تأكيداً للأهمية التاريخية والاقتصادية التي شكلها النحاس العماني منذ آلاف السنين وفي ظل الطلب العالمي المتنامي لمعدن النحاس، أعلنت سلطنة عمان عن اكتشاف عدة مناجم جديدة في منطقة الباطنة شمال العاصمة مسقط .

وذلك من خلال تنفيذ مشروع طويل الأجل تصل مدته إلى عشر سنوات وربما تزيد لاكتشاف واستخراج النحاس بعقد امتياز حصلت عليه شركة وطنية بدأت بالتنقيب وتقديم دراسات الجدوى للمناجم المكتشفة من حيث توفر الكمية وتغطيتها لتكاليف الإنتاج، حيث ان ذلك يؤكد عودة صناعة النحاس في عمان لتأخذ مكانتها في المساهمة في الناتج الإجمالي وتنويع مصادر الدخل القومي للبلاد إلى جانب قطاعات النفط والغاز والسياحة والصناعة بتعدد جوانبها.

وقد أعلنت الشركة الوطنية للتعدين عن بدء الأعمال الفعلية لاستخراج النحاس في ثلاثة مناجم جديدة في جبال ولاية شناص بشمال السلطنة منجم عجيب ومنجم عجيب الجنوبي ومنجم شناص كما أعلنت اكتشافات جديدة وبمخزون كبير للنحاس في ولاية الخابورة بمنطقة الباطنة أيضا، وكشفت كذلك عن حصولها على تصريح للكشف والتنقيب عن معدني الذهب والفضة بالسلطنة بالنسبة الصالحة للاستخراج كمخزون تجاري .

وتمثل بداية الأعمال الفعلية في استخراج النحاس من المناجم الجديدة في منطقة الباطنة وتكثيف جهود الاستكشاف لمناجم أخرى في مواقع متعددة بين سلسلة الجبال العودة مرة ثانية لنشاط ثروة النحاس الكامنة بين الصخور وامتدادا للشهرة العالمية التي حققها النحاس العماني في كثير من الأسواق العالمية المستوردة للنحاس المصفى، حيث اشتهرت سلطنة عمان منذ آلاف السنين باستخراج النحاس من جبال منطقة الباطنة وصهره وتصديره إلى الخارج.

ونظرا لأهمية معدن النحاس ونمو الطلب الخارجي عليه ومساهمته الفاعلة في تنويع مصادر الدخل القومي فقد تكثفت الجهود للتنقيب عنه وزيادة مخزونه الاحتياطي وبدأ ذلك في صحار عام 1973م أي في السنوات الأولى للنهضة الحديثة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد من خلال شركة عمان للتعدين التي قامت بالتنقيب في مناجم الأصيل والبيضاء وعرجاء في منطقة وادي الجزي بصحار.

وتكلل ذلك بالنجاح وفي عام 1983م تم افتتاح مصنع النحاس الذي من خلاله وفي منتصف العام ذاته قامت السلطنة بتصدير النحاس المصفى إلى الخارج لتحتل صادرات النحاس المرتبة الثانية بعد النفط آنذاك خاصة بعد ارتفاع كمية الإنتاج.

ومع إعلان الشركة الوطنية للتعدين عن اكتشافات لمناجم جديدة وتواصل عمليات التنقيب في مواقع أخرى فإن الشركة ستقوم بتوفير خام النحاس المركز لشركة عمان للتعدين من خلال مصنع دائرة الصهر والتصفية في منطقة وادي الجزي بصحار الذي اشترته مؤخرا الشركة الوطنية للتعدين من شركة عمان للتعدين، وذلك بعد توقف إنتاجه من النحاس المركز لحوالي عشر سنوات واستيراده من الخارج .

وقالت الشركة الوطنية للتعدين ان المناجم الثلاثة الجديدة التي بدأت بها الأعمال كان تم اكتشافها في عام 2003م بعد ثلاث سنوات من أعمال التنقيب وانها قامت خلال الشهر الحالي بعملية التفجير في منجم عجيب على بعد 800 متر عن الشارع العام باتجاه الغرب من دوار العقر في ولاية شناص، ومن المتوقع ان يتم الإنتاج الفعلي من هذا الموقع لخام النحاس المركز في نهاية العام الحالي 2006م.

بحيث تستمر مراحل التنقيب على مدى سنوات تتراوح من ثلاث إلى خمس سنوات مع العمل في البحث عن كميات أخرى في الموقع نفسه. وأشارت الشركة إلى أنها تتوقع أن تبلغ القدرة الإنتاجية للمنجم خلال السنوات الخمس القادمة 4 ,2 مليون طن من النحاس الخام و سينتج سنويا ستة عشر ألفاً وستمئة طن من النحاس الخام وبعد تصفيته ينتج خمسة عشر ألفاً من النحاس المركز.

كما سينتج المنجم مواد أخرى مصاحبة لخام النحاس من أهمها كمية قليلة من الذهب وصخور وخامات يستفاد منها في صناعات مواد البناء والإنشاءات إضافة إلى صخور جيرية وخامات الحديد والاسمنت الأبيض إضافة إلى مواد تكوينية صخرية مشابهة، هذا بالنسبة لمنجم عجيب اما منجما عجيب الجنوبي وشناص فإن الشركة لا تزال في دراسات الجدوى لمعرفة حجم الإنتاج السنوي، ولكن يمكننا القول هنا ان ذلك يؤكد عودة صناعة النحاس في السلطنة بما سيعمل على تحقيق المساهمة الفاعلة في زيادة الناتج المحلي ورفع حجم الإيراد للدخل القومي في البلاد.

إلى جانب النحاس فهناك خام آخر ذو أهمية اقتصادية يتم استخراجه من الجبال في عمان يتمثل في الكروم الذي يعتبر احدى الثروات المعدنية الكامنة بين الصخور والذي تقوم بإنتاجه وتسويقه وتصديره إلى الأسواق العالمية شركة الكروم العمانية التي أنشئت في عام 1991م بهدف استغلال هذه الثروة.

حيث تقوم الشركة باستخراج خام الكروم بنوعيه الفلزي والحراري من المناجم المتاحة في الجبال بمنطقة الباطنة مناطق رجما بولاية شناص والزهيمي بولاية لوى بكمية تصل إلى أكثر من 18 ألف طن سنويا ويتم تصديره إلى كثير من الأسواق العالمية الكبرى كاليابان والصين وبريطانيا وألمانيا وتايلاند وكوريا الجنوبية وسلوفاكيا والبرازيل وجنوب افريقيا عبر ميناء السلطان قابوس وميناء الفجيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وبحسب التقرير السنوي لشركة الكروم العمانية للعام 2005م فإن الشركة تمكنت خلال العام الماضي من إنتاج 386 ,18 طناً من خام الكروم منها 820 ,7 طنا من خام الكروم الفلزي و566,10 طنا من خام الكروم الحراري في حين بلغت الكميات التي تم تسويقها خلال نفس العام 140 ,32 طنا منها 438 ,15 طنا من خام الكروم الفلزي و702 ,16 طن من خام الكروم الحراري.

وذلك بالاستفادة من مخزون السنوات السابقة لتعزيز المكانة التسويقية للشركة على المستوى العالمي وتستحوذ على ما يقارب نسبته 10% من سوق خام الكروم الحراري حسب آخر التقارير الواردة لعام 2005م.

ونظرا لأهمية الكروم العماني وزيادة الطلب عليه في الأسواق العالمية فقد تمكنت الشركة خلال العام الماضي من تحقيق مبيعات بلغ اجماليها 508 ,439 ,1 ريالات عمانية، بزيادة في معدل سعر البيع بنسبه 14% عن سعر البيع للعام 2004م.

إضافة إلى زيادة قيمة المبيعات بنسبه 20% مقارنة بالمبيعات المحققة في عام 2004م وعليه سجلت الشركة أرباحا صافية بلغت قبل خصم الضرائب 446 ,286 ريالاً عمانياً مقارنة 197 ,157 ريالا عمانيا في عام 2004 وكانت الزيادة في ارتفاع أسعار البيع والزيادة في الكميات المباعة إضافة إلى عوائد الاستثمار من الأسباب الأساسية لزيادة الربح المحقق.

يعود تاريخ صناعة النحاس في عمان إلى حوالي ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد حيث عرف العمانيون خاصة منهم سكان منطقة الباطنة انذاك ثروة النحاس الكامنة بين الصخور، ومن خلال ذلك عرف العالم الخارجي كنوز النحاس في عمان التي سميت بمجان لشهرتها في صناعة السفن وصهر النحاس وتوسع صلاتها التجارية والبحرية، وسميت أيضا ببلاد المناجم وجبل النحاس نظرا لكثرة المناجم بها ووفرة النحاس كما أوردته النصوص السومرية.

وقد اكتشفت بعض ممالك وحضارات الثراء والرفاهية كمملكة عيلام في جنوب إيران وحضارة سومر في جنوب العراق بحسب دليل متحف قلعة صحار ان مجان هي المورد الأساسي لتزويدهم بالكميات الكبيرة التي يحتاجونها من النحاس حيث كان يتم تصدير النحاس إليهم من مناجم وادي الجزي في صحار.

ومع تزايد الطلب الخارجي فقد عمل سكان منطقة الباطنة في استخراج النحاس بكميات كبيرة لمدة 1400عام تقريبا وهو ما أعطى لهم الفرصة في إنشاء رأسمال قوي تم استثماره في التجارة البحرية خلال العصور الوسطى.

حيث كانت المناجم والمصاهر في منطقة وادي الجزي تمدهم بوفرة كبيرة من النحاس اذ تشير المصادر التاريخية إلى ان منجم عرجاء انتج من النحاس المصفى خلال فترة العصور الوسطى كمية تراوحت ما بين 48000 إلى 60000 طن وكذا الحال في بقية المناجم الأخرى كمنجمي الأصيل والبيضاء ولعل ما يؤكد ذلك وجود كثرة تجاويف المناجم وافران الصهر وبقايا خبث النحاس والدهاليز العميقة في الجبال وتحت سطح الأرض.

مسقط ـ علي البادي: