين» المكاسب التي تجاوزت 30% منذ بداية العام، مع تلاشي الحماسة تجاه الموقف المؤيد للعملات المشفرة من قبل إدارة دونالد ترامب.
هبطت العملة الرقمية الأكبر إلى ما دون 93714 دولاراً أمس الأحد، ما دفع السعر إلى مستوى أقل من الإغلاق المسجل في نهاية العام الماضي، عندما كانت الأسواق المالية تشهد ارتفاعاً بعد فوز الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات.
وكانت «بتكوين» قد قفزت إلى مستوى قياسي بلغ 126251 دولاراً في السادس من أكتوبر، قبل أن تبدأ بالتراجع بعد أربعة أيام فقط، إثر تعليقات مفاجئة لترامب حول الرسوم الجمركية، ما دفع الأسواق العالمية إلى حالة من الاضطراب.
قلصت العملة خسائرها لتتداول عند 95608 دولارات في آخر 24 ساعة في سنغافورة.
وقال ماثيو هوغان، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «بيتوايز أسيت مانجمنت» في سان فرانسيسكو: «السوق عموماً في حالة عزوف عن المخاطر. العملات المشفرة كانت بمثابة جرس الإنذار، وكانت أول من تراجع».
وبلغت القيمة السوقية للعملة نحو 1.89 تريليون دولار، وتجاوزت التداولات عليها 75 مليار دولار خلال 24 ساعة.
وانخفض سعر عملة بيتكوين بنحو 25% عن أعلى سعر سجلته على الإطلاق عند 126.198 ألف دولار في 6 أكتوبر الماضي، وفق بيانات «كوين ماركت كاب».
وتواجه بتكوين صعوبة في العودة فوق حاجز 100 ألف دولار النفسي المهم، ما أثار المخاوف من احتمال دخول سوق العملات الرقمية في شتاء رقمي جديد.
فيما انخفضت إيثريوم بنسبة 0.72% عند سعر 3169 دولاراً، وبلغت قيمتها السوقية 382.94 مليار دولار.
عمقت حالة عدم اليقين الناتجة عن طول فترة إغلاق الحكومة الأمريكية في التأثير على معنويات المستثمرين، وهو ما زاد من توجه الأسواق نحو الحذر. ومع إعادة فتح الحكومة، قد تتوفر السيولة مجدداً وتعود للأسواق المالية، كما ستبدأ البيانات الاقتصادية المهمة بالتدفق، وهو ما قد يساعد على تغيير اتجاه السوق لصالح بتكوين.
ومن جهة أخرى، يظل عامل سعر الفائدة مؤثراً على أسواق العملات المشفرة. فالاحتياطي الفيدرالي أصبح أقل ميلاً لتخفيض أسعار الفائدة في ديسمبر المقبل، وفقاً لمجموعة CME، التي تضع احتمال التخفيض عند 55% تقريباً. وتعتبر تخفيضات الفائدة محفزاً قوياً للاستثمار في الأصول عالية المخاطر، بما في ذلك العملات الرقمية، وفقاً لمنصة The Motley Fool الأمريكية.
تراجع المشترين الكبار يضغط على السوق
خلال الشهر الماضي، انسحب العديد من كبار المشترين، من مخصصي صناديق المؤشرات إلى الشركات التي تصنف مخزنة للعملة، بهدوء، ما حرم السوق من تدفقات الدعم التي ساعدت على دفع العملة إلى مستويات قياسية في وقت سابق من هذا العام. وفي الوقت ذاته، أدى تباطؤ أسهم التكنولوجيا ذات الارتفاعات الكبيرة إلى تراجع شهية المخاطرة بشكل عام.
على مدى العام، شكلت المؤسسات العمود الفقري لشرعية «بتكوين» وسعرها. فقد استقطبت صناديق المؤشرات المتداولة أكثر من 25 مليار دولار، وفقاً لبيانات «بلومبرغ»، لتصل أصولها إلى نحو 169 مليار دولار.
وساعدت التدفقات المستقرة على إعادة صياغة العملة باعتبارها أداة لتنويع المحافظ، ووسيلة للتحوط ضد التضخم وتآكل العملة والفوضى السياسية. إلا أن هذه الرواية، التي كانت هشة دائماً، تتفكك من جديد، ما يعرض السوق لأمر أكثر هدوءاً ولكن لا يقل إرباكاً، وهو الانفصال عن هذه الرواية.
وقال جيك كينيس، كبير المحللين في «نانسن»: «إن موجة البيع هي نتاج اجتماع بين جني الأرباح من قبل أصحاب المراكز الطويلة، وتراجع التدفقات المؤسسية، والضبابية الاقتصادية الكلية، وتصفيات المراكز الممولة بالديون. ما هو واضح أن السوق اختارت اتجاهاً هبوطياً مؤقتاً بعد فترة طويلة من الاستقرار».
الضغوط تتصاعد على الشركات المرتبطة بـ«بتكوين»
أبرز الأمثلة على توقف عمليات الشراء في مجتمع الأصول الرقمية يأتي من شركة «ستراتيجي» التابعة لمايكل سايلور، وهي شركة برمجيات تحولت إلى مستثمر ضخم في «بتكوين».
فبعد أن كانت نموذجاً للشركات التي تضخ أموال السندات في العملات المشفرة، أصبح سهم الشركة الآن يقترب من مستوى التكافؤ مع قيمة حيازتها من «بتكوين»، وهو مؤشر على أن المستثمرين لم يعودوا مستعدين لدفع علاوة مقابل نموذج الشراء الممول بالديون الذي يتبعه سايلور.
وتعد دورات الازدهار والانهيار سمة دائمة منذ دخول بتكوين إلى الوعي العام بعد ارتفاعها الذي تجاوز 13000% في عام 2017، قبل أن تتبع ذلك بانخفاض يقارب 75% في العام التالي.
وقال هوغان، الذي يرى في التراجع الحالي فرصة للشراء: «المعنويات لدى مستثمري التجزئة في العملات المشفرة سلبية للغاية. فهم لا يريدون أن يعيشوا تراجعاً آخر بنسبة 50%. الناس يسبقون ذلك بالخروج من السوق».
ضربة نفسية للمستثمرين الكبار
تمثل بتكوين نحو 60% من القيمة السوقية لقطاع العملات المشفرة البالغة 3.2 تريليونات دولار، وقد أرهقت المستثمرين طوال العام عبر تقلبات حادة، إذ هبطت إلى 74400 دولار في أبريل بعد إعلان ترامب عن رسوم جمركية، قبل أن ترتفع إلى مستويات قياسية ثم تتراجع مجدداً. وكانت إحدى الصدمات الأخيرة إعلاناً مفاجئاً من ترامب عن رسوم، أدى إلى تصفيات قياسية في 10 أكتوبر.
ومنذ ذلك الحين، عانت سوق العملات المشفرة من صعوبة في التعافي. وقال كريس ويستون، رئيس الأبحاث في «بيبرستون غروب»: إن «الضرر النفسي الذي تعرض له المتداولون في ذلك الانهيار يمنع اللاعبين الكبار من العودة، وسيستغرق الأمر وقتاً ودفعاً متواصلاً للصعود كي يتجاوز الكثيرون هذه التجربة».
تأثير أشد على العملات الأصغر
كان التراجع في السوق أشد وطأة على العملات الأصغر والأقل سيولة، التي يميل المتداولون للتوجه نحوها بسبب تقلبها الأعلى وأدائها القوي عادة خلال موجات الصعود. فقد انخفض مؤشر «ماركت فيكتور» الذي يتتبع النصف الأدنى من أكبر 100 أصل رقمي بنحو 60% هذا العام.
وقال كريس نيوهاوس، مدير الأبحاث في «إيرغونيا»، وهي شركة متخصصة في التمويل اللامركزي: «الأسواق دائماً ما تشهد مداً وجزراً، وتقلبات السوق في عالم الكريبتو ليست جديدة».
لكن «بين الأصدقاء ومحادثات تيليغرام والمؤتمرات، فإن الانطباع العام الذي ألمسه يكشف عن تشكك واسع تجاه ضخ رأس المال، وغياب محفزات صعود طبيعية».
