لا يزال خبراء الاقتصاد العالميون يشعرون بالقلق بشأن إمكانية تخفيف حدة الفقر العالمي، وبغض النظر عما يتبرع به أو ينفقه بيل جيتس أو وأرين باخيت أو بيل كلينتون أو بونو، فإن غالبية الفقراء سوف يظلون هكذا في كثير من الدول حسب توقعات الخبراء. ويشك سيمون جونسون الأستاذ بكلية التجارة بمعهد مساتشوستس للتقنية أن هذه التبرعات والمساعدات قد تخفف من فقر الملايين أو تمنع هؤلاء من الإصابة بأمراض فتاكة.
ويشعر أكاديميون ومعاهد وحكومات بالدهشة للتطور الذي يحدث في الصين، ويشعرون بخيبة الأمل لأن دول أميركا اللاتينية لم تحقق تقدماً في هذا المجال، خاصة لأن كثيراً منها لم تستمع لنصائح الخبراء، فيما يشعرون بالدهشة. والأسى من انتشار البؤس في إفريقيا. وقال جونسون في الاجتماع السنوي لرابطة خبراء الاقتصاد الأميركية مؤخراً إن نظرية الأمراض مفتاحها في الصحة العامة، وسجل الاقتصاد تقدماً عظيماً، لكنه لا يزال في انتظار نظريته الخاصة.
وقد يشير بذلك إلى أمراض مثل إنفلونزا الطيور ونقص المناعة المكتسبة والملاريا، لكنه لا يقصد مثالب الفهم الاقتصادي لما يجب أن تفعله الدول الفقيرة لتحقيق تنمية مستدامة. لقد تقدمت أميركا وأوروبا على بقية العالم في القرن التاسع عشر بفعل الثورة الصناعية وتطوير أسواق المال واكتشاف أدوية ومواد كيماوية جديدة. ولا تزال الهوة بين الدول الغنية والفقيرة كبيرة باستثناءات بسيطة مثل كوريا الجنوبية.
وترجع فكرة أن هناك شيئاً خاصاً في اقتصادات التنمية، إلى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما استقلت أكثر المستعمرات فقراً وريفية. وتقول آن كروجر الخبيرة الاقتصادية بصندوق النقد الدولي كان من الطبيعي أن يكون الهدف الرئيسي للنخبة التقدمية أن تحقق اقتصادات ومستويات معيشة تشبه تلك التي توجد في الدول المتقدمة.
والدول الفقيرة لديها مزارع أرز أو بن، والدول الغنية لديها المصانع. وكان المعتقد أن الفكرة هي تسريع التصنيع في الدول الفقيرة وكان يتعين على الحكومات أن تقود هذه المسيرة. لكن الوصفة لم تنجح حسب ما تمنى دعاة مكافحة الفقر، فقد تسببت أزمت في توقف عن النمو لفترات في الدول الفقيرة.وتمر الدول الغنية بأزمات أيضاً، لكنها تعود للنمو بسرعة أكبر، فيما تتعثر الدول الفقيرة لسنوات طويلة عند كل أزمة، كما يقول سباستيان إدوارد الخبير الاقتصادي بجامعة كاليفورنيا.
والبعض يفسر ذلك، مثل كروجر، بأن حكومات دول العالم الثالث طبقت مبادئ اقتصادية سليمة بأساليب خاطئة ودون اهتمام بالواقع الحقيقي. فكانت تبدو سياسات مثل تعزيز الصادرات وحماية الصناعات الوليدة من الواردات جيدة، لكن الفساد والصناعات المنقوصة شكلت مصالح سياسية ومراكز قوى أعاقت التغيرات اللازمة.
وهناك رأي آخر يقول إن الدول الفقيرة طبقت نصائح سيئة ودفعت الثمن، لكن خبراء العصر الحالي أكثر معرفة من سابقتهم. ويقول إدوارد (جامعة كاليفورنيا) ليس لدينا وصفات جاهزة لكنا نعرف المكونات أو التركيبة وهي عبارة عن عمالة متعملة ورأس مال متراكم واستثمار ذلك على نطاق واسع وتحسين الإنتاجية . ويعترف إدوارد بأن خبراء الاقتصاد هم الأفضل في تشريح وتحليل قصص النجاح، ومنها الصين، وتحديد أسباب نجاح كل حالة على حدة، وليس التعميم لتقديم وصفة للدول التي تناضل من أجل رفع مستوى المعيشة.
والرأي الثالث لعدم نجاح الدول الفقيرة هو أن الاقتصاديين السابقين ركزوا على خيار خاطئ، ويؤكد جونسون أن الأهم أن يكون هناك مؤسسات سياسية وقانونية واقتصادية قوية وحقيقية، وضرب أمثلة بالمحاكم والبنوك المركزية والبيروقراطية النزيهة وحقوق الملكية، مما يعين رجال الأعمال على الازدهار والنجاح، وتطبيق أي سياسات اقتصادية جيدة وناجحة في بيئة يغلب فيها الفساد وعدم الكفاءة في الحكومات لن يجدي نفعاً، ولابد من بناء مؤسسات قوية قبل كل شيء.
وهنا يثور الجدل حول من يجب أن يولد أولاً المؤسسات أم المتعلمون الذين ينشئون هذه المؤسسات، فهل كان الدستور الموحد هو سبب نجاح أميركا أمام أناس أمثال جيفرسون وماديسون وهاملتون. ويحتمل أن يؤدي التقدم التقني وانتشار الأسواق إلى تعزيز الدخل العالمي العام خلال 25 ـ 50 سنة المقبلة.لكن جونسون لا يزال يحذر من أن أكثر من نصف سكان العالم لن يشاركوا في ذلك بقدر كامل إلا إذا وجدوا وسيلة لتوزيع الرخاء بشكل أفضل ليشمل الدول الفقيرة.
ترجمة: أشرف رفيق