قد تبدو مسألة إدارة منشأة محدودة المسؤولية أمراً مرهقاً لرجل في منتصف العمر..، فما الأمر إذا كانت تلك المنشأة شركة لأعمال لا منافس لها من حيث الحجم والضخامة.
ورغم أن جاك ولش المدير التنفيذي لشركة (جنرال الكتريك) لا يعترف بذلك .. فالفخر يغامره كون شركته هي مصدر حسد للشركات المنافسة في طول العالم وعرضه إلا أنه ليس من النوع الذي يفاخر بما لديه.
قال ولش في نهاية سنة (1997م) (ديسمبر): «لست مرتاحاً إطلاقاً، إلى ما وصلنا إليه اليوم»، هل يعني ذلك أنه ليس مرتاحاً لما حققته (جنرال الكتريك) من نجاح، والتي حولها إلى أكبر شركة ديناميكية، في (الولايات المتحدة)؟ وهل هذا تواضع زائف من جانبه؟ ليس الأمر كذلك، إن ما يقصده هو أنه لا يستطيع الاستكانة على أغصان الغار التي تكلل هامة شركته، انه لو استكان، لاعتبر نفسه ميتاً! ففي وقت سابق كانت (جنرال ألكتريك) (ولش) على رأس أكبر مئة شركة.
و«جنرال إلكتريك» التي كانت واحدة في سوق «الولايات المتحدة»، منذ سنة «1993م»، لديها قيمة سوقية بمبلغ «240» مليار دولار، في نهاية «3 ديسمبر 1997م»، أي بزيادة «50» مليار دولار، عن الشركة التي تليه في العالم، وهي «رويال دتش/شيل». وفي «مارس 1998»، ارتفعت القيمة السوقية «الجنرال إلكتريك» إلى «250» مليار دولار.
وأكثر من ذلك فإن «جنرال إلكتريك»، كانت تحلّ في المرتبة القريبة من القمة، بالنسبة لتحقيق الأرباح، ففي الربع الأول من سنة «1996م»، بلغت أرباحها «1 ,76» مليون دولار، أي أكثر من «65 ,1 مليار دولار»، مما حققت الشركة في سنة «1981م»، وهي السنة التي تولّى فيها «ولش» العمل، كرئيس لمجلس الإدارة والمدير التنفيذي، أما أرباحها في الربع الثالث والبالغة «01 ,2» مليون دولار.
فقد فاقت الشركات الأميركية، حيث كانت أرباح شركة «إكستون» 82 ,1» مليون دولار و«انتل»، «574 ,1 مليار دولار»، وفي سنة «1996م»، كانت «جنرال إلكتريك» في أفضل أحوالها، حيث ارتفعت فوائدها، إلى رقم قياسي بلغ «79 ,2» مليون دولار، أي بزيادة «13» على عوائد السنة السابقة، وارتفعت أرباحها بمقدار «11» أي إلى رقم قياسي هو «28 ,7» مليارات دولار.
ولدى عودة «ولش» إلى العمل في سبتمبر، أخذ في الإشراف على برنامجه الكبير، والذي يشمل الشركة على امتدادها، ويهدف إلى تحسين عمليات، ومنتجات «جنرال إلكتريك»، وتوفير مليارات الدولارات، وهو فخور بهذه المبادرة، وإن موظفيه البالغ عددهم «270» ألفاً، يقومون بهذا البرنامج بكل حماس، وإن الدلائل الأولية على نجاح البرنامج، وما حققه تفوق ما توقعه بكثير.
إنه لم يخترع مفهوم جودة العمل، ولكن بالاستماع إليه، يعتقد المرء أنه هو الذي فعل ذلك، وهذا هو «ديدن جاك ولش»، فإنه إذا أحب فكرة احتضانها بكل قوة، كما يفعل الداعية الملتهب حماساً، وهو يلقي موعظته المفضلة. وإنه إذا أحب فكرة جعلها فكرته!
كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ كيف لرجل يلعب «الغولف» مع الرئيس، والذي يدير أكبر شركة للأعمال على وجه الأرض، والذي يبدو مناسباً جداً لعمله رغم تقدمه في السن، أن يفكر في ترك منصبه في سنة 2000؟ إن الجواب على ذلك في نظام التقاعد، لدى شركة «جنرال الكتريك» التي تحيل موظفيها على التقاعد، عند بلوغهم سن الخامسة والستين.
ومع ذلك فإن من يلقى «جاك ولش» وينظر إلى مشيته الوثابة، ويستمع إلى نبرات صوته القوية، يستنتج أن رئيس شركة «جنرال الكتريك» يزداد حيوية، وأنه بعيد عن التنحي عن منصبه، ورغم أنه قد أجريت له عملية القلب المفتوح، قبل عامين إلا أنه يضج بالحيوية والطاقة.
ورغم أن أسارير وجهه، وانحسار شعر رأسه، يكشف عن تقدم في السن، إلا أن حركته وقوته العضلية وجسمه القوي، وطوله البالغ 5 أقدام و8 أنشات، تجعله لا يزال يبدو لاعب «الهوكي» القوي، الذي كان عليه في سالف الأيام، ولو أريد القيام بفيلم، يصور حياة «ولش» فإن أفضل من يقوم بالدور هو ممثل «هوليوود» «روبرت دو فال». ويفيض وجه «ولش» بتعابير مختلفة، فتعلوه المشاعر الدافئة، والابتسامة الجذابة، الدالة على الشوق، عندما يحب شيئاً يسمعه، ويعلو وجهه العبوس، وتتحجر نظراته، إذا سمع قولاً غبياً.
ورغم جراحة القلب المفتوح، التي أجراها وكان يعمل ساعات طويلة، ويجري مكالمات تلفونية لا حصر لها، مع موظفيه، ويزور الشركات التابعة لـ «جنرال الكتريك» حول العالم، ويراجع التحليلات المالية، ويلتقي أعضاء مجلس الإدارة والصحافيين «ومع مؤلف هذا الكتاب»، وآخر من يغادر مقر الشركة.
ويعتقد «ولش» أن رجال الأعمال العظماء، يجب أن تكون لديهم: شحنات كبيرة من الطاقة، وأهم من ذلك، أن تكون لديهم، المقدرة على أن يستخدموا تلك الطاقة، لشحن الآخرين، وهو مثل مدرب كرة القدم، يتحرك من مكان حاملاً تلك الرسالة.
تعلم، تعلم، تعلم!
إن آخر أسرار علم الإدارة هو ـ اكتشف أفضل الأفكار واعمل على تنفيذها ـ وهذه العبارة تأسر (جاك ولش).
تعلم دائماً، لا تستعل، وتدعي أنك تعلم كل شيء، فليس العلم وقفاً عليك، وإذا كان هناك شيء يغيظ (جاك ولش)، في مجال الأعمال، فهو استعلاء بعض المديرين القدامى، والذين لا يسأمون من القول: إنه ليس هنالك شيء جديد يتعلمونه.
أما (ولش)، فهو يفكر على نحو مختلف، فهو يفترض: أن الإنسان يستطيع أن يتعلم شيئاً جديداً، من شخص ما، أو من قسم آخر أو حتى من منافسيه، وخاصة المنافسين.
ويعمل على خلق ورفد وبناء: ما يسميه ثقافة التعلم في (جنرال الكتريك) وهو يحب هذه العبارة، ولا يكف عن التحدث عنها.
ويقول (ولش) عن هذه الثقافة: إنها أفضل طريقة لاستئصال الأساليب القديمة، غير المرغوبة من (جنرال الكتريك). فإذا لم تكن الأفكار والأساليب مرغوبة، فهي ليست جديرة بالمتابعة.
ليس لرئيس (جنرال الكتريك) السابق شجون، تمنعه من دفع «جنده»، لمسح رقعة الشركة، بحثاً عن الأفكار الجيدة، ودراستها وحقنها، في شريان حياة الشركة العملية. إن أي فكرة جيدة، كما يقول، هي جديرة بالتبني، والمتابعة من أي مصدر جاءت، وسواء من (جنرال الكتريك)، أو من (وول ستريت)، أو (موتورولا) أو (متسوبيشي)، ويستخدم (ولش)، عبارة أنيقة، للتعبير عن ذلك، فيصفها بالانتحال المشروع.
ظاهرياً، يبدو شاذاً أن يشجع (ولش) زملاءه، على البحث في أي مكان، عن أفضل السبل لإدارة العمل، على اعتبار أن (جنرال الكتريك)، هي أقوى شركة في (الولايات المتحدة). وكانت لعقود من الزمن، قبلة رجال الأعمال الآخرين، لاستلهام أفكارها، واستراتيجياتها، وكثيراً ممن عملوا معها، أصبحوا الآن مديرين، لأكثر من (500) شركة أخرى، حيث هيأت لهم فرص التدريب، ليصبحوا كذلك.
اتصل ثم اتصل ثانية!
إن قدرة (ولش)، على إحداث ردود فعل مثيرة، لدى الآخرين، على الأفكار المدهشة، التي يطرحها، يفسر لنا النتائج العظيمة، المتولدة عن تلك الأفكار. إنه موصل للأفكار، بدرجة ممتازة. ولعل من أعظم أسرار نجاحه، في الإدارة، هو قدرته الفذة، على خلق الحماس، في موظفيه، فهو يعلم: أنه ليس بكاف، إثارة أو طرح فكرة ما، مع موظفيه.
وهو ليس من السذاجة، بأن يعتقد أن الـ (000 ,270) موظف لديه، سوف يستوعبون أفكاره، منذ الوهلة الأولى، ويدرك أن لا بد من تكرار الفكرة، حتى ترسخ في الأذهان، والدليل على وصول تلك الأفكار، هو الاحترام العظيم، الذي جلبه له النجاح، الذي حققته شركته.
وأصبح مجرد اعتناق «جاك ولش» لفكرة ما، دليلا على أهميتها. وكما يلاحظ «ديليو ماك بيرني» رئيس قسم المحركات، أن ما يخلق الدهشة، يأتي من داخله، ثم يسري في الآخرين، سريان النار فيما حولها.
إنه محفز ضخم، وهائل للآخرين، إنه ثائر، وينقل هذه الثورة إليك، فتمضي قدما، ولكنه يحافظ على البساطة، والفارق بين «شركته» وشركات أخرى، هو أن هناك أناسا أكثر، يسيرون في الاتجاه نفس، وبنفس الحماس، ولعل «جاك» يريد ان يكتب على قبره «لم أكن أذكى من الآخرين، ولكني ساعدت 000 ,270 من الناس، ليجعلوني أبدو، أكثر ذكاء من معظم الآخرين.
آخرون في الشركة كانوا جيدين في وظائفهم، وكانوا قادرين على أن يحفزوا الآخرين، ويوضحوا لهم، ولكن لم يكن لأحد منهم، حماس «ولش» إذ يبقى هو باعث الحماس الأول، في الشركة، ولا عجب في ذلك، فهو يسمي نفسه «مدير الدعاية للشركة» إنه يمتلك الحماس، والتفاؤل، ويجمع صفات مدرب كرة القدم الناجح وهي: الإثارة، النجومية والشهرة.
دبي ـ «البيان»: