تسعى الأفلام المصرية الجديدة المثيرة للجدل وذات الأفكار الجريئة لفرض وجودها بقوة والهيمنة على شباك التذاكر والاستحواذ على جمهور المشاهدين الذي ظل على مدى سنوات طويلة أسير الأفلام التجارية ذات الطابع الكوميدي فارغ المحتوى.
لقد حققت مجموعة من الأفلام الجادة وذات الموضوعات المثيرة والمعالجات الجريئة، رجة قوية في عالم السينما المصرية الرتيبة منذ سنوات طويلة، وبعد أن هجر جمهور السينما الرصينة دور العرض في القاهرة، جذبت أفلام مثل (حين ميسرة) للمخرج خالد يوسف، و(الجزيرة) للمخرج شريف عرفة، و(هيّ فوضى) للمخرج المخضرم يوسف شاهين، الانتباه من جديد للسينما المصرية الأصيلة وأعادت الحياة إلى دور العرض الراقية في المدينة العريقة.
لقد سعت هذه الأفلام لاقتحام موضوعات جريئة لأوّل مرّة في تأريخ السينما المصرية، بعد أن ظلت مثل هذه الموضوعات تابوهات ممنوعة، أو مسكوتا عنها، بدعوى المساس بالدين أو الأخلاق أو النظام السياسي، فقدمت معالجات ممتازة لقضايا الفساد والفقر والجريمة والجنس وغيرها، وفق منظور جديد يحسب للسينما المصرية المعاصرة، وإن تفاوتت تلك المعالجات.
إن النجاح الكبير الذي حققته تلك الأفلام ينبئ بنهاية الفترة الفاسدة والمملة من أفلام الكوميديا الرخيصة، أو كوميديا النكتة، التي أتعبت الجمهور وزرعت اليأس في نفوس السينمائيين المصريين والعرب عموماً، وهم يرون آمالهم تتحطم عند شباك التذاكر الذي سيطرت عليه موجة من الأفلام التجارية التي لا تنتهي، فقد تمكن عراب السينما المصرية المعاصرة يوسف شاهين (81 عاماً) من تسجيل أرقام قياسية في شباك التذاكر بواسطة فيلمه الممتاز (هيّ فوضى)، الذي تتمحور قصته حول رجل شرطة فاسد، إذ يعد أفضل عمل متميز للمخرج منذ فيلمه الكبير (المصير).
ومن دون أدنى شك فإن السيناريو المميز الذي كتبه ناصر عبد الرحمن بأسلوب الميلودراما كان قد بني على رصد الانفعالات واستنباط العواطف عبر سيل الأحداث المتسارعة، وهي لعبة شاهين المفضلة، إذ غالباً ما يبني الدراما بواسطة سرعة العرض التي تكاد تكون سمة سينماه المميزة، وإلى حد ما فإن السيناريو الجيد حتم طريقة المعالجة، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار حجم الحقائق المستهدفة وتنوعها، من مثل وحشية الشرطة، وفساد النظام التعليمي، وغيرها من الموضوعات الشائكة التي قدمها الفيلم مجتمعة ومتداخلة في آن واحد.
أما لجهة التمثيل فقد بدأ جميع الممثلين المشاركين في الفيلم بكامل قدراتهم التجسيدية في الحقيقة، لاسيما الأداء الرائع للممثل الممتاز خالد صالح في شخصية حاتم، ضابط الشرطة ذي الأخلاق السيئة والطبيعة الوحشية، الذي يحب جارته نور (منة شلبي)، تلك المعلمة الشابة التي تعيش بدورها حالة حب من طرف واحد مع شريف (يوسف الشريف).
لقد بدت بصمات خالد يوسف المدير التنفيذي الذي عمل مدة طويلة مع يوسف شاهين كمخرج مساعد، واضحة في الفيلم، خصوصاً وأن شاهين غالباً ما يوكل إليه إدارة الكثير من المشاهد بسبب اعتلال صحة الأخير أثناء التصوير، الأمر الذي يجعل من شاهين محط إعجاب مهني، ذلك لأن السينما المصرية اكتسبت، على الأقل، مخرجاً متميزاً ذا أسلوب متفرد تتلمذ على يد آخر عمالقة صناعة السينما العربية في عصرها الحالي.
إن الفيلم يقدم بيانات صريحة وقوية عن كارثية الأوضاع المجتمعية التي يرصدها، وهي إحدى وظائف السينما الحقة في عالمنا المعاصر، وهو فيلم يستحق المشاهدة دون أدنى شك، فقد تمكن هذا من تحقيق ما يربو على المليون ونصف المليون مشاهد في مصر وحدها، وهو رقم لم تعتده دور العرض المصرية والعربية في الحقيقة. أما فيلم (الجزيرة) لشريف عرفة، فقد جسد قصة انهيار حياة أحد بارونات المخدرات وتجارة الأفيون في أوساط الفقراء، والعلاقة المتداخلة والغامضة بين رجال العصابات والحكومة، وحقق هذا الفيلم بدوره ما يربو على المليون مشاهد في مصر خلال أسبوعين فقط، وهو ما لم يحققه أي فيلم من قبل لجهة عدد المشاهدين في مثل هذه المدة المحدودة.
في حين تصدى فيلم المخرج خالد يوسف (حين ميسرة)، الذي تدور أحداثه في الأحياء الفقيرة في ضواحي مدينة القاهرة، لظاهرة العنف الاجتماعي والديني السائدة في تجمعات الفقراء الهامشية، حيث ينتشر اليأس والإحباط وحيث تجبر الأمهات شبه المشردات على التخلي عن أطفالهن الصغار الذين يتعرضون للاغتصاب والضياع ويوظفن في الصراعات العنيفة.
لقد تصدى الفيلم، بتحدٍ واضح لقضايا خلافية وأخلاقية موغلة في الخصوصية، ظلت لسنوات طويلة مسكوتاً عنها في المجتمع المصري مثل القبلة الحميمة بين امرأتين سحاقيتين، تلك العلاقة المحرمة التي تثير رجال الدين، هؤلاء الذين يتصدون ويحبطون أية محاولة جريئة لطرح مثل تلك المشكلات الاجتماعية على طاولة البحث والمناقشة، وقد دعي أحدهم بالفعل لمحاكمة المخرج خالد يوسف وبطلتي الفيلم الممثلتين غادة عبد الرازق، وسمية الخشاب، واتهم الفيلم بأنه جزء من مؤامرة صهيونية وامبريالية تسعى لنشر الفساد في المجتمع المصري.
وعن ذلك يقول المخرج خالد يوسف: عندما عرض الفيلم أوّل مرّة، كان هناك الكثير من اللغط والجدل حول هذا المشهد، لكن عندما تشاهد الفيلم كاملاً تكتشف أن المشهد لم يوضع لغرض الإثارة، بل في سياق الأحداث. وفي الواقع، فإن هذا الجدل أثير أيضاً عندما عرض فيلم المخرج يوسف شاهين (هيّ فوضى)، لكن الأمر أصبح مستساغاً الآن إلى حد ما.
«هي فوضى»
إن الفيلم يقدم بيانات صريحة وقوية عن كارثية الأوضاع المجتمعية التي يرصدها، وهي إحدى وظائف السينما الحقة في عالمنا المعاصر، وهو فيلم يستحق المشاهدة دون أدنى شك، فقد تمكن من تحقيق ما يربو على المليون ونصف المليون مشاهد في مصر وحدها، وهو رقم لم تعتده دور العرض المصرية والعربية.
أمستردام ـ محمد حيّاوي