قال روبرت كابلان البروفيسور في كلية الأعمال في هارفارد ومخترع بطاقة الأداء المتوازن مع ديفيد نورتون في حديث خاص ل«البيان الاقتصادي» قبيل انعقاد مؤتمر «بطاقة الأداء المتوازن 2009» في دبي في أواخر شهر مارس الحالي، إن معظم الشركات المالية التي انهارت نتيجة للأزمة المالية تعاملت مع المخاطرة من منظور وظيفي إداري وليس بوصفها قضية استراتيجية، ودعا كابلان الشركات إلى أن تتضمن استراتيجيتها أهداف ومقاييس لإدارة المخاطر مما يساعد على دراسة نتائج تحقيق مكاسب قصيرة الأجل والتي قد تكون وخيمة على المدى الطويل وتؤثر بربحية الشركة.
ويحتضن فندق جي دبليو ماريوت في دبي في الفترة ما بين 28 مارس إلى 2 ابريل المقبل مؤتمر «بطاقة الأداء المتوازن 2009»، حيث سيناقش كبار المتحدثين سبل تحقيق الاستقرار في زمن الأزمات من خلال ربط الاستراتيجية بالعمليات، وفيما يلي نص الحوار:
هل لكم أن تعطونا لمحة عن بطاقة الأداء المتوازن، ومساهمتها في أداء الشركات؟
بطاقة الأداء المتوازن هي عبارة عن نظام استراتيجي للتخطيط والإدارة يستخدم بصورة مكثفة في قطاع الأعمال وفي أوساط المنظمات والهيئات الحكومية غير الربحية حول العالم بهدف تحقيق التوافق بين أنشطة الشركات من جهة ورؤية المنظمات واستراتيجياتها على المدى البعيد من جهة أخرى، أي أنها تأخذ بيد المنظمات على صعيد الارتقاء بسبل الاتصال على المستويين الداخلي والخارجي، وتحقيق التوافق بين وحدات العمل بها إلى جانب متابعة الأداء استنادا إلى الأهداف الاستراتيجية المنشودة.
هدف ضيق
هل يمكن للاستراتيجية الجيدة التصدي للأزمة المالية الراهنة؟
باعتقادي أنه أمر ممكن، لقد فشلت العديد من الشركات في جميع أنحاء العالم بسبب وجود هدف ضيق للغاية يركز فقط على الربح المادي على المدى القصير والأرباح الفصلية وكيفية الحصول على قدر كبير من المال في أسرع وقت ممكن، بغض النظر عن النتائج المستقبلية. هذا هو بالضبط ما حاولنا معالجته في بطاقة الأداء المتوازن، والتي تركز على منظور طويل الأجل وخلق قيمة للمساهمين.
ومن هذا المنظور ينبغي على الشركات أن تتضمن استراتيجيتها أهداف ومقاييس لإدارة المخاطر في المؤسسة مما يساعد على دراسة نتائج تحقيق مكاسب قصيرة الأجل التي قد تكون وخيمة على المدى الطويل وتؤثر بربحية الشركة. من خلال خبرتي، استطيع أن أؤكد على أن المشكلة هي أن الشركات تفتقر إلى استراتيجيات لإدارة المخاطر مما يضع الشركات في وضع صعب عند حدوث تغييرات في البيئة الاقتصادية والتجارية، وغني عن القول أن الخطر موجود في جميع الأعمال والأنشطة المالية.
المؤسسات المالية بوجه عام لديها مقاييس متعلقة بالتعرض للمخاطر مثل «القيمة المعرضة للخطر»، إلا أن معظم المؤسسات المالية، وخاصة تلك التي انهارت تعاملت مع عامل المخاطرة كوظيفية تنظيمية وإدارية لا أكثر، وليس بوصفها قضية استراتيجية.
هل يمكن معالجة الأزمة الحالية من خلال تطبيق استراتيجيات جيدة؟
في الواقع حتى مع استخدام بطاقة الأهداف المتوازنة التي تشمل على مقاييس للتعرض للخطر إلا أن هذه المقاييس قد فشلت في الكشف عن المخاطر الكبيرة التي تعرضت لها من المؤسسات المالية من خلال اتخاذ مواقف معينة في الرهن العقاري والأوراق المالية.
ولكن، إذا كان التنفيذيون على استعداد لدراسة عامل الخطر في بطاقة الأداء المتوازن بدقة وتنشيط النقاش في الاجتماعات الشهرية لاستعراض الاستراتيجيات المناسبة وعوامل الخطر، فيمكن لبطاقة الأداء المتوازن أن تساعد التنفيذيين على اتخاذ قرار معين للحد من الاستثمار في بعض الأصول على سبيل المثال مما قد يتيح للشركات على التعامل بشكل أفضل عند حدوث غير متوقعة.
القيادة القوية
ما القضايا التي يجب التركيز عليها عند تنفيذ استراتيجية معينة؟.. ما دور القائد؟
هناك قضيتان رئيسيتان، الأولى هي القيادة. بدون قيادة قوية البصيرة، لا يمكن تنفيذ الاستراتيجية على نحو فعال. القيادة القوية هي ضرورية وكافية لتنفيذ استراتيجية ناجحة والاستفادة من بطاقة الأداء المتوازن.
القضية الأساسية الثانية هي الاعتراف بأن الاستراتيجية والعمليات (أو التكتيكات) هما مهمان ولكنهما مختلفان. في الوضع الطبيعي تقوم الشركة بالتركيز بشكل يومي على العمليات، وحل المشاكل قصيرة الأجل ودراسة كيفية تحقيق الأرباح الفصلية. الاجتماعات الإدارية تركز على تحديد المشاكل ومعالجتها، ولكن في كثير من الأحيان لا يبقى الكثير من الوقت لمعالجة القضايا المتعلقة بالاستراتيجية.
نحن لا ندعو إلى التخلي عن التركيز على العمليات وتحسينها. ومع ذلك، فإننا ندعو إلى إعادة النظر في الاستراتيجية، ففريق الإدارة العليا يحتاج إلى عقد اجتماعات عادية وربما شهرية تركز على الاستراتيجية فقط. ف«الاستراتيجية بدون تكتيك هو طريق طويل لتحقيق النصر؛ أما التكتيك من دون استراتيجية فهو ضجيج ما قبل الهزيمة». هذا الاقتباس يبرز أهمية إدماج الاستراتيجية والعمليات.
جزء مهم من بطاقة الأداء المتوازن تتمثل في القدرة على الربط بين التكاليف وإدارة الأداء. وفي بعض الأحيان من الممكن أن يكون الأداء غير ملموس، كيف يمكن قياس ذلك؟
نحن نعتقد أن القياس هو أساسي للإدارة والتعلم. إذا كنت لا تستطيع قياس شيء ما فلا يمكنك إدارته أو تحسينه. لهذا السبب فالقياس هو في غاية الأهمية بالنسبة للشركات لتطوير التدابير الصحيحة للتعرض للمخاطر على بطاقة الأداء المتوازن. إن الغرض من بطاقة الأداء المتوازن هو قياس العديد من العوامل الهامة التي تم إهمالها في البيانات المالية. تقريبا يمكن قياس كل شيء.
ولكن عادة ليس من الناحية المالية. علاقات العملاء، العميل، القيمة والجودة والابتكار، وتحفيز الموظفين، وقدرات الموظفين، والثقافة التنظيمية كلها يمكن أن تقاس وبالتالي يمكن أن نقوم بتحسين إدارتها. بعض هذه القياسات يمكن أن تأتي من الدراسات الاستقصائية والمقابلات.
يمكننا أن نطلب من الزبائن أن يقوموا بتحديد إذا كانوا سيقومون بتوصية منتج الشركة إلى صديق أو جار، ضمن نطاق من واحد إلى عشرة مثلاً، السمعة يمكن أن تقاس كذلك. كل سنة، مجلة «فورتشن» تخصص عددها «أفضل الشركات سمعة» هل تعتقد أنهم يقومون باختراع هذه التصنيفات؟..
لا، إن تصنيفاتهم مبنية على مسح مئات أو آلاف الأفراد للتعرف إلى سمعة الشركات من جميع أنحاء العالم. أن بطاقة الأداء المتوازن تسهم في توفير قياس وإدارة لجميع الأصول غير الملموسة ذات الأهمية الكبيرة في نجاح تنفيذ الاستراتيجية واستدامتها. ولا يمكن تحقيق ذلك عندما تستخدم شركات التقارير المالية فقط كنظام إداري.
التنفيذ الفعال
ما الدور الذي تلعبه الموارد البشرية في استراتيجية العمل؟ كيف يمكن للشركة أن تتأكد من أن موظفيها ملتزمون؟
إن التنفيذ الفعال للاستراتيجية يتطلب موظفين ملتزمين بمساعدة شركاتهم على تحقيق الأهداف الاستراتيجية. هذه العملية لربط العاملين مع الاستراتيجية يتطلب ثلاث خطوات: التواصل وتثقيف الموظفين حول الاستراتيجية، ربط الأهداف الشخصية للمستخدمين والحوافز مع الاستراتيجية، والمواءمة بين برامج التدريب وبرامج التطوير لتزويد موظفين بالمعرفة والمهارات والكفاءات التي يحتاجونها لتنفيذ هذه الاستراتيجية واشدد على أن القادة أن يبقوا على تواصل مع موظفيهم دائماً وأبدا لتحقيق ذلك.
الموظفون يريدون أن يشعروا بالفخر بالشركة التي يقضون وقتا طويلا من حياتهم فيها، عليهم أن يفهموا كيفية نجاح مؤسساتهم وهذا من شأنه يخلق فوائد ليس فقط على المساهمين وإنما أيضا للعملاء والموردين، والمجتمعات التي تعمل فيها. وينبغي أن يشعر الموظفون بأن شركتهم تعمل بشكل يجمع ما بين الكفاءة والفعالية، فلا أحد يتمتع بالعمل مع مؤسسة فاشلة.
كما من الجيد أن يشعر الموظف بالاطمئنان من ناحية أن شركاتهم لا تهدر الموارد لتحقيق مهمتها. أن ضعف أداء المؤسسات والبيروقراطية التي تعوق عملية صنع القرار ومعارك النفوذ الناجمة عن ضيق الأفق كثيرا ما تؤثر على نجاح الشركة وتؤثر سلبياً على معنويات الجميع.
ما القيمة التي تضيفها الاستراتيجية الناجحة للشركات؟
لا يمكننا حقا أن نعزو تحسن الأداء في الشركة على عامل واحد بل هي مجموعة من العوامل. عموما، عندما نقوم بتقييم نجاح شركة معينة، فهناك قوى كثيرة تعمل معا: قيادة جيدة، استراتيجية مناسبة تم فهمها وتنفيذها جيدا، مديرين وموظفين متحمسين، الأداء التشغيلي ممتاز ويتماشى مع الاستراتيجية، ووجود الرغبة بالاهتمام بصقل والتكيف مع الاستراتيجية وتنفيذها.
كل هذا مطلوب لتحقيق النجاح، إذا فقد عنصر واحد، فمن المرجح أن يؤدي إلى فشل في تنفيذ الاستراتيجية على نحو فعال. بسبب طبيعة العوامل التي تسهم في تحقيق النجاح، فإسقاط أي واحد يمكن أن يتسبب في فشل الاستراتيجية. وهذا هو السبب في أننا لا نستطيع قياس مدى مساهمة بطاقة الأداء المتوازن بشكل دقيق على نجاح الشركة. ولكننا نسمع ونشعر بالسعادة من الرؤساء والموظفين التنفيذيين الذين يقولون أن بطاقة الأداء المتوازن لها دور كبير في نجاح شركاتهم وان هذا النجاح لم يكن من الممكن تحقيقه دون ذلك.
بطاقة الأداء المتوازن نظام فاعل للتخطيط والإدارة
مازال قياس الأداء في الشركات والمؤسسات قضية مثيرة للجدل، فتحقيق الأرباح دائماً ما تشوبه السلبيات وعدم تحقيق الأرباح يغيب الكثير من الايجابيات. ونتساءل هنا ما هو السر في انهيارات مفاجئة لمنشآت ضخمة في العالم خلال الأزمة الراهنة فيما كانت في الماضي تحقق أرباحاً هائلة لسنوات عديدة؟
الجواب يقدمه روبرت كابلان البروفيسور في كلية الأعمال في هارفارد ومخترع بطاقة الأداء المتوازن مع ديفيد نورتون، حيث يقول كابلان إن معظم الشركات المالية التي انهارت نتيجة للأزمة المالية تعاملت مع عامل المخاطرة كوظيفية تنظيمية وإدارية وليس بوصفها قضية استراتيجية.
وأكد كابلان على ضرورة أن تتضمن استراتيجيات الشركات أهداف ومقاييس لإدارة المخاطر مما يساعدها على دراسة نتائج تحقيق مكاسب قصيرة الأجل والتي قد تكون وخيمة على المدى الطويل وتؤثر بربحية الشركة.
ويضيف قائلا لقد فشلت العديد من الشركات في جميع أنحاء العالم بسبب وجود هدف ضيق للغاية يركز فقط على الربح المادي على المدى القصير والأرباح الفصلية وكيفية الحصول على قدر كبير من المال في أسرع وقت ممكن، بغض النظر عن النتائج المستقبلية وهو ما تعالجه بطاقة الأداء المتوازن، والتي تركز على منظور طويل الأجل وكيفية خلق قيمة للمساهمين.
كما أن تطبيق بطاقة الأداء المتوازن واستخدامها بشكل صحيح يسهل من عملية الابتعاد عن الأساليب التقليدية لقياس الأداء مثل مقارنة الموازنة المالية مع الأرقام الفعلية، والتي لا يغفلها مفهوم بطاقة الأداء المتوازن ولكنه يجعلها عنصراً من عناصر القياس العام.
ويمكن إيجاز مفهوم بطاقة الأداء المتوازن بأنه يحقق التوازن بين العناصر المالية وتلك غير المالية لقياس الأداء، بالإضافة إلى التوازن بين التركيز على الأهداف الاستراتيجية القصيرة والبعيدة المدى. فيما يتم وبشكل مستمر تطوير المفهوم الأساسي مع زيادة عمليات التطبيق العملي.
كفاية أولير
