منذ خلق الإنسان وبزوغ المجتمعات البشرية، بدأت العلاقات الإنسانية مبنية على قواعد قانونية تنظم الروابط الإنسانية بين الفرد والمجتمع، ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا الكثير من الشرائع التي تعتبر أساساً لتنظيم الحياة لدى الشعوب. ويعتبر التقنين المدني الروماني والمعروف باسم تقنين جنستيان الذي وضعه الإمبراطور الروماني منتصف القرن السادس بعد الميلاد أقدم التقانين بالمفهوم الدقيق للتقنين.
ثم ظهرت حركة التقنين على مسرح الحياة القانونية، بعد غياب فترة طويلة من الزمن ،ثم تقنينات نابليون وفي مقدمتها القانون المدني الفرنسي سنة 1804. وكانت فرنسا ولا تزال في مقدمة الأمم في التشريعات القانونية.
وقد نشطت فيها حركة التقنين لسببين أولهما سيادة مذهب القانون الطبيعي في حقل الفكر القانوني وثانيهما قيام المدرسة العقلية التي تأسست على فكرة القانون الطبيعي
فقد ترتب على سيادة مذهب القانون الطبيعي القائل بوجود قواعد عامة خالدة لا تتأثر بعاملي الزمان والمكان تكون مثلاً أعلى للقوانين الوضعية وينبغي على البشر الكشف عنها بعقولهم لصوغ أحكامها فيما يضعونه من قواعد قانونية ومالها من أهمية في الاستقرار للحياة القانونية وتوطيد النظام الاجتماعي،
وأدى إلى إنكار التخوف من جمود القانون وتشجيع حركة التشريع وسن القوانين وقد تعدت هذه الحركة قريباً إلى الكثير من الدول الأوروبية فظهر الكثير من الفلاسفة وقد سرت هذه الحركة إلى العالم العربي وغيره من دول العالم الثالث.
وللتشريع أهمية في حياة المجتمعات قديما وحديث، لذا نرى أرسطو يقول الإنسان عندما ينفصل عن القانون والعدالة يصبح أسوأ الحيوانات . وبما ان القوانين هي التي تنشئ الالتزامات الأخلاقية في المجتمع إذن فالإنسان بأمس الحاجة إلى القوانين والثقافة القانونية كمعرفة ماله وما عليه.
ومنذ فجر التاريخ وجدت العلاقات الإنسانية مبنية على النظام بين الأفراد والمجتمع ، فأي مجتمع بشري يحتاج الى النظام القانوني وكل ما كان النظام دقيقا وواضحاً أصبح المجتمع متطوراً ويعيش بيسر فالمجموعة القانونية التي تحكم الروابط القانونية من نوع واحد ،
فيقال نظام الأسرة ونظام المعاملات ونظام المحاكم ونظام العقوبات وكل نظام من هذه الأنظمة يهدف إلى حكم روابط من نوع واحد ، فنظام الأسرة يعني مجموعة القواعد القانونية التي تهدف إلى تنظيم المعاملات .
والقانون كما يعرفه (اوستن) القانون يجب أن يكون صادرا من سلطة سياسية عليا والقاعدة القانونية يجب أن تكون أمراً أو نهيا موجها إلى الأفراد وان الإخلال بالواجبات المفروضة من قبل السلطة العامة يؤدي إلى فرض جزاء دنيوي توقعه هذه السلطة على من يخالف القواعد القانونية
وهو ما يسمى بالعقوبات العفوية. أما القانون الطبيعي هو القانون الذي يوجه الفعل المستقيم ويستنبطه من طبيعة الأشياء فيميز بين العدل والظلم .
ففي المجتمع المتحضر الذي يأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ويؤكد على مبدأ سيادة القانون، ليس هناك من هو أعلى من القانون، الكل يخضع لمبدأ سيادة السلطة القضائية والإيمان باستقلالها وحياديتها لإعداد عقله وتنمية ملكاته.
والإنسان مدني بطبعه إذ لا يمكن أن يعيش معزولا فهو كائن اجتماعي بسليقته لا يمكن أن يعيش إلا مع الجماعة أو في المجتمع، وبما أن الجماعة ضرورية لمعيشة الإنسان فالقانون لازم لقيام الجماعة، إذ لا يتصور قيام مجتمع بغير القانون، فالجماعة كما يعرفها علماء الاجتماع هي (الهيئة المنظمة من الأفراد) فالنظام ركن أساس لا يمكن أن نقوم بغير توفره،
والنظام معناه تيسير الأمور بشكل صحيح ،وعلى وجه مطرد مستقر ثابت ،وهذا لا يتم إلا إذا وجدت قواعد عامة يجب على جميع الأفراد الالتزام بها واحترامها. ولو بالقوة عند الضرورة ومن هنا جاءت فكرة القانون فالقانون قديم قدم الإنسان ، حيث أن الإنسان خلق وعاش دائما في وسط اجتماعي.
القانون هو الذي ينظم علاقات المجتمع بعضهم ببعض، ويرسم الحقوق والواجبات، التي عليه أن يقوم بها، أحكام سماوية، أو عرف معتبر، أو تقاليد مرعية، أو مثلا تسيطر على الأفكار أو قانون وضعي ، بالمعنى المتعارف عليه من قبل الأمم ،ولكل أمة قانون خاص بها تسير عليه في أمورها وفي معاملاتها اليومية ،
والقانون يختلف بالضرورة في أحكامه، ودرجة تهذيبه وكماله باختلاف الزمان والمكان إلا أنه مهما تباينت قوانين البلاد وتغايرت في أحكامها ومصادرها المختلفة إلا أن الفكرة التي دعت لها هي واحدة ، القانون لازم لقيام الجماعة ولازم لعيش الإنسان.
مهمة القانون لا تنتهي بتوفير وجود الجماعة ولكن يسعى لتقدمها وتطورها ويضمن سعادتها ورقيها والشعور بالبقاء يلازمه الشعور أيضاً بالتقدم والارتقاء والازدهار والعمل على بلوغ الغاية.
ومن اجل ذلك يجب أن توضع خطة مرسومة تسير عليها ويلتزم بها كل فرد من أفراد المجتمع باحترامها ولو قسرا وإجبارهم على أتباعها لأن لكل قاعدة قانونية جزاءً ما لم تتبع، ومن القواعد التي ترسم هذه الخطة يتكون القانون.
والقانون يعتبر من العلوم التوجيهية لذا يتحتم الإلمام بالثقافة القانونية لما لها من أهمية في حياة الفرد والمجتمع ، أن أية حركة تهدف الإصلاح أو تطور المجتمع،
أي مجتمع من المجتمعات البشرية لابد أن تساندها دراسات علمية والأمور العلمية والاجتماعية تحتل مركز الصدارة فيها وعلى رجال الاجتماع تشخيص الظاهرة الاجتماعية لغرض إقرار قواعد قانونية تحد من حق الحالة وتقييدها مثل الطلاق. اذا على رجال كل علم معين تقدير الحالة ،
وتقدم حقائق واقعية لرجال القانون ، مبنية على أسس علمية دقيقة ، وعلى ضوء ذلك ووفق تلك الحقائق تلغى القوانين الفاسدة التي لا تتناسب وواقع المجتمع في تلك الفترة ، او ذلك المكان لتحل محلها قوانين اكثر تمشيا مع الحقائق ومن اجل تطبيقها في العمل محققا الغاية المرجوة فيها فالفقيه الألماني (ارتج) يقول ان القانون إنما يهدف الى غرض اجتماعي يرجو تحقيقه ..
اذن دراسة الماضي والحاضر هي التي تحدد ما قد يحدث في المستقبل وكما يرى الفقيه الألماني (سافيتي ) زعيم المدرسة التاريخية ان القانون وليد التطورات التاريخية وما أحوجنا اليوم الى دراسة التاريخ القانوني والثقافة القانونية.
لكن هل الجهل بالقانون يعفيك من المساءلة القانونية؟ الإجابة بالقطع لا، فأنت حينما تنشب بينك وبين أحد جيرانك، أو أقربائك مشكلة ما، وتتفاقم الأزمة وتتحول إلى قضية، تجد نفسك في حالة توتر وتساؤل دائم، واستشارات قانونية لتحديد موقفك المدني والجنائي،
والتفكير المضني في كيفية الخروج من هذا المأزق بأقل الخسائر ففي القانون نجد أن المساءلة القانونية تتحدد من خلال ثلاثة بنود وهي: (1) لا عقوبة إلا بتجريم، أي أن العقوبة تقتضى وقوع جرم ما يخالف القانون، ويعاقب عليه كل من تسول له نفسه بخرقه. (2) لا تجريم إلا بنص؛ لأن النص هو الذي يحدد طبيعة الجرم وخصائصه،
ويلزم السلطة القضائية بتطبيقه، والسلطة التنفيذية بتنفيذه، والمجتمع بالالتزام به. (3) لا نص إلا بإعلان؛ لأن الإعلان هو وسيلة التعرف على سن القوانين، ولكنه ليس الوسيلة الوحيدة فهناك الكتب والمراجع القانونية والمحامون. لذا، ففي عرف القانون، جهلك بمواد القانون ولوائحه لا يعفيك من المساءلة القانونية.
لهذا فإن المجتمع مسؤول تجاه أفراده بتثقيفه بالضروري من الحقوق التي اكتسبوها من القانون ، وفي الناحية المقابلة إدراك ما عليهم من التزامات قانونية مختلفة، والاستناد بالجهل بالقانون لن يكون لأي شخص عذر يعفيه من الالتزامات قبل الآخرين.
نقطة وأول السطر ...
أعـنــدكم أنـباء مـن أهــــل (لبنان) فـقد سـرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قـتلى وأســرى فما يهتز إنسان
dr.jamal@dc.gov.ae