عشرة من المجرمين المحكومين بالإعدام، يجمعهم منتج تلفزيوني ثري على جزيرة نائية، ليتقاتلوا فيما بينهم حتى الموت، ويبقى واحد منهم على قيد الحياة، ويحصل على حريته في النهاية. يشاهد القتال أكثر من أربعين مليون شخص على شبكة الانترنت حول العالم. هذه خلاصة فيلم «المدانون» (the condemned)، الذي تعرضه الصالات المحلية منذ مطلع الأسبوع الحالي.
اخرج الفيلم سكوت ويبر في تجربة إخراجية ثانية له، بعد «كابتن جاك» في العام 1994 الذي يتناول حكاية بطل رياضي ينقذ مدينته من جشع أحد النافذين. وعرف المشاهدون ويبر ممثلاً في شريط «بيرل هاربور» (2001) بشخصية غانر، من إخراج مايكل باي.لعب دور البطل التقليدي الممثل المغمور ستيف أوستن. الذي كانت عضلاته أكبر بكثير من أدائه، يواجهه فيني جونز بدور الشرير، الذي يجهد بتقديم دوره، ولا يدهش المشاهد لكنه أفضل من الذي لا يمتلك شيئاً سوى العضلات. وأدى دور المنتج التلفزيوني روبرت ماموني، الذي بدا مقنعاً إلى حد ما، حيث استفاد من خبرته الطويلة كممثل تلفزيوني، والى جانبه، ظهرت بالمستوى ذاته الممثلة الأسترالية توري موسيت.
وظهر ويبر كاتباً موهوباً لفيلم «الماريشال الأخير» (1999) من إخراج مايك كيرتون. حين توقع له الكثير، لكنه غاب عن الحضور لنصف عقد ليعود بشريطه الجديد «المدانون»، الذي يحمل بلا شك فكرة كبيرة ومثيرة، تقع في جانب من العبث كمساحة ينتجها واقع الحياة المعتمدة على التكنولوجيا، المستغلة من قبل أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، الذين يستغلون «الحداثة» التقنية لتحقيق أرباح مادية كبيرة بحتة، غير آبهين بالقيم الإنسانية والأخلاقية، التي تبدو متراجعة إلى الخلف، كلما ازدادت التطورات التقنية تقدماً.
ويشارك هؤلاء الجشعون الجمهور الذي تأسره مشاهد العنف، ويسعى إلى مشاهدتها بكل قواه العقلية، ويرضى بشروطها. على الأقل هذا يفسر قبول الجمهور نفسه بمشاهدة الموت اليومي المجاني في العراق وفلسطين وأفغانستان على شاشات التلفزة، من دون الاكتراث بأن الضحايا هم أخوة للمشاهدين في الإنسانية، وان الجيوش وتجار الأسلحة، هم أكثر من وحوش الغابات حباً للدماء، في سبيل الربح الذي ينسي من سقط في هواه، أنه ينتمي إلى الإنسانية وأخلاقها، على ما هو مفترض.
الفكرة الجريئة لمؤلف الفيلم ومخرجه سكوت ويبر، لم تلق معالجة فنية مناسبة، أو لنقل بمستوى الفكرة. تعجل ويبر قليلاً، قطع السيناريو كقوالب جاهزة ومعدة سلفاً. انحاز إلى مشاهد القتال، إلى حد خسرانه قضية فيلمه، علماً أن لديه الكثير ليعمل عليه، وإبرازه أكثر من الحواشي، ولا شك أن ويبر تعامل مع مشاهد العنف بحذر.
لا نرى الكثير من الدماء. لكنه سقط في فخ آخر، اعتادت أن تسقط فيه السينما الأميركية التجارية، هو فخ البطل الأميركي الذي ينقذ العالم وقيمه دفعة واحدة، وفي نهاية للشريط، تصح في فيلم لمخرج لا يعرف ألف باء الإخراج. وبالتالي يخسر المادة السينمائية القيمة، وينتج فيلماً تائهاً بين فكرة قوية وتقنيات وأدوات أقل من ضعيفة.
وشهد الفيلم كذلك، هنات كانت بلا طائل، مثل مشاركة بطل عربي يدعى هاشم في التنافس بين المجرمين، يستدعى بناء على متطلبات السوق، يتم التعريف عنه كمجرم لا يرحم ضحاياه. فجأة يقضي عليه الأميركي بضربة واحدة.. لم نفهم ماذا يريد المخرج من هذا الرمز.. هذا إذا كان رمزاً، وأغلب الظن أنه لم يكن كذلك. المسألة لا تتجاوز الحشو، كما هي مسألة الـ 400 كاميرا المنتشرة على الجزيرة. لم يستفد المخرج منها أبداً، ليصنع صورة ذات معنى، وهذه وحدها جريمة فنية توازي ما قام به كل المشاركين في التنافس من جرائم.
دبي ـ حسين قطايا
