قال الشيخ: نحن في روضة معرفة ذي الكمالات التي لا تحد، ذي الجلال والجمال، ذي الفضل على كل من خلق وأوجد، المعطي الممد على امتداد الزمن بدون توقف، الحي القيوم وراء كل حدث وحركة وعلاقة في الكون، لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد.
ومن يعرف الله حق المعرفة لا ينطق إلا به أو بما يرضيه، ولا يعمل إلا من أجله وفي سبيله، ولا يطلب إلا منه، فهو مالك الملك، وكل من عداه وسائط لا تقدم ولا تؤخر، وإذا رغب فيه وإليه يرغب، ومن ينل حظه منه يسعد سعادة الدارين.
فإن قال قائل: قد عرفنا الله حق المعرفة، قلنا: هذه دعوى، ولكل دعوى بينة، وبينة معرفة الله عز وجل إنما تكون بأربع علامات:
ذكر المنة، وصدق الهمة، وعرفان الحرمة، وخوف الفرقة. ذلك أن من عرف الله رآه في عطائه وكرمه وراء كل نعمة يرفل بها، وعطاؤه والله يخرس الألسنة، اذ كيف يشكر ذو العطاء الذي لا ينقطع، وكيف يحمد ويثني على من لم يحط أحد بالثناء عليه، حتى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ذي المقام الراسخ في معرفة ربه كان يقول: «لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».
ومن عرف الله تعالى وعاين عطاءه ملأ قلبه الفرح والغبطة على ما أنعم به عليه، وتلك والله حال يحسد العارف عليها، ولعل من أكثر ما يستحق الفرح هو توفيق المولى عز وجل للعبد لمعرفته وعبادته والثناء عليه، فإن وفقت لصدقة أو لركعة في سواد الليل أو لقضاء حاجة عبد من عباد الله فافرح الفرح الحقيقي الذي لا يماثله فرح، ذلك أن هذا من علامات رضا الله ومحبته لك، فما من منة أعظم من منة أن جعلك من الساعين إليه، القاصدين إلى مرضاته.
وصدق الهمة، حيث لا يتصور الخمول عند من عرف ربه وعطاياه في الدنيا والآخرة، وما شهدنا محبا يكسل عن لقاء محبوبه والسعي في مراضيه، فكيف بمن كمل في ذاته وصفاته وأسمائه حتى لا يتصور أن يحب أحد مثله، وفوق كل هذا اصطفاك لمحبته ولم يضلك عن طريق هدايته، فكان سبباً في أن تحظى بسعادة الدارين.
وعرفان الحرمة، إذ إن حمى الله محارمه، ولله غيرة على عبده وقلبه، فإن لم يقف عند حدود الله هياباً ما عرفه حق المعرفة، وما حرم الله عز وجل الا كل خبيث دنيئ لا يصلح لمن سكن حب مولاه في قلبه أن يتعلق به أو يقبل عليه، والحق سبحانه وتعالى أوعد من لم يقدر حرمته بالقطيعة والعذاب، ومن عرف الله حق المعرفة لم تهن عليه قطيعته، ولا يمكن أن يحتمل عذابه.
وخوف الفرقة، إذ من حاز على شرف الصلة بالله وحلاوتها لا يمكن إلا أن يخشى الفرقة والانقطاع، وهذه خشية خلاقة لا تؤدي إلا إلى خير، اذ عنها ينجم الحرص على عدم المخالفة أو التهاون أو الالتفات إلى ما يشغل عن الحق سبحانه وتعالى، ومن خاف الفرقة أمنها بإذن الله تعالى، ومن أمنها أوشك أن يقع فيها.
وقيل إن من بينات صحة الدعوى بالمعرفة أن ينظر إلى الدنيا بعين الاعتبار، والى الآخرة بعين الانتظار، وإلى النفس بعين الاحتقار، وإلى طاعته بعين الاعتذار، لا بعين الاستكثار، وإلى المعرفة بعين الاستبشار.
فالعارف لا يرى في الحوادث إلا حكمة الله عز وجل، فإن لم تبن له سلّم بالحكمة، وشكر على النعمة، وصبر على المصيبة، متيقنا أنه محفوف باللطف والحكمة، محاط بالحماية والرحمة.
وهو في شوق إلى لقاء خالقه، لا يهاب الموت إن كان على حسن خاتمة وإيمان، بل انه لا يرى في متاع الدنيا ما يستحق أن يؤجل-لو استطاع- لقاءه مع محبوبه، أما نفسه فلا يراها تستحق كل هذه العناية والحفاوة الربانية الرحمانية الرحيمية، فما أضأل خطواته إلى الله عزوجل مقابل إقبال الله عليه، وما أكثر عورات طاعته مهما زادت، فما في طاعته من خير هو من توفيق الله، وما فيها من عور من نفسه المخطئة المخلطة، فهو يتبع كل طاعة باستغفار.
مع كل ما سبق فإن العارف لا ييأس من رحمة الله، وإن رأى في نفسه التقصير والعيوب، ذلك أن من عرف الله حق المعرفة لا بد أنه سيطمع فيه، وهو معنى الاستبشار
ماهر سقا أميني