أكدت وزارة التجارة الخارجية ان اتفاقيات منظمة التجارة العالمية لا تتضمن اية احكام او آليات تفرض بموجبها على الدول الاعضاء احترام او كفالة معايير معينة، فيما يتعلق بمسائل العمل بما فيها السماح بتاسيس النقابات.
واوضحت الوزارة ان الدول المتقدمة وكنتيجة لفشلها في إدراج موضوع معايير العمل في اجندة المفاوضات لمنظمة التجارة العالمية بفعل المعارضة الشديدة للدول النامية تتوجه في الوقت الحالي الى فرضه في مفاوضات التجارة الحرة التي تجريها مع عدد من الدول والتجمعات الاقتصادية.
وفيما يتعلق بمدى الزام المنظمة الدول الأعضاء بتوفير وحماية حقوق الإنسان ذكرت الوزارة في تقرير اصدرته تحت عنوان «الامارات ومنظمة التجارة العالمية» الى ان ديباجة اتفاق مراكش المنشيء لمنظمة التجارة العالمية تشير إلى أن الهدف الرئيس الذي تسعى إليه الدول الأعضاء من التوقيع على اتفاقيات منظمة التجارة العالمية.
هو الرفع من المستوى المعيشي للأفراد وضمان الشغل والزيادة في الدخل الفردي من جهة، ومن جهة أخرى الحصول على حصة في النمو الذي ستحققه التجارة العالمية نتيجة تحرير وفتح الأسواق الوطنية، وذلك بما يتوافق مع أهداف التنمية الاقتصادية لكل دولة عضو.
إن الفلسفة التي تحدد هذه الأهداف العامة هي نفسها التي تؤسس لثقافة حقوق الإنسان والديموقراطية.
على هذا الأساس يمكن القول ان اتفاقيات منظمة التجارة العالمية تقوم بالترويج للحقوق الاقتصادية للشعوب والدول ولكنها لا تتضمن أية آلية تفرض بموجبها على الدول الأعضاء فيها الكيفية التي يتعين أن تعالج بها موضوع حقوق الإنسان داخل حدود أقاليمها الوطنية، فهذا موضوع سيادي بحت لا يقع بتاتا ضمن دائرة اختصاصات منظمة التجارة العالمية.
مسائل العمل
وعما اذا كانت اتفاقيات المنظمة تفرض على الدول الأعضاء إنشاء نقابات العمال ترى الوزارة إن اتفاقيات منظمة التجارة العالمية لا تتضمن أية أحكام أو آليات تفرض بموجبها على الدول الأعضاء احترام أو كفالة معايير معينة.
فيما يتعلق بمسائل العمل بما فيها السماح بتأسيس النقابات، فهذا الموضوع متروك أمر تنظيمه للقوانين الوطنية وأيضا السياسات التي تتبعها الدول الأعضاء في إطار منظمة العمل الدولية.
وحول المقصود بالهامش المجال السياسي أو ما يدعى باللغة الإنجليزية بPolicy Space، وهل هو أداة ضرورية للحكومات الوطنية في التعامل مع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، ترى الوزارة انه يوجد بهذا الصدد توجهان رئيسان قاما بتحليل هذا الموضوع من زوايا مختلفة، وخلصا إلى نتائج يتميز البعض منها بتكاملها والبعض الآخر بتعارضها.
وقالت الوزارة في تقريرها: بالنسبة للتوجه الأول، فهو يعتبر المجال السياسي (بمفهوم الهامش أو الفسحة السياسية) بمثابة التبرير الذي تتوسل به الدول للإبقاء على بعض القيود constraints والقواعد في السياسات الاقتصادية والتجارية التي يمكن أن تتبعها في المستقبل.
ونظرا لصعوبة تحديد ما يمكن أن يترتب عن التنمية التي غالبا ما تكون وراء المطالبة بهذا المجال السياسي، يتعين مناقشة هذا المفهوم وإخضاع مرتكزاته لتقييم دقيق حتى نتبين مدى مساهمته في خدمة الأهداف التنموية.
وينهض هذا التوجه على فهم مفاده أنه لا يمكن أن نعيش في عالم بدون قيود وضغوط، فنحن نتفاعل باستمرار داخل نظام معين. ويرى هذا المنظور أن منظمة التجارة العالمية تضغط بالفعل على الدول النامية عن طريق فرض قيود على سياستها التنموية، ولكن وفق طرق عادلة تسمح لها بالتوفيق والتوازن بين التزاماتها الدولية ومشروعها التنموي.
وظيفة مزدوجة
وتابعت: كما يذهب التوجه المذكور إلى أن لقواعد التجارة الدولية وظيفة مزدوجة. فهي من جهة، تحاول أن تعكس التفاعل والاعتماد المتبادل الذي يتميز به النظام التجاري الدولي؛ وقد تم وضعها لمعالجة بعض الحالات التي يقع فيها تجاوز للحدود التي ترسمها الاتفاقيات التجارية.
ويُذكّر هذا التوجه بأن المبادلات الأكثر دينامية في التجارة الدولية حاليا هي تلك التي تتم بين الدول النامية، وعليه فإذا ما بادرت دولة نامية إلى اعتماد سياسة معينة، فإن ذلك سوف يكون له بالتأكيد تأثير على صادرات دولة أو دول نامية أخرى.
ومن جهة أخرى، تساعد هذه القواعد على تخطيط وتوجيه السياسات، الأمر الذي يُكسب هذه الأخيرة نوعاً من الثبات مما يحعلها أقل عرضة للتغيير المتكرر، ولكن لا يُفترض في هذه القواعد أن تسمو على السياسات على اعتبار أن لكل الحكومات دساتيرها وإجراءاتها التي تمكنها من التحكم في إيقاعات و أنماط التغيير الذي يمكن أن يطال السياسات.
وذكرت وزارة التجارة الخارجية في تقريرها «الإمارات ومنظمة التجارة العالمية» أن الحديث عن المجال السياسي هو بالتأكيد حديث عن السياسة. بالتالي يمكن التساؤل ما هو الداعي الأساسي الذي يجعل رجال السياسة يتمسكون إلى أبعد الحدود بهذا المجال أو الهامش السياسي؟
ومن التبريرات المقدمة بهذا الخصوص، هناك الاحتفاظ بإمكانية تغيير التعريفات الجمركية في بعض الحالات المحددة؛ غير أنه لا يوجد أي دليل قوي على أن الرفع من نسبة الرسوم الجمركية سوف يضمن للصناعات المحلية البقاء والاستمرارية.
خصوصا وأن الرسوم الجمركية غالبا ما تكون موضوع تسويات كبيرة يكون محركها الأساسي الاستجابة للضغوط التي تمارسها اللوبيات السياسية الوطنية وليس خدمة الأهداف التنموية.
ويرى هذا التوجه بأن الدول النامية تتوفر على الكثير من المرونة في اتفاقيات المنظمة بشأن موضوع التعريفات الجمركية، ومن ذلك مثلا التعريفات المربوطة «Bound tariffs» في جداول الالتزامات والتي عادة ما تكون نسبتها مرتفعة عن التعريقات المطبقة «Applied tariffs» وهناك أيضا حق إعادة التفاوض بشأن التعريفات «renegotiate Right to» ونفس الأمر بالنسبة للدعم، فالكثير من الحكومات تود دعم بعض الصناعات.
ولكن هناك القليل من الدلائل والقرائن التي يمكنها أن تُثبت بأن مثل هذا الدعم سوف يساعد بالتأكيد في تنمية وحماية هذه الصناعات، خصوصا وأن الدعم غالبا ما يكون هو أيضا عرضة للكثير من الضغوط والمزايدات السياسية أكثر من الحاجة لتحقيق الأهداف والمشاريع التنموية لدولة معينة.
ويؤكد هذا التوجه أن اتفاقيات المنظمة تتيح الكثير من المجال السياسي للدول الأعضاء وبخاصة الدول النامية. فهي بالتأكيد تنطوي على عدد من القيود ولكنها قيود يفرضها العيش في نظام تفاعلي مثل النظام التجاري الدولي.
ومن ثمة يرى بأن التركيز الذي يتم حاليا على هذا الهامش أو الفسحة ليس ذا فائدة كبيرة للدفع ببرنامج للمفاوضات إلى الأمام. فهو يحول الانتباه من ضرورة التقيد بتوع من السياسات الجيدة والصحيحة إلى إثارة النقاش حول مواضيع ومجالات عديمة الجدوى بالنسبة لتقدم مفاوضات جولة الدوحة للتنمية.
الأدوات السياسية
تقرير وزارة التجارة الخارجية العالمية أن التوجه الثاني في عمل منظمة التجارة العالمية يتفق مع التوجه الأول بشأن تعريف المجال السياسي، فهو يدل على قدرة الحكومات على التصرف «Governments ability to act» فالأمر يتعلق بمدى حرية الحكومات في استعمال الأدوات السياسية التي هي موضوعة رهن إشارتها، وذلك بصرف النظر عن تصورها بشأن ما هو مناسب وضروري لخدمة أهداف السياسات التي تشرف عليها.
فعند التوقيع على اتفاقية تجارية معينة، تتنازل الحكومة عن سيادتها فيما يتعلق بإمكانية إعادة رسم سياساتها في المجالات التي تغطيها هذه الاتفاقية.
وفي إطار النظام التجاري متعدد الأطراف، وبالرجوع إلى فترة الأربعينات وجهود بعض الدول لتطبيق ميثاق هافانا الذي كان ينص على إنشاء منظمة دولية للتجارة، يشير هذا التوجه إلى أن موقف الكونغرس الأميركي آنذاك المستند إلى عدد من التبريرات ذات الصلة الوثيقة بالمجال السياسي الأميركي هو الذي حال دون إنشاء هذه المنظمة في تلك الحقبة التاريخية.