دبي - مجدي عبيد
تظهر خطتا إعادة هيكلة ديون شركتي موانئ دبي العالمية ونخيل حذقا وحنكة غير عاديين في إدارة جملة توازنات تبدو في ظاهرها ومضمونها أنها على درجة من الصعوبة والتعقيد. وجرى إخراج هاتين الخطتين على نحو يجعلهما يلبيان المصالح الجوهرية لأطراف متعددة ومتباينة بإرسائهما معادلات توازن تراعي حسابات وتقديرات لاتتعلق بالحاضر فحسب وإنما كذلك بما سيكون عليه الأمر في المستقبل، حيث صار بالإمكان احتساب كافة الأطراف ضمن فئة الرابحين فبقدر ماحققت الخطتان توازنا بين المصالح الاقتصادية لإمارة دبي ومصالح الدائنين فإنها وبنفس القدر حققت توازنا بين ضرورات الحاضر وآفاق المستقبل.
وتعد الخطتان بمثابة ترجمة عملية لسياسات إمارة دبي في إدارة الدين، حيث تكتسب هذه الإدارة معاني ودلالات تتجاوز مجرد التعامل الضيق مع مشكلة الديون بحصرها في دائرة الوفاء بالالتزامات والديون المستحقة بأن أصبحت تتعامل مع المشكلة من منطلق نظرة أكثر اتساعا، وهي تصحيح الاختلالات الهيكلية لتحقيق النمو المستدام الطويل الأجل. ويعكس هذا الإدراك العام بأهمية توظيف الأزمة المالية بأبعادها ومجالاتها المختلفة لجلب تغييرات هيكلية تكفل الحفاظ على حيوية نموذج دبي الاقتصادي بشكل مستدام ويعزز قدرتها على تحقيق طموحها التنموي ويوطد موقعها الريادي ودورها الفاعل في ساحة الاقتصاد العالمي، بحيث ينطبق المثال القائل رب ضارة نافعة بحذافيره على تجربة دبي في التصدي للأزمة المالية العالمية.
وتبرز الخطتان القناعة العامة بأن معالجة مشكلة المديونية ربما تشكل قاعدة لإعادة هيكلة شاملة للوضع الاقتصادي في إمارة دبي، وذلك في إطار خوضها لواحدة من أكبر التحديات الاقتصادية التي واجهتها على مدى عدة عقود وما يرافق ذلك عادة من خيارات صعبة ومؤلمة، حيث ضربت الأزمة المالية العالمية في كل مكان بلا رحمة وطالت دبي وهو أثر متوقع لاقتصاد يشبه اقتصاد دبي - اقتصاد حر ومنفتح ومتشابك ومتنوع وتنموي ومستدام. ولهذا تبلورت عناصر استراتيجية إدارة المديونية بناء على دراسة متأنية لمختلف الخيارات على المديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة، بحيث تكون صائبة وتنعكس ايجابيا على الإمارة .
النمو المستدام
يبرز الحفاظ على مصالح دبي الاقتصادية في الطرف الأول من معادلة التوازنات التي أرستها خطتا إعادة هيكلة موانئ دبي العالمية ونخيل. وتطل هنا الأولوية القصوى التي تعطيها الحكومة للحفاظ على سيولة الأسواق المالية، بحيث لا يمثل دفع المستحقات للجهات الدائنة سببا إضافيا لتشدد سيولة الأسواق المالية وهو ما يظهر جليا في خطة إعادة هيكلة شركة نخيل، حيث تتضمن الخطة إعادة جدولة ديون الشركة مع البنوك الدائنة في مقابل فوائد تجارية بينما ستعرض على بقية الدائنين الآخرين سداد ديونهم بشكل دفعات نقدية تسدد قريبا بالإضافة إلى سندات قابلة للتداول، وفي حال توفر الدعم الكافي لها المقترح فإن نخيل ستقوم بتسديد الصكوك المستحقة عن عامي 2010 و2011 في موعد استحقاقها ومن المقترح كذلك أن يتم تسديد 40% من قيمة المطالبات نقدا (استنادا إلى تقديرات القيمة المتفق عليها) وتسديد 60% من قيمة الأصول على شكل سندات قابلة للتداول في الأسواق استنادا إلى تقديرات القيمة الراهنة بسعر فائدة تجاري. وتعكس هذه المقترحات حقيقة أن شركة نخيل تعتبر شركة تشغيلية تمتلك قاعدة من العملاء والدائنين التجاريين. ومن شأن توفير هذه السيولة لمثل هذه القطاعات من الأعمال أن تمكنها من مواصلة عملها في تنفيذ المشروعات وهو ما يصب باتجاه دعم وتعزيز اقتصاد إمارة دبي وتدعيم سيولة الأسواق المالية.
وتبرز مصلحة اقتصادية أخرى لإمارة دبي وهي الربط بين إعادة الهيكلة وتحقيق النمو المستدام للشركات التي تواجه أوضاعا مالية صعبة، وهو ما يتجلى في خطتي إعادة هيكلة شركتي موانئ دبي العالمية ونخيل حيث تعتبر الشركتان من الشركات القيادية التي ينهض عليها اقتصاد إمارة دبي، وبالتالي تمثل هذه المقترحات خطوة حيوية لمستقبل نمو اقتصاد إمارة دبي، وذلك من زاوية تدعيم التعافي وتنشيط الحركة الاقتصادية وربما النجاح في عملية إعادة هيكلة هاتين الشركتين يمثل نهاية عمليات الهيكلة الضخمة بيد أنه يمثل البداية لإعادة هيكلة شركات أخرى أصغر وأقل حجما. وبالتالي تبرز أهمية أعطاء الأولية إلى تحقيق النجاح في إعادة هيكلة هاتين الشركتين.
ورغم أن شركة موانئ دبي العالمية تعطي أولوية كبيرة لضمان الإدارة الناجحة لاستراتيجية إعادة الهيكلة فإن نجاح عملية إعادة الهيكلة من شأنه أن يفتح الأفق على مصراعيه لجلب المزيد من التغيرات في المستقبل والتي تكفل تحقيق الأهداف الاستراتيجية العليا لعملية إعادة الهيكلة .
المقايضة بين الحاضر والمستقبل
تعكس خطتا إعادة هيكلة موانئ دبي العالمية ونخيل نوعا ما من المقايضة بين ما يحمله الأفق من بوادر ومؤشرات تدل علي التنامي المتواصل لقدرة إمارة دبي على تسديد التزاماتها في ظل تعاظم مواردها وإمكانيتها المالية من جانب، وبين التعامل الحصيف مع تحديات الحاضر من جانب آخر، وبالتالي برزت الخطتان كنوع من مقايضة المستقبل الواعد بالحاضر الحافل بالكثير من التحديات أي بعبارة أخرى تنطلق خطتا إعادة الهيكلة من مقومات القوة التي ينهض عليها اقتصاد إمارة دبي، فهي تعتبر واحدة من أكثر مراكز العالم أهمية في مجال الخدمات المالية والتجارية والنقل. كما تمتلك أصول بنى تحتية من الطراز العالمي تشمل المطارات والطرق والموانئ وشبكة المترو. ولعل هذا الأمر يتضح جليا في حقيقة أن عددا من الشركات القيادية في إمارة دبي قد حققت نموا في ربحيتها وعائداتها خلال عام 2009 وهو ما يبشر بتعاظم إمكانيات وموارد دبي خلال المستقبل، وذلك رغم ضراوة تأثيرات الأزمة المالية. لقد سجلت طيران الأمارات أرباحاً صافية بلغت 752 مليون درهم (205 ملايين دولار) خلال النصف الأول من العام المالي 2009- 2010 بزيادة 468 مليون درهم عن الفترة المماثلة العام الماضي ونسبة نمو 165% لتجتاز بذلك التحديات الناجمة عن الأزمة المالية العالمية.
بيانات إيجابية
وتشير بيانات طيران الإمارات إلى أنها ساهمت بنحو 24 مليار درهم في اقتصاد الإمارات خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية منها مساهمات مباشرة حجمها 10 مليارات درهم في حين تصل المساهمات غير المباشرة إلى 14 مليار درهم، وعلى المنوال نفسه أظهرت إحصاءات مجلس المطارات العالمي عن عام 2009 تربع دبي الدولي على قائمة أسرع مطارات العالم نمواً بأعداد المسافرين الدوليين، وهي القائمة التي تضم أكبر 30 مطاراً في العالم خلال 2009. كما أظهرت الإحصاءات احتلال مطار دبي الدولي المرتبة الثالثة بحجم الشحن الدولي والمرتبة السادسة على مستوى المسافرين الدوليين للعام نفسه.
وأفادت إحصاءات مؤسسة المطارات أن مطار دبي سجل نمواً قياسياً بحركة المسافرين والشحن في شهر فبراير الماضي مقارنة بالشهر المناظر من عام 2009 وأكدت هذه الأرقام القياسية التي سجلها المطار منذ بداية العام الجاري الأهمية الكبرى التي يتمتع بها على خريطة النقل الجوي العالمية. وبينت المؤسسة أن هذه الأرقام تبشر بتحقيق توقعات مؤسسة مطارات دبي بأن يتعامل دبي الدولي مع 46 مليون مسافر خلال عام 2010. كذلك شهد العامان الماضيان تحسنا ضخما في تنافسية دبي مكركز لمزاولة الأعمال، كما شهد العام الماضي زيادة في عدد سكان إمارة دبي بنسبة 6,7 % فوفقا لمركز دبي للإحصاء ارتفع عدد سكان دبي إلى 77,1 مليون من 65,1 مليون في نهاية عام 2008 وشهد الربع الأخير من 2009 نموا نسبته 8,1% مقارنة بالأشهر الثلاثة السابقة. وتخالف هذه الأرقام توقعات المحللين بانخفاض عدد السكان في عام 2009 كذلك سجلت هيئة كهرباء ومياه دبي زيادة قدرها 14% في عدد المشتركين خلال العام الماضي. وارتفاع عدد مستخدمي الهواتف المتحركة المشتركين في شركة الإمارات المتكاملة (دو) 40% في 2009 وسجلت الشركة نموا قدره 17% في عدد مشتركي الهواتف الثابتة. وأعلنت شركة اتصالات عن نمو قدره 6% في مستخدمي الهاتف الجوال في عام 2009 لكنها شهدت انخفاضا بمعدل 4% في مشتركي الخطوط الثابتة تماشيا مع الاتجاهات العالمية.
استكمال المشاريع
ويضاف إلى هذا الأداء المالي المتميز لبعض الشركات القيادية في الإمارة عاملا معززا آخر للثقة في القدرة المالية للإمارة، وهو تضمن خطة إعادة هيكلة شركة نخيل التأكيد على استكمال الكثير من المشروعات الإنشائية. وبالتالي يرصد المراقبون وجود إمكانية قوية لخفض النفقات الرأسمالية الحكومية في المستقبل، وذلك مع كتمال هذه المشروعات فضلا عن اتخاذ حكومة دبي التدابير لزيادة عائدات الخدمات التي تقوم بتقديمها ومن ثم يبشر الأفق بتعاظم الموارد المالية لإمارة دبي خصوصا مع عودة التعافي الاقتصادي واستعادة النمو المتوازن.
مصالح الجهات الدائنة
الطرف الآخر للمعادلة يتعلق أساسا بحصول الجهات الدائنة على مستحقاتها المالية. وحققت الخطتان لإعادة هيكلة موانئ دبي العالمية ونخيل هذه المصلحة الجوهرية للجهات الدائنة، حيث تتيح خطتا إعادة الهيكلة الى جانب حصول الجهات الدائنة على مستحقاتها المالية إمكانية لجوء أصحاب المصلحة إلى اللجنة القضائية الخاصة التي جرى تشكيلها في ديسمبر 2009. وجاء تشكيل هذه اللجنة من منطلق حرص حكومة دبي على حفظ حقوق دائني دبي العالمية والشركات التابعة لها وضمان حصول المؤسسات التمويلية على كامل حقوقها المالية. فهناك لجنة قضائية خاصة تتكون من السير أنطوني ايفينز رئيسا ومايكل هوا والسير جون شادويك عضوين. ويجوز زيادة عدد أعضاء اللجنة بمرسوم من الحاكم بناء على توصية رئيس اللجنة على ألا يزيد عددهم على خمسة أعضاء. وتختص اللجنة بالنظر والفصل في أي طلب أو إدعاء وبالتالي أرست اللجنة إطارا تنظيميا للفصل في المنازعات يتوافق مع أفضل المعايير الدولية الخاصة بالشفافية وحماية الدائنين وثمن المراقبون تشكيل هذه اللجنة بأنها توفر أسلوبا منضبطا في حماية الدائنين، وأعرب البعض عن اقتناعه بأن اللجنة ستقوم بمهامها ومسؤوليتها في معالجة مختلف القضايا على نحو كفؤ وفعال .
وهكذا جرى إخراج خطتي إعادة هيكلة ديون موانئ دبي العالمية ونخيل على نحو يحقق مصالح كافة الأطراف ذات الصلة وهو ما يكسبهما القدرة على التعامل مع المستجدات التي تطرأ في المستقبل الأمر الذي يشكل في حد ذاته سببا إضافيا لتعزيز ثقة المستثمرين والأسواق وذلك من خلال إرساء نهج في معالجة المستحقات والديون ينهض على أسلوب في الإدارة يحقق مبدأ استدامة الثقة على الأجل الطويل.
كنعان: دبي تتخطى امتحان الجهد بنجاح وتستعيد ثقة أسواق الاقراض
قال عميد كنعان المدير العام لشركة الجزيرة للخدمات المالية: مخطئ كل من راهن على سقوط تجربة ونموذج دبي، فقد أطلت علينا دبي ببيان أكد على بياض صفحتها في كل الميادين، ووجهت صفعة لكل من شكك بقدرة الدولة والإمارة على تخطي المطب الأكبر بنجاح.
ورغم حداثتها في التعامل مع هذه المشاكل الا أن الحل المرضي والوقت الذي استغرقته دبي للوصول الى مثل هذا الحل أثبت للعالم ولكل مشكك قدرة الإمارة على تقديم افضل الحلول التي تلبي اكثر مما توقعه الكثير من المحللين.
وأوضح أن كل التطورات التي رافقت إعادة الهيكلة او جبت على دبي الوقوف مع الذات ومراجعة كل ما هو بحاجة الى مراجعة. مشيرا الى انه ورغم التوصل الى حل أكثر من مرض، إلا أن الامور بحاجة لبعض الوقت للشعور بالاستقرار الاقتصادي والمالي.
وقال انه كان واضحا ان الامر اخذ اكثر من ما يستحق ولعل بعض وسائل الإعلام ساعدت على تضخيم الخبر لأجندات الجميع يعرفها. مؤكدا ان خبر إعادة الهيكلة في نوفمبر 2009 هوى بمؤشر سوق دبي المالي من منطقة 2200 الى 1600 نقطة والعدالة تحتم أن تبدأ الأسواق بالتعافي ابتداء من نفس النقطة.
وقال: قد ابدوا متفائلا؛ لكن المعادلة الحسابية توصلنا الى هذا الاستنتاج فقد اتضحت الرؤيا وتغيرت النظرة كليا.ولعل ابرز ما في البيان ضمانة حقوق البنوك الدائنة كما أن تحول الدعم الحكومي الى رأس مال يعتبر بمثابة الضمانة الاكبر للدائنين و الاشارة الابرز، ولكن لكي ابدو واقعيا اعلم أن الموضوع له تبعات و ان الأمر بحاجة لبعض الوقت لكنني واثق كما كنت دائما من تخطي الامارة لأية أزمات وعودتها الى الواجهة اقوى مما كانت عليه.
أبوظبي - ناصر عارف
الخطيب: المقترحات تعكس قدرة حكومة دبي
في السيطرة على الوضع المالي
قال محسن الخطيب المحلل المالي ان التاكيد على استمرار حكومة دبي في دعم الشركات التابعة لها وتعهد الحكومة بدعمألامقداره 5,9 مليارات دولارألاحتى الانتهاء من جدولة ديون دبي العالمية يعكس قدرة الحكومةألافي السيطرة ألاعلى الوضع المالي، وهي القضية التي طالما كانت محل تشكيك من قبل الصحف الصفراء إضافة الى السعي لإيجاد حلول عادلة ومرضية لجميع الأطراف.
وأوضح: انعكس الإعلان ايجابيا على أسواق الأسهم، حيث استقبلت هذه الأسواق تدفقات كبيرة من السيولة الأمر الذي دفع بها لتسجيل مكاسب جيدة جدا وهي تعكس تعزيزألاالثقة بالأسواق الإماراتية و الاقتصاد الإماراتي و اقتصاد دبي على وجه الخصوص، الذي أظهر قدرته ومنعته في وجه الأزمات و بدأ يؤشر لتعاف قوي من تداعيات الأزمة.
والنقطة المهمة الأخرى ألاهي تحويل أموال الدعم السابق الذي قدمته الحكومة الى رأسمال وهو برأيي ألايبرز سعي الحكومة لتخفيف الأعباء عنألاالشركات من خلال زيادة حصتها في رأسمالها و طبعا يدعم و يسرع خروج الشركات من أزمتها المالية. وفي المجمل عكس البيان التزام حكومة دبي بإيجاد أفضل الحلول لتسوية المديونية، واضح أن الأسواق تقبلت هذا البيان وتفاعلت معه بشكل ايجابي جدا. أبوظبي - «البيان»