رسمت منظمة الشفافية الدولية صورة قاتمة عن أوضاع الفساد في العالم. وقالت المنظمة في تقرير أصدرته أول من أمس الخميس وتضمن مسحاً لآراء شرائح واسعة من الخبراء إن الدنمارك ونيوزلندا وسنغافورة وفنلندا والسويد هي الدول الأقل فساداً في العالم فيما سجلت الإمارات وقطر مستويات متقدمة للغاية في معايير احترام الشفافية الأمر الذي مكنهما من احتلال مواقع عليا في مؤشر الشفافية العالمي. وفي الجانب الآخر ضمت فئة الدول الأكثر فساداً السودان والعراق والصومال وأفغانستان وتشاد إضافة إلى 6 دول أخرى. ومن ضمن 178 دولة شملها المؤشر حصلت 132 دولة على أقل من 5 درجات فيما حصلت 46 دولة فقط على أعلى من 5 درجات.
تنامي مخيف
وقالت المنظمة الدولية إن الناس تعتقد أن الفساد تفاقم على مدار السنوات الثلاثة الماضية بحسب مسحها للآراء العامة على مستوى العالم. وأشارت إلى أن مسحها الذي شمل أكثر من واحد وتسعين ألف شخص في ست وثمانين دولة ومنطقة يظهر أن ربع المشاركين قالوا إنهم اضطروا لدفع رشاوى لمؤسسات. وكانت الآراء حول اتجاهات الفساد أكثر سلبية في أميركا الشمالية وأوروبا حيث أعرب 73 بالمائة و67 بالمائة من أبناء المنطقتين على التوالي عن اعتقادهم بأن الفساد زاد على مدار السنوات الثلاث الماضية.
لكن خمسة في المائة فقط في بلدان الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالة ذكروا أنهم اضطروا لدفع رشاوى بينما ذكر أكثر من خمسين بالمائة في الدول الأفريقية جنوب الصحراء أنهم أقدموا على ذلك. ووفقا للاستطلاع الذي شمل أكثر من 91 ألف شخص في 86 دولة تتدفق غالبية أموال الرشاوى في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث ذكر أكثر من 50% من الذين شملهم الاستطلاع هناك أنهم دفعوا رشاوى خلال عام 2010. ويأتي في المرتبة الثانية منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث تحدث ثلث الذين شملهم الاستطلاع في المنطقة عن دفعهم رشاوى خلال العام الجاري.
وأظهر الاستطلاع الذي نشر بالعاصمة الألمانية برلين بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد أن 25% من الذين شملهم الاستطلاع دفعوا وفقا لما ذكروه رشاوى لهيئات أو موظفين خلال الاثنى عشر شهرا الماضية. وقال نحو 50% من الذين دفعوا رشاوى أنهم قاموا بذلك بهدف حل مشكلات في حين علل 25% منهم ذلك بالرغبة في الاسراع بإجراءات أو قرارات. وتحدث الذين شملهم الاستطلاع عن رشاوى تم دفعها في المصالح الضريبية والهيئات الصحية والشرطة.
تحليل نوعي
وفي غضون ذلك، ذكر تقرير لبي بي سي ان العالم اصبح يتحدث اكثر عن هذه المشكلة. فقد ذكر واحد من كل 5 استطلعت بي بي سي آراؤهم انه تحدث عن المشكلة مع آخرين لتصبح بذلك اول مشكلة يجرى التحدث عنها قبل التغير المناخي والفقر والبطالة وارتفاع اسعار الغذاء والوقود. وفي تقرير منظمة الشفافية اعتبرت الاحزاب السياسية اكثر المؤسسات فسادا ويعتقد 50 بالمئة من الناس ان حكوماتهم غير فعالة في معالجة المشكلة. وقال واحد من كل 4 شملهم الاستطلاع انه دفع رشوة في العالم الماضي.
وجاءت الشرطة على رأس قائمة المتلقين للرشى. فقد جاءت 29 بالمئة من الرشى للشرطة و20 بالمئة لجهات المعنية بالتسجيل التصاريح و14 بالمئة لجهات قضائية. واعتبرت الاحزاب هي اكثر المؤسسات فسادا وكانت على رأس القائمة في تقرير عام 2004 بنسبة 71 بالمئة وفي تقرير العام الحالي بلغت النسبة 80 بالمئة. وارتفعت نسبة من يرى انتشار الفساد في المؤسسات الدينية الى 53 بالمئة بالمقارنة بـ 28 بالمئة في عام 2004.
وذكر التقرير ان شعوب افغانستان ونيجيريا والعراق والهند من بين اكثر الشعوب التي تعيش الفساد في حياتها اليومية. فقد ذكر اكثر من 50 بالمئة ممن استطلعت آراؤهم في هذه البلدان انهم دفعوا رشى في العام الماضي. وجاء الشعب الليبيري كاكثر الشعوب ميلا لدفع الرشى بنسبة 89 بالمئة يليه الشعب الكمبودي بنسبة 84 بالمئة. وقد أعرب ربون هودس، مدير السياسات والبحوث في منظمة الشفافية الدولية، عن القلق من ارتفاع معدلات الرشاوى. ووفقا للمناطق، فان دول جنوب الصحراء الكبرى هي الكثر استعدادا لدفع الرشى بنسبة 56 بالمئة. واقل المناطق التي تنتشر بها الرشى هي اوروبا واميركا الشمالية بنسبة 5 بالمئة لكل منهما.
أجهزة الرقابة
ويعول الكثير من الخبراء على وسائل الإعلام في كشف معدلات الفساد والمساعدة على وقف هذه الظاهرة الخطيرة. وإضافة إلى وسائل الإعلام أبدى الذين شملهم استطلاع منظمة الشفافية الدولية ثقتهم في قدرة مؤسسات أخرى في الحد من الظاهرة.
ومن المؤسسات التى أبدى المستطلعون ثقتهم فى قدرتها على مكافحة الفساد، وهو السؤال الذى طرحته منظمة الشفافية الدولية لأول مرة فى استطلاعها السنوى، فقد حظيت مؤسسات الإعلام بالنسبة الأكبر من ثقة الناس على مستوى العالم بنسبة 25% تليها القيادات الحكومية بنسبة 22%، بينما تقل الثقة فى قدرة مؤسسات الإعلام على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتقتصر نسبتها على 21%، فيما أبدى 28% من المستطلعين ثقتهم فى القيادات الحكومية، وقال 29% إنهم لا يثقون فى أى مؤسسة.
وينحى المحللون باللائمة على الازمة الاقتصادية العالمية في ارتفاع معدلات الرشى وتراجع ثقة الناس في الحكومات والبنوك والمؤسسات المالية. ومن بين الاسئلة التي وجهت لمن شملهم الاستطلاع ما هي اكثر القضايا خطورة. وجاء الفساد ثاني اخطر قضية بعد الفقر. واعتبر المستطلع اراؤهم في البرازيل ومصر وكولومبيا والفلبين وكينيا ان الفساد قضية خطيرة للغاية.
وفي اوروبا، كان الايطاليون الاكثر قلقا ازاء الرشوة. وتنشر منظمة الشفافية منذ عام 1995 مؤشرا سنوياً للفساد بناء على تصنيف 180 دولة في العالم وفقا لتحليل مجموعة دولية من رجال الأعمال والخبراء والجامعيين. ويأتي التصنيف ضمن مؤشر تنازلي من عشر نقاط ليعطي صورة عن مدى الشفافية ومحاربة الفساد في دول العالم. ويتم تصنيف الدول بدرجات تتراوح بين صفر و 10 بحيث يشير حصول دولة ما على 10 درجات إلى سلامة البلد وخلوها من الفساد بينما يشير الحصول على درجة منخفضة إلى تفشي الفساد والرشاوى والمحسوبية بشكل كبير في البلد صاحب تلك المرتبة.
أسباب الآفة
وطبقا لتقرير المنظمة الأخير فإن نحو 75% من البلدان وفي طليعتها الدول التي تشهد حروبا بين الدول التي يتفشى فيها الفساد ويتراوح المؤشر الذي وضع استنادا إلى استطلاعات شملت رجال أعمال وأخصائيين، بين 10 لدولة تصنف بأنها نظيفة وصفر للدولة التي يتفشى فيها الفساد.
وأشارت المنظمة في تقريرها أنها تعتمد في وضع التقرير على التصورات نظرا لأن معظم الفساد يتم في الخفاء وبالتالي يصعب قياسه والتي تستمدها من 3 مصادر على الأقل مشيرة إلى أن تقريرها لسنة 2010 يعتمد على 13 مصدرا من 10 مؤسسات منها بنك التنمية الأفريقي والآسيوي والبنك الدولي و فريدم هاوس وغيرها من مؤسسات تهتم بقياس مدى الفساد في القطاع العام والسياسي.
الفساد يخرّب الأسواق ويعيق النمو الاقتصادي
أكد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن الفساد يخرب الأسواق ويعيق النمو الاقتصادي ويهدد الديمقراطية والتنمية والاستقرار ويتسبب في تدهور الخدمات العامة والثقة بالمسؤولين. وقال بان في رسالة بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة الفساد إن الفساد هو بمثابة نفقات عامة خفية ترفع الأسعار وتؤدي إلى تدهور النوعية من دون أي فائدة تعود على المنتجين أو المستهلكين لذا فإن منع الفساد له جدواه من الناحية التجارية. ودعا قادة الأعمال في جميع أنحاء العالم إلى أن ينددوا بالفساد ويدعموا أقوالهم بأفعال تحظره بشكل صارم مثل وضع ضوابط لتعزيز النزاهة والشفافية وتدابير تحظر الفساد بالكامل بما يتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
كما حث الشركات على العمل بشكل أوثق مع الأمم المتحدة في هذا المجال والانضمام إلى اتفاق الأمم المتحدة العالمي الذي يشكل أكبر مبادرة عالمية في مجال استدامة الشركات. وقال بان: أصبح المستثمرون لا يراعون في اتخاذ قراراتهم الاعتبارات البيئية والاجتماعية والإدارية فحسب بل أيضاً الأداء الأخلاقي السليم.
وأشار إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد قد ساعدت القطاع العام على إحراز تقدم في مجال الردع عن ارتكاب هذه الجرائم. وقال بان إن الأمم المتحدة تعمل أيضاً على مكافحة الفساد في أنشطتها بما في ذلك عمليات الشراء من خلال ضمان المساءلة الفردية والتعاون مع المسؤولين عن تنفيذ القانون والتحقيق في حالات الفساد. وقال الأمين العام: دعونا بمناسبة هذا اليوم الدولي لمكافحة الفساد توطيد الممارسات الأخلاقية والحفاظ على الثقة وضمان عدم تحول وجهة الموارد اللازمة لعملنا من أجل التنمية والسلام.
ومن جانبه أكد يوري فيدوتوف المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لمنع الجريمة ومكافحة المخدرات، في رسالته بالمناسبة على ضرورة استغلال القطاع الخاص لاتفاقية مكافحة الفساد. وقال إن القطاع الخاص يلعب دورا هاما في تعزيز التنمية، إلا أنه ما زال متخلفاً عن القطاع العام في جهوده الرامية إلى وقف الفساد مشيراً إلى أنه وخلال العام الماضي قامت العديد من الدول بتعزيز قوانين مكافحة الفساد ومحاكمة بعض الشركات الكبيرة إلاّ أن معظم هذه القضايا انتهت بإبرام اتفاقات للخروج من المشكلة.
وأظهر استطلاع جديد للرأي أن الفساد يمثل أكبر مشكلة عالمية تجري مناقشتها بصورة منتظمة، وتقدم على مشاكل الإرهاب وتغير المناخ والجوع والبطالة وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة. ووجد الاستطلاع، الذي أجرته مؤسسة غلوب سكان وشمل 13353 شخصاً من 26 بلداً أن 21% من هؤلاء ناقشوا الفساد والجشع مع الأصدقاء والعائلة خلال الشهر الماضي.
وأضاف أن الفساد أصبح أكبر مشكلة عالمية مطروحة للنقاش وتقدم على تغير المناخ والذي ناقشه 20% من المشاركين، والفقر المدقع والجوع (18%)، والبطالة (16%)، وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة 15%. وقال إن الفساد، فضلاً عن كونه أكبر موضوع خضع للنقاش، صُنّف أيضاً من قبل 69% من المشاركين على أنه المشكلة الثانية الأكثر خطورة من بين 14 مشكلة عالمية، بعد الفقر المدقع والذي صنّفه 69% منهم على أنه المشكلة الأولى الأكثر خطورة.
وأضاف الاستطلاع أن معظم المشاركين في جميع البلدان الستة والعشرين باستثناء أربعة ،صنّفوا الفساد كمشكلة خطيرة للغاية، وجاء البرازيليون في مقدمتهم بـ 96%، تلاهم المصريون (91%)، ثم الفلبينيون (87%)، فالكينيون (86%). ووجد أيضاً أن الفساد شكّل أيضاً واحدة من بين القضايا الأكثر خطورة في الصين (73%)، وفي الولايات المتحدة (68%)، وفي روسيا (67%)، وفي الهند (66%)، فيما كان الايطاليون الأكثر قلقاً إزاء الفساد في أوروبا (72%). وأشار الاستطلاع إلى أن التلوث البيئي حل في المرتبة الثانية بعد الفساد كأخطر مشكلة مقبلة وناقشه 64% من المشاركين في الدول الست والعشرين، تلاه الإرهاب في المرتبة الثالثة (61%)، ثم انتهاكات حقوق الإنسان وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة (59%)
متابعة- كمال عبدالرحمن