نبهت الأزمة الغذائية الحالية إلى ضرورة تحقيق الأمن الغذائي في العالم العربي، وهو الأمر الذي قاد بدوره للحديث عن استغلال موارد السودان الزراعية، والتي كان من المتوقع لها أن تشكل في يوم ما «سلة غذاء العالم العربي». وتناولت العديد من التحليلات والتعليقات المسألة بشيء من التفاؤل المفرط، لكن واقع الأمور يتوجب ضرورة انتهاج نظرة موضوعية تضعنا في بداية الطريق.
والسودان الذي يمتلك نحو 85 مليون هكتار من الأراضي الزراعية البكر لم يستغل منها حتى الآن سوى 17 مليوناً فقط، شهد تقلبات خطيرة في سياساته الزراعية والاستثمارية خلال السنوات القليلة الماضية الأمر الذي أطاح بالعديد من المشروعات الزراعية الكبرى في البلاد والتي كانت تشكل صمام أمان للناتج الإجمالي المحلي في حقبة زمنية سابقة. وجاءت عمليات الخصخصة غير المدروسة والتي أثارت الكثير من الشكوك حول المشروعات المباعة والطريقة التي تمت بها صفقات البيع، لتنخر هي الأخرى في جسد الاقتصاد السوداني المتهالك الذي يملك كل شيء، ويفتقد إلى إرادة قوية وسياسات رصينة يشارك في وضعها المخططون والخبراء الذين استبعدوا عن دائرة صناعة القرار دون مبررات.
وعلى الرغم من دخول استثمارات خليجية محدودة، إلا أن المخاوف والشكوك لا تزال تحيط بمستقبل الاستثمارات الزراعية في السودان، وذلك لأسباب عديدة يمكن أن نحصر بعضها في غياب التطبيق الفعلي للتشريعات الاستثمارية الموجودة إضافة إلى الثغرات التي تحيط بتلك التشريعات. كما أن الخلل المستمر في البنيات التحتية يشكل مصدراً آخراً للخوف بالنسبة للمستثمر الأجنبي.
وفي رأينا أن حالة مثل حالة القطاع الزراعي في السودان يمكن أن تشكل نموذجاً لجذب الاستثمارات الإقليمية إذا ما توافر شرطان مهمان وهما إقناع الرأي العام السوداني بجدوى المشروعات الاستثمارية وجعل نتائجها واقعاً ينتفع به الشارع السوداني، أما الشرط الثاني الواجب التحقق هو وضع خريطة طريق تقوم على إعطاء الأولوية لإقامة مشروعات ذات جدوى اقتصادية تسهم في تفعيل حركة الإنتاج الزراعي والصناعي، وعندها حتماً سيشعر الشارع العربي بالفرق بين أن نرفع شعار نأكل مما نزرع وواقع نزرع لنأكل بالفعل.