وضع محللون الإمارات وسنغافورة على كفتي ميزان، باعتبار أن الأولى تضم مدنا عالمية وهي أبوظبي ودبي والشارقة، في حين تعد الثانية مدينة عالمية في حد ذاتها، وانطلقت نظرة المحللين من كون الحالتين تعكسان تطورات عمليات العولمة، وما رافقها من استجابات وردود أفعال وانعكاسات مهمة بالنسبة لأفق نمو وتطور المدن.
ويرى محللون أن هذه العمليات لم تكن عملية واحدة نمطية بالنسبة للحالتين، حيث اعتمدت نواتجها بشكل كبير على الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية الموروثة وأوجه العلاقات فيما بينها وبالتالي، تميز المسار التنموي لكل حالة من الحالتين بالخصوصية والتفرد، على اعتبار أن طريق المدينة نحو الإقليمية والعالمية يتأثر بمجموعة متنوعة من العوامل، كتلك الخاصة بالموقع الجغرافي والموارد المتاحة ومزايا الخدمات والإنتاج المحلي. وفي الغالب، ينظر بعض المحللين إلى سنغافورة على أنها نموذج قابل للاحتذاء به، فيما ينظرون إلى المدن الموجودة في الإمارات المتحدة مثل دبي وأبوظبي والشارقة على أنها من المراكز الصاعدة التي تتطلع إلى التفوق على سنغافورة في سلم المدن العالمية الصاعدة. ويقر المحلل كيفاني بارسا في دراسة بعنوان «المدن العالمية الصاعدة: مقارنة سنغافورة بمدن الإمارات المتحدة بأنه على الرغم من الدراسات والبحوث المكثفة التي تم إجراؤها لفحص ودراسة تأثير عمليات العولمة على التنمية الحضرية والإقليمية في مناطق جغرافية عديدة بما في ذلك سنغافورة، إلا أن هناك نقصاً كبيراً في البحوث والدراسات التي تتناول مدن دول الشرق الأوسط خاصة مدن دولة الإمارات المتحدة.
وبناء على ذلك، سعت الدراسة المذكورة آنفا إلى استكشاف المسار الذي اعتمدته هذه المدن، بهدف تقييم أوجه التقدم الذي تم إحرازه في الماضي والحاضر، واستشراف القدرة المستقبلية لهذه المدن على تحقيق رؤاها وتصوراتها المتعلقة بالبزوغ كمراكز اقتصادية عالمية، من خلال إتباع المنهج المؤسسي، حيث أن هناك مناهج مختلفة في دراسة العولمة والمدن العالمية، ولكن بعض المفاهيم المهمة التي برزت من بنيان الأدبيات، تبرز هذه المدن كما لو كانت تكمل بعضها البعض، ولكنها في الوقت ذاته، تتنافس فيما بينها على جذب الاستثمارات الأجنبية. وفي إطار جهود هذه المدن لتأمين الاستثمارات الأجنبية، جاء تكثيف الجهود، حيث تقوم المدن الآن بتشكيل تحالفات وكيانات اقتصادية متعاونة داخل حدودها الوطنية أو عبر الحدود من أجل الاستفادة من المزايا التي يتيحها الإقليم، وتخلق هذه الشبكات أوضاعا تحقق الفوز والمكسب للجميع، ويعتمد النجاح على القدرة على تقديم عمليات ذات طابع مؤسسي لجذب تدفقات الاستثمار والأعمال، وتقديم اقتصادات متنوعة لأصحاب الأعمال تتمتع بمقاييس كفاءة عالية.
وأحد الأبعاد التي تبرز من هذه الدراسات هو الإقرار بزيادة أهمية بيئة الأعمال كعامل محدد لمدى تنافسية المدينة، والشيء المحوري في هذا المجال، هو دور العوامل المرتبطة بالسياسات، والهيكل المؤسسي للمدينة، ونتيجة لذلك، اكتسب المنهاج المؤسسي أهمية كبيرة في تفسير المزايا التنافسية للمدن، والمقارنة فيما بينها.
وقد اكتسب المنهاج المؤسسي خلال السنوات الأخيرة أهمية خاصة في تحليل تنوع التشكيلات والتكوينات الاقتصادية في الأقاليم المختلفة خلال السنوات الأخيرة، وتعرف المؤسسات على أنها قواعد اللعبة في المجتمع والمنظمات سواء أكانت قواعد اقتصادية أو اجتماعية، ويجري تنفيذ وتطبيق هذه القواعد داخل إطار، يتم تحديد أطره من قبل المؤسسات، وتنقسم هذه القواعد إلى نوعين: يتمثل النوع الأول في القواعد الرسمية كتلك الخاصة بالقوانين واللوائح التنظيمية، ويتعلق النوع الثاني بالقواعد غير الرسمية كتلك المتصلة بالقيم والمواثيق والتقاليد.
وهكذا، يركز المنهاج المؤسسي على العمليات المؤسساتية أكثر من تركيزه على المؤسسات في حد ذاتها، وبالتالي، يركز هذا المنهاج بشكل اكبر على العمليات المؤسساتية التي تدعم وتشجع ممارسة أنشطة الأعمال، بوصفها مجموعة خاصة من السلوكيات والممارسات.
وتمحورت الدراسة حول الإجابة عن سؤال محوري، وهو ما إذا كانت هذه المدن ستواجه تحدي خلق نوع من المؤسسات السميكة القوام؟ وهل الهياكل المؤسساتية الموروثة والمتواجدة وجماعات المصالح تشكل عقبة أمام خلق بيئة ابتكارية والتي تعد أمرا مطلوبا أنشطة الأعمال ورأسمال العالمي؟
ويعتمد المنهاج المستخدم في الدراسة المذكورة على المدرسة المؤسساتية في تحليل المراكز الحضرية، وفي تقييم مثل هذه الطاقات المؤسساتية أجرى معدو الدراسة مقابلات مع كبار صناع السياسة في الإدارات الحكومية المختلفة والهيئات المعنية بصياغة وتنفيذ السياسات الاقتصادية، بلغ اجماليها 118 مقابلة في المدن الأربع وضموا 15 فئة مختلفة خاصة.
وقد تم تصميم قائمة الأسئلة وبرنامج المقابلات على نحو يمكن من استكشاف المدركات والخبرات الواقعية لكل من المسؤولين والشركات الدولية فيما يتعلق بمناخ الأعمال في الحالات محل الدراسة. وتضم التصور والرؤية العامة للتنمية، واستقرار بيئة الأعمال ومدى أمان الاستثمارات وتأثيرات لوائح معينة، وجودة ونوعية قدرات البنية التحتية.
تنافسية المدن الإماراتية
وفي الطرف الأول من معادلة الميزان وبحسب الدراسة، تبرز المدن العالمية في دولة الإمارات، فمن جانب ركزت مدينة دبي رؤاها الاقتصادية حول دورها التقليدي كمركز للتجارة والنقل في منطقة الشرق الأوسط، وتهدف الآن إلى توسيع هذا الدور ليشمل تأدية وظائف عالية القيمة المضافة في خدمات تكنولوجيا المعلومات والشركات وأنشطة البحوث والتطوير والسياحة، وتتبع مدينة ابوظبي نفس الإستراتيجية ولكن مع تركيز أكبر على الصناعات البتروكيماوية الكثيفة رأسمال.
وتمتلك الشارقة اقتصادا أصغر، ولكن رؤيتها الاقتصادية تتمحور حول إرساء نفسها كقاعدة تصنيع إقليمية لجذب المشروعات المتوسطة والصغيرة الحجم بشكل كبير، وفي نفس الوقت، تهدف المدينة كذلك إلى توسيع صناعات النفط والغاز لديها، وتطوير صناعة السياحة الثقافية، فضلا عن القيام بوظائف القيمة المضافة العالية لأجل الحصول على جزء من السوق لأجل وظائف مقار قيادات الشركات وخدمات الشركات و يتوازى مع ذلك، تطلعها لأن تصبح مركزا للتعليم العالي في الإمارات والمنطقة.
ومن زاوية الطموحات الإقليمية والاستثمار الدولي، تمتلك المدن الثلاث في الإمارات وضعا مميزا لدرجة معينة، ويتمثل في عدم قدرة المنافسين المحتملين على مجاراتهم في توليفة الحوافز المقدمة من جانبهم والتي تشمل إلى جانب الاستقرار السياسي والاقتصادي، وجود بنية تحتية بالغة التطور والحداثة، ومنشآت لدعم الأعمال تتميز بالجودة والحيوية.
وقد نجحت المدن الثلاث - بحسب الدراسة - في ترسيخ مكانتها كمقر إقليمي من الطراز الأول لتقديم خدمات للشركات، فضلا عن ترسيخ مواقعها كمقاصد سياحية.
وتقدر الدراسة، أن نجاح المدن الثلاث على المدى الطويل يعتمد على قدرتها المؤسساتية في تأدية وظائف القيمة المضافة العالية، وهو ما يعتمد على معالجة أوجه التحديات المثارة في هذا المجال، تنبع بعض هذه التحديات من الهياكل واللوائح التنظيمية، فيما ترتبط تحديات أخرى بالهيكل التنظيمي لكل مدينة على حدة.
ويتمثل أحد المجالات محل قلق والتي تتقاسمها المدن الثلاث - بحسب الدراسة - في بروز حاجة لتطوير الموارد البشرية التي تمكن من إحداث المزيد من المؤسساتية في عملية صنع القرارات وعملية تنفيذ القرارات وتسهيل الأعمال والتقديم الكفء للخدمات.
وترى الدراسة أنه على غرار حالة سنغافورة، يمكن معالجة هذا التحدي من خلال إتباع إستراتيجية مزدوجة تهدف إلى تدريب الطاقات البشرية المحلية، وجذب العقول الأجنبية ذات الكفاءة العالية، بالإضافة إلى تطوير أساليب مبتكرة لتعزيز قاعدة المعرفة والكفاءة للأشخاص العاملين، علاوة على التسريع بالتنسيق فيما بين المؤسسات وخلق الشعور بالهدف المشترك والتفاهم فيما بينها.
وفيما يتعلق بتطوير آليات التغذية الارتجاعية، أي وجود آليات تسمح بالتعرف على آراء ووجهات نظر المشاركين في السوق، والاستفادة من هذه الآراء في تطوير السياسات، ترى الدراسة أن وجود آليات للتغذية الارتجاعية في مجال الأعمال الدولية تفيد في تطوير السياسات وتنفيذها، وفيما يتعلق بهذا المجال، تبرز اختلافات فيما بين المدن الثلاث.
وقد أظهر نموذج سنغافورة فوائد تكتل وتعاون أصحاب الأعمال في مجال تعظيم الاستفادة من الإمكانات والطاقات، وتتمثل نقطة البداية المنطقية بالنسبة لدولة الإمارات في خلق مثل هذا النوع من العمل المشترك فيما بين الإمارات مع بعضها البعض، حيث أنه في غير مقدور أي واحدة منها تحمل تعثر تحقيق أهدافها التنموية نتيجة وجود تضارب في إستراتيجيات التنموية، وعلى أية حال، فإن هناك أنشطة وظائفية متواصلة ومكملة لبعضها البعض فيما بين الإمارات مع بعضها البعض، وبالتالي، يكون من المتعين تمتين وتعزيز مثل هذه الأنشطة والأعمال المشتركة.
تنافسية سنغافورة
تطورت تنافسية سنغافورة عبر ما شهدته من التحولات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وارتكز هذا النموذج في التنمية على إقرار وإدراك الإدارة العامة بأهمية القيمة المضافة والتأقلم مع نموذج في النمو يتجه نحو الصادرات، وهي الإستراتيجية المتبعة من قبل أغلب الأسواق الصاعدة في آسيا، وتحولت سنغافورة من الاعتماد على قاعدة صناعية كثيفة رأسمال خلال عقدي الستينات والسبعينات إلى الاعتماد على قطاع صناعي كثيف المعرفة خلال عقد الثمانينات.
وهذا ما قاد إلى إحراز تقدم في سلسلة القيمة المضافة خلال عقد التسعينات، ويعتبر مكتب التنمية الاقتصادية ومكتب التنمية الحضرية المحركين الأساسيين في دمج سنغافورة في السوقين العالمي والإقليمي، ويعدان كذلك كيانات تشرف على التشريعات والقوانين التي تهدف إلى جذب الأعمال من خلال الحوافز المالية وسياسات الأعمال المتماسكة والقوية.
وفي التحرك نحو القرن الجديد، بادرت المؤسسات بوضع خطة «سنغافورة 21» التي تستهدف تحقيق إنجازات محددة داخل كل قطاع، وتشمل « السياحة 21» والتشييد والبناء 21 و«الصناعة 21».
ويعمل في سنغافورة حتى هذا التاريخ ما يزيد على 5000 شركة دولية، تدير نصفها عمليات إقليمية، وساهم في هذا النمو لدرجة كبيرة وجود عمالة أجنبية تمثل 20 % من إجمالي قوة العمالة المقيمة في سنغافورة، ومثل هذه القاعدة السكانية الضخمة من الخبراء والعاملين الأجانب أكدت التأثيرات الديمغرافية للعولمة على المدن.
دور مركزي للمؤسسات
وتخلص الدراسة إلى أن الرسالة الأكثر أهمية تتمثل في إعادة التأكيد على الدور المركزي للمؤسسات في عملية التنمية الاقتصادية، والموقع التنافسي للمدن في الاقتصاد العالمي، وفي سنغافورة، فإن التعريف الواضح والصريح للأهداف إلى جانب الحوافز المتاحة للمنظمات العامة والخاصة على حد سواء من خلال هياكل مؤسساتية شفافة ومحاسبة ومتجانسة.
قد سمح ببروز تكتلات وتجمعات في أوساط الأعمال بحسب المصالح، وأثمرت هذه التكتلات في حصول سنغافورة على تقدير دولي إلى جانب تحقيقها مستويات عالية من النمو، كما سمحت التغذية الارتجاعية النشطة للأعمال الدولية في تطوير السياسات وإعادة تبويب وترتيب الأهداف، ومن ثم تجنب الصدمات، وزيادة القدرة على التكيف والتأقلم.
ومثل هذه الميزة المستمدة من تواصل الحوار حول السياسات، قد تعززت أكثر بتشكيل اتحاد للأعمال والذي خول مسؤوليات في تجميع وتكتيل مجتمع الأعمال في سنغافورة، والأمر الملاحظ، أن استجابات وردود أفعال المنظمات العامة والخاصة تحمل الكثير من أوجه الشبه، وهو ما يعكس الشفافية والإفصاح والمصارحة في ثقافة الأعمال، وتعتبر هذه أحد المفاتيح الرئيسية للمدينة الناجحة، حيث تكون مصالح وتطلعات مجتمع الأعمال في خط مواز مع مصالح وتطلعات المؤسسات العامة والعكس صحيح.
وكنتيجة للمشاركة المؤسساتية القوية في تسهيل الأعمال وكفاءة الخدمات، هناك الشعور بالأمان في أداء الأعمال، وهذا ما تعزز أكثر نتيجة وجود بنيان قانوني قوي، حيث اتفقت إجابات المجيبين على أن سنغافورة تتميز بوجود قطاع قانوني قوي وعادل والذي يتسم بالواقعية والكفاءة العالية، وبالإضافة إلى توافر بيئة قانونية متماسكة، فإنه ينظر إلى اللوائح التنظيمية لتسيير الأعمال على أنها كافية بشكل كبير، ولعل تضمين شركة دولية قوانين سنغافورة في عمليات التحكيم.
وذلك ضمن ممارستها لمهامها الإقليمية، هو انعكاس لكفاءة الأطر القانونية والتنظيمية، وباستثناء صعود أسعار العقارات، وتيسر التمويل المحلي والتنظيم الزائد، سمح الهيكل المؤسسي الخاضع للمساءلة والقائم على الشفافية والإفصاح بإمكانية التعرف المبكر على بؤر المشاكل، وتنفيذ إستراتيجيات لتصحيح الوضع سواء في مجال ثقافة المدينة ومنشآت الترفيه أو تحرير القطاع البنكي.
والمسائل الأكثر حيوية والتي تواجه سنغافورة من ناحية إستراتيجية التنمية في المستقبل هو ضمان التزود بأعلى مستويات المعرفة لتوفير مدراء وعمال على أعلى مستويات المعرفة، بهدف توسيع خدمات الشركات والمؤسسات، وضمان القدرة على إمداد الخدمات القائمة على المعرفة، علاوة على تسريع نمو الطاقات الابتكارية، وهو ما يعتمد على مدى جاذبية المدينة لجذب العقول الأجنبية علاوة على توفير التدريب للعقول في الداخل عن طريق توفير نظام تعليمي متطور بشكل جيد.
وتخلص الدراسة إلى أنه بمعزل عما إذا كانت مدن الدول ستحرز تفوقا على سنغافورة من عدمه، وبمعزل أيضا عن قدرة سنغافورة على البقاء في المستقبل كمدينة عالمية، فإن هناك شيئا يمثل القاسم المشترك بين المدن الأربع جميعا، وهو حاجتها لتنفيذ إستراتيجيات، من شأنها أن تعظم استفادتها من المكانة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة وتراكم رأسمال البشري، وبالتالي، فإنه بالنسبة لمدن الإمارات، تنتصب سنغافورة كنموذج ومثال، ولكن حاجة سنغافورة للاندماج بشكل أكبر في الاقتصاد العالمي، وهو ما ينسحب أيضا على مدن الإمارات الثلاث، ترتكز على بناء الرأسمال البشري والتعجيل بإقامة اقتصادات ذات قيمة مضافة ترتكز على المعرفة.
اضاءة
أظهر نموذج سنغافورة فوائد تكتل وتعاون أصحاب الأعمال في مجال تعظيم الاستفادة من الإمكانات والطاقات، وتتمثل نقطة البداية المنطقية بالنسبة لدولة الإمارات في خلق مثل هذا النوع من العمل المشترك فيما بين الإمارات مع بعضها البعض.
دبي ـ مجدي عبيد