عند الحديث عن تحديات التشغيل وعلاقته بالعمالة بدول مجلس التعاون الخليجي، يبرز العديد من القضايا الشائكة، لربما في مقدمتها موضوع برامج التعليم والتدريب بدول المجلس. وسبق لدراسة للبنك الدولي أن أوضحت أن عائد الاستثمار في التعليم لم يكن بالحجم المتوقع مقارنة بما تم إنفاقه واستثماره فيه بالدول العربية مرجعة ذلك إلى أن الدول العربية تقوم بإعداد الطلاب للانخراط في الوظائف الحكومية في الوقت الذي تختلف فيه طبيعة المؤهلات الملائمة لمتطلبات الاقتصاد بشكل عام.

إن المشكلة بدأت تظهر مع التغيرات الدولية خلال الثمانينيات في حين كانت المنطقة قد شهدت منذ بداية الستينات ثورة تعليمية أدت إلى جعل الإنفاق الحكومي على التعليم إلى مستويات عالية (معدل وسطي يبلغ 4,4% من الناتج المحلي و9 ,14% من إجمالي النفقات).

كما بلغ متوسط نصيب التلميذ في المرحلة الابتدائية من الإنفاق على التعليم حوالي 155 دولاراً سنوياً وهو معدل يقارب المعدل السائد في دول نمور آسيا (165 دولارا سنوياً) ويفوق كثيرا مثيله في الدول ذات الدخل المتوسط (112 دولاراً سنوياً) وقد افرز ذلك نتائج مهمة أبرزها كان انخفاض نسبة الأمية من 8.% في عام 196. إلى 7 ,4.% في عام 199،

فضلا عن التحسن الملحوظ في العمر المتوقع للإنسان وانخفاض معدلات الوفيات بين الأطفال إضافة إلى ارتفاع عائد العملية التعليمية في المرحلة الماضية حيث كان كل عام دراسي إضافي يزيد من دخل العاملين بمعدل 12% في المتوسط.

وبرز خلال عقدي الثمانينات والتسعينات العديد من الظواهر التي أكدت على فشل برامج التعليم في الوطن العربي في تحقيق جوانب أساسية من أهدافها. ومن بين هذه الظواهر ارتفاع معدلات الإخفاق في مواصلة التحصيل الدراسي، حيث سجلت هذه المعدلات أرقاماً قياسية في بعض دول المنطقة «مصر 36%، المغرب 34%، اليمن 69%، تونس 28%»،

بالإضافة إلى الزيادة المضطردة في أعداد العاطلين خاصة في أوساط المتعلمين وذوي التعليم العالي بالتحديد. إذ يلاحظ أن حوالي 6.% من العاطلين من حملة الشهادة الثانوية أو الجامعية في مصر مثلا، وكذلك الحال في بعض دول المنطقة والانخفاض التدريجي في الأجور الحقيقية الذي أدى إلى انخفاض العائد المتوقع من التعليم،

مما جعل الاستثمار في التعليم اقل جاذبية في وقت تبدو فيه بجلاء حاجة اقتصادات دول المنطقة إلى مهارات اكبر مما يتوافر لديها حاليا، يقابل ذلك الارتفاع التصاعدي لتكلفة التعليم خاصة في المراحل الدراسية العليا. ومن أجل تجاوز هذه المعضلة، والتوجه نحو تنمية بشرية حقيقية لابد من تغيير نظام التعليم لبناء اقتصاد متكيف مع المتغيرات الدولية

وذلك بالرغم من صعوبة عملية تغير نظم التعليم وارتفاع تكلفتها اقتصادياً واجتماعياً بسبب ما يتميز به هذا القطاع من التعقيد والتداخل المهنية. كما انه لابد لأنظمة التعليم بدول المجلس أن تبدأ باستيعاب الخطوات التنسيقية والتكاملية المتخذة على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وترجمة هذا الاستيعاب في هيئة إعادة تشكيل الهياكل الأفقية والعمودية لأطر وبرامج التعليم بدول المجلس لتجسد بذلك خطوة أساسية أولى نحو بناء إستراتيجية موحده للتنمية البشرية.

بيد أن الموضوع لا يقف عند برامج وأنظمة التعليم وحدها فوفق التوجهات الحالية لدول المجلس والتي تطمح لأن يلعب القطاع الخاص دوراً رئيسياً في تنفيذ برامج التنمية والأنشطة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، فإن معظم الوظائف التي ستتوفر خلال هذا العقد والعقد القادم ستكون في القطاع الخاص، وليس القطاع العام.

كما أن معظم تلك الوظائف سيكون في حقل المهن الفنية وليس الأعمال المكتبية وذلك لأن التركيز يجري حاليا على تطوير دور القطاعات الإنتاجية والصناعية والأعمال المرتبطة بالمهارات الفنية والتكنولوجية. يضاف إلى ذلك أن ظروف العمل خلال السنوات القادمة سوف تكون أكثر تشدداً سواء من حيث الامتيازات الوظيفية المتوفرة أو معدلات الإنتاجية المطلوب الإيفاء بها. كما أن الحكومات سوف تتخلى عن دورها كملاذ أخير لمن أغلقت بوجهة أبواب العمل.

وفيما يخص هذا الموضوع، فان التحدي الأبرز هنا يتمثل في نقص المهارات المطلوبة لدى العمالة الوطنية بدول المجلس. وصحيح أن هذا النقص نجم بصورة أساسية عن الاستثمار السريع للموارد النفطية بالنسبة للدول النفطية الخليجية وذلك بمعدلات فاقت معدلات نمو قوة العمل الوطنية، إلا أن المشكلة تهدد بتحولها إلى حالة مزمنة.

كذلك فإن سيادة دور المنشآت الاقتصادية الصغيرة على الاقتصاد الوطني مثل تجارة التجزئة والخدمات الشخصية والمطاعم ومقاولات البناء قد أفسح المجال لتزايد القوى العاملة نظرا لتدني مستوى الأجور التي تدفع من قبلها. ولا ننسى هنا أن الأمية لا تزال تلعب دورا وان كان متناقصا في تخفيض نسبة مساهمة القوة العاملة الوطنية بالإضافة إلى العوامل الاجتماعية التي تحد من دور مساهمة المرأة في الأنشطة الاقتصادية.

إن التدريب وكافة من يتصل به من مؤسسات وبرامج ومفاهيم يبقى ركناً أساسياً وثابتاً في كافة التجارب الناجمة في مجال تنمية الموارد البشرية، وخاصة التجارب التي نشاهدها في عدد من بلدان جنوب آسيا أو ما يطلق عليها بالنمور الآسيوية. ففي هذه الدول يبرز بصورة واضحة التركيز على ربط التعليم

بالتدريب والتطور التكنولوجي من جهة، ووجود البرامج التدريبية المكثفة الملحقة بانتهاء مراحل الدراسة المدرسية أو الأكاديمية الجامعية من جهة أخرى حيث يتم خلال هذه البرامج وضع الطلبة المتخرجين حديثا في بيئة العمل الحقيقية، وتتم ممازجة المفاهيم والنظريات التي تعلموها مع الاحتياجات المحلية.

وبالنسبة لدول المجلس، فإن المطلوب علاوة على ما سبق أن نبدأ أولاً بإيجاد الأجهزة العلمية والمهنية المؤهلة لتخطيط وتنفيذ سياسات التنمية البشرية وان تعطي هذه الأجهزة كافة الإمكانات والصلاحيات الضرورية لتنفيذ واجباتها. كما أن هذه الأجهزة مطالبة بتبني سياسات محددة لتنمية القوة العامل الوطنية تستهدف استغلال الموارد البشرية المحلية وغرس القيم المتصلة بالعمل الجاد والانضباط وقبول الاحترافية بما يتماشى مع الأنماط الثقافية السائدة في المنطقة.

كذلك فإن تلك الأجهزة مطالبة كما قلنا بإدخال تعديلات جوهرية على أنظمة التعليم التي ظل دورها محدودا لحد الآن في الوفاء بمتطلبات مجتمعاتها من المهارات والأيدي المدربة تدريبا جيدا. كذلك تبرز الحاجة لوضع برامج تثقيفية واجتماعية تبرز أهمية العمل وقدسيته خصوصا الأعمال الفنية والحرفية التي لا تزال أعداد كبيرة من أبناء البلدان الخليجية يعزفون عنها.

أن تحسين ظروف عمل هذه الأعمال وخاصة التشريعات التي تحمي المشتغلين فيها، والأجور ومزايا الضمان الاجتماعي سوف يساعد بصورة كبيرة على جذب الأيدي العامل الوطنية للاشتغال فيها.إن هذه الجهود لا بد أن تلقى صدى ايجابيا واسعا لدى القطاع الخاص، وتدفعه للمساهمة الايجابية والفاعلة في إنجاحها لأنه سوف يكون المستفيد الأول من فتح الأبواب أمام العمالة الوطنية لتأخذ مكانها الطبيعي في التنمية.

إن التنمية البشرية سوف تبقى تمثل المعضلة الرئيسية أمام التنمية في الدول الخليجية وبالتالي أمام محاولات تشغيل العمالة الوطنية، ولا بد من مجابهتها مجابهة جادة وعلمية تحقق استجابة للتحولات العالمية من جهة وتستجيب لمتطلبات تسريع عجلة التنمية في هذه الدول من جهة أخرى. إن وضع إستراتيجية خليجية للتنمية البشرية تمثل احد الأشكال الطموحة التي يتطلع الكثير من أبناء المنطقة لرؤيتها في حيز التطبيق الفعلي مستقبلاً.

كاتب ومحلل اقتصادي