شارفت أيام مهرجان قرطاج السينمائي على الانتهاء، في ظل منافسة حامية بين الأفلام المشاركة في المسابقات المتنوعة، والاحمى من حرارة المنافسة، التهاب الجمهور السينمائي التونسي المتابع بكثافة لكافة العروض، خاصة الأفلام التونسية الجديدة في المسابقة الكبرى، مثل عمل النوري بوزيد «آخر فيلم»، وعرف بوزيد بأعماله الجريئة منذ ثمانينات القرن الماضي، في طرحه لقضايا اجتماعية ملحة،
من دون وجل أو خجل عن إظهار عري قضية ما أو روح ما، ولا مانع من تصوير عري لجسد ممزق، تمزق اطر الواقع بأبعاده السياسية وغيرها، كما هو في عمله الجديد «آخر فيلم» يكشف عن مقولته في مقابل مقولات وشعارات يرفعها البعض، بشكل تكراري من دون مراجعتها أو حتى التفكير بها ثانية. يطرح نوري بوزيد في هذا الفيلم قصة شاب تونسي يتمتع بحيوية وشجاعة وبالطبع يقض مضجعه الفقر وغياب المستقبل وأوضاع اقتصادية «متخلفة»، يفشل بأن يهاجر، فيقع فريسة لخطاب التطرف وبين عالمين يريدان السيطرة عليه واستخدامه، أداة لمشاريعهما. فلا يتوانى المخرج بوزيد من الظهور أمام الكاميرا محاورا ممثله المتمرد، ومفسرا موقفه ورؤيته للدين والسياسة فيقول بفجاجة «لا أريد للدين أن يتدخل بالسياسة»، ومقولات مسطحة ومتسرعة كهذه، لم تكن ضرورية وبدا توظيفها الفني كما لو أنه مقحم، مع أن حركة الكاميرا خارج حضور المخرج إلى الكادر، فانتازيا، وجميلا، يتنقل خفيفا بين لقطاته، المشبعة لغة بصرية ساحرة، وخاصة،
بمعنى أن ليس لها مرجعية، وكذلك المونتاج الدقيق، ترك الشريط جسدا واحدا، في فضائه عناصر تؤدي دورها المستقل من جهة وذات علاقة متينة ما بينها، كما الكادر ممسوك بأوزانه اللونية، وفي الضوء والظل، وفي المشاهد الداخلية والخارجية، مع إدارة للمثلين بحرفة مشهودة، جعلت من النوري بوزيد من خطف الجائزة الكبرى، كون فيلمه الأقوى بين الأفلام المتنافسة.
أفلام فيديو في المسابقة وخارجها
يتنافس في مسابقة أفلام الفيديو 14 فيلماً، ويعرض مثلها بزيادة واحد خارج التنافس، اي29عملا منتقاة بعناية واضحة فجميعها جيدة ومتفاوتة القيمة الفنية نسبيا، أبرزها داخل المسابقة فيلم المخرجة الفلسطينية مي المصري تحت عنوان «يوميات بيروت:حقائق وأكاذيب»، يدور حول التظاهرات التي خرجت في شوارع بيروت في الأيام التي تلت اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري،
والتقاء الشباب اللبناني حول هذه القضية المنبوذة لأيام معدودة، ثم تفرقهم سريعا، وعودة كل فريق إلى حظيرته الطائفية، التي تصنع من هذا البلد الجميل بلادا، يلعب الخارج فيها دورا مقررا، ينصاع إليه الداخل كأن لا حول له ولا قوة. العمل حيوي، تسجيلي للحظات آسرة بمعانيها العميقة المؤشرة، وهو يستحق الجائزة الأولى عن فئته.
«البنات دول»من مصر إخراج تهاني راشد، (مدته 62 دقيقة)وثائقي عن الفتيات اللواتي يتحدين واقعهن اليومي القاسي والمرير، في مجتمع يهمشهن، إن كن متزوجات أو مطلقات أو عزباوات فلا فرق، فالحاضر الضاري أعلى نبرة من ضحكاتهن. فيلم رقيق عن «رقتهن» المخبوءة خلف قضبان المجتمع الذكوري. ومخرجته لا تبدي حيادية بقدر ما تنغمس بتعاسة بنات بلدها، وهي عارفة كيف تمنتج الصورة.
«أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها»إخراج مشترك بين هالة العبدالله وعمار البيك، شاهدته في برنامج «آفاق»في الدورة الأخيرة لمهرجان البندقية، إيقاعه «التقريري» أثقله، يرتكز على أفكار مكررة كثيرا، وخلاصاته ليست افتراضية، وبدت كوصفات جاهزة ممجوجة وقاتلة.
«فنانو المسرح المحترق»)28 دقيقة)إخراج ريثي بأنة من كامبوديا، من العروض خارج المنافسة، تدور أحداثه حول كامبوديا التي تبدو منكسرة الأحلام، لغياب الفن من أجوائها، من مسرح، وموسيقى اشتهرت بها سابقا،العمل شاعري ويطرح أسئلة وجودية كثيرة، عن ماهية الحياة خارج لحظات الفرح «نهر البارد»(تونس)إخراج شاكر عيادي، عن مخيم اللاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان(متوسط)، «على نهجي»(الجزائر)إخراج رشيد جيداني، الذي يصور مراحل تأليفه لرواية جديدة، اختياره من ضمن أفلام مسابقة الفيديو غير موفق.
«القرارالأخير»(الكاميرون)إخراج بريترون نوهوتيو(متوسط). «تاريخ نساء»(تونس)إخراج فريال بن محمود، يدور حول انفصام المجتمع بين القوانين التي تساوي بين الرجل والمرأة في تونس، والعادات والتقاليد والسلوكيات التي تمنع من ذلك. فيلم أكثر من جيد بموضوعه وفنياته.
تونس ـ حسين قطايا