تواجه الشركات في المنطقة منافسة متنامية بفعل تطلّب العملاء والضغوط المتزايدة لتحقيق الربح. إنّ اعتماد مبدأ الخدمات المشتركة في أنظمة التشغيل المعتمدة في يومنا الحالي خطوة واعدة تسمح بتوفير قد يبلغ حدّ 40% من التكلفة الإجمالية للوظائف المساندة، إلاّ أنّ خطوة كهذه شأنها شأن أي تغيير، تتطلّب قدراً كبيراً من المتابعة والإشراف من جانب الإدارة العليا ونهجاً منتظماً ومتكاملاً لإدارة التغيير.

وقد كانت ثمانينات القرن الماضي مرحلة الذروة في لامركزية الشركات. إذ سارعت كبرى الشركات العالمية، الحريصة على تفكيك مقرّاتها الرئيسية المثقلة بالموظّفين، إلى إسناد الخدمات الحيوية، كالموارد البشرية والمالية والمشتريات وتقنية المعلومات، إلى وحدات عمل قائمة بذاتها أصبحت مسؤولة عن تحقيق الربح. وحلّت وحدات العمل المستقلّة هذه محلّ المقرّ الرئيسيّ الذي كان في ما مضى مركز السلطة والنفوذ.

إلاّ أنّ هذه التجزئة حالت دون توحيد معايير العمل والإدارة والاستفادة من وفورات الحجم الكبير. وفي منتصف التسعينات، تنبّهت الشركات إلى هذا الخلل فعمدت إلى إعادة النظر في نزعتها المفرطة إلى اللامركزية، ولكن ثبت لها أنّ العودة إلى المركزية في الحكم والإدارة ليست ممكنة ولا محبذّة. وإنّما التحدّي الأكبر أصبح الجمع بين الحجم وجودة الخدمة أو تكييف الخدمات وفقاً لمتطلّبات العملاء، وطرحها بأسعار تنافسية تضاهي الأسعار المعروضة في السوق. وهكذا برز مفهوم الخدمات المشتركة إلى حيّز الوجود.

* ما هي الخدمات المشتركة؟

الخدمات المشتركة آلية جديدة مساندة للشركات تقوم على ضمّ الخدمات من المقرّ الرئيسيّ ووحدات العمل في كيان مستقّل فعاّل قادر على منافسة المتعهدّين الخارجيّين. تحدّد الجهة الطالبة في الشركة احتياجاتها بموجب هذه الآلية، ويتولّى مقدّم الخدمة تلبيتها ويتمّ في مرحلة محدّدة تقييم أدائه. هكذا تصبح الخدمات المشتركة وحدة عمل مستقلّة تتمّ إدارتها كمتعهّد خارجيّ تربطه علاقة مباشرة بعملائه: المقرّ الرئيسيّ ووحدات العمل المسؤولة عن الربح.

يقول إبراهيم الحسيني، وهو نائب الرئيس لدى شركة بوز ألن هاملتون، في هذا السياق «إنّ الخدمات المشتركة هي العنصر الثالث من العناصر التي تكوّن نظام التشغيل في الشركات، وأول العناصر هذه مقرّ رئيسي فعّال يركّز على السياسات ونظم الإدارة وثانيها وحدات عمل تركّز على النموّ والرّبح».

يسمح تطبيق الخدمات المشتركة بتوحيد أساليب العمل والتخفيف قدر الإمكان من ازدواجية المهام وتضخّم عدد الموظّفين. يتمّ تكييف مستويات الخدمة وفقاً لاحتياجات وحدات العمل وتُحدّد ميزانيات التشغيل بناءً على احتياجات الجهة الطالبة، ممّا يسمح بتحقيق وفورات كبيرة. وتسمح الخدمات المشتركة لوحدات العمل بالتركيز على ابتكار المنتجات وصنعها وبيعها، وتتيح بناء القدرات الأساسية في مراكز الخدمات المتخصّصة للوظائف المساندة.

ويشرح رائد قمبرجي، وهو مستشار أول لدى بوز ألن هاملتون، «إنّ الخدمات المشتركة، إذا ما تمّ تطبيقها على الوجه الصحيح، تجمع بين مميّزات المركزية التي تضمن تحقيق وفورات الحجم الكبير ومراكز الامتياز، واللامركزية التي تتمّ بموجبها إدارة آلية تقديم الخدمة من خلال عقود خدمات محدّدة مع العملاء».

وقد برز مفهوم الخدمات المشتركة أولاً في الشركات «الحاملة للأصول» في قطاعات التصنيع والنفط والغاز والطاقة والاتصالات التي كانت من أولى القطاعات التي نظّمت فيها الشركات هيكلياتها في وحدات عمل مستقلّة تمهيداً لتجزئتها وبيعها جرّاء فتح الأسواق للمنافسة. وغالباً ما كان كبار المسؤولين في مثل هذه الشركات يختارون إنشاء وحدة للخدمات المشتركة ضمن الشركة لإحكام المراقبة والإمساك بزمام الأمور.

ويتذكر الحسيني في هذا الإطار قائلاً: «من أوائل عملائنا الذين انتقلوا إلى الخدمات المشتركة إحدى كبرى شركات النفط والغاز في الولايات المتحدة الأميركية، ولم نفلح في إقناعها بتلزيم أي من الوظائف المساندة التي انتقلت إلى الخدمات المشتركة».

أمّا شركات الخدمات مثل المصارف وشركات التأمين وشركات الرعاية الصحيّة فسلكت الاتجاه المعاكس وقامت بتلزيم أكبر قدر ممكن من الوظائف المساندة إلى متعهّدين خارجيّين مستخدمةً أقل عدد ممكن من الموظّفين ومعتمدةً على السوق الخارجية.

* الشركات العاملة في المنطقة

الشركات في الشرق الأوسط، كغيرها من الشركات العالمية، تبنّت مبدأ الخدمات المشتركة. وغالباً ما تترافق الخدمات المشتركة مع إنشاء نظام لتخطيط الموارد (ERP) على المستوى الشركة أو المؤسسة ككلّ. ويفيد منصور الخربوش، وهو نائب الرئيس للخدمات المشتركة ومسؤول عن تطبيق برنامج (SAP) في شركة سابك، وهي إحدى عميلات بوز ألن هاملتون، «في إطار تصميم نظام ERP SAP، تبدّت لنا أهمية اعتماد مبدأ الخدمات المشتركة لنجني الحدّ الأقصى من منافع هذا التحويل».

والواقع أنّ نظم (ERP) تسهّل تطبيق الخدمات المشتركة إذ تسمح بتنظيم النشاطات وتوحيدها وتبسيط إجراءات العمل وتحقيق المكاسب الناشئة عن وفورات الحجم الكبير. ويضيف السيد الخربوش: «إنّ عدم اقتران الخدمات المشتركة بنظم (ERP) يحول دون تحقيق المنافع كاملةً ويحتّم على المؤسسة اتخاذ عدد من مبادرات التغيير غير الضرورية في فترات متكرّرة».

كانت وحدة المشتريات من أولى الوحدات التي تمّت مركزتها في الشركات إذ إنّ المنافع غالباً ملموسة بالنسبة إلى الإدارة وقابلة للتحقيق بسرعة. وبالرغم من الحسنات العديدة، غالباً ما يسود التوتّر خلال المراحل الأولى من توحيد منهجيات العمل داخل المؤسسة.

وفي رأي أحمد القطعي، وهو مدير مشروع تطبيق الخدمات المشتركة في سابك «إنّ الانتقال في العقلية ونمط التشغيل من إدارة مشتريات مركزية إلى أخرى مبنية على مبدأ الخدمات المشتركة ضمن الشركة ينطوي على تحدّيات كبيرة. ولكن حينما يتمّ الانتقال، تجني الشركة منافع الخدمات المشتركة في فترة وجيزة جداً».

بعد مرحلة أولية من التجربة والاختبار، تتجّه الخدمات المشتركة في الشركات في الشرق الأوسط أكثر فأكثر نحو تلبية احتياجات الجهات الطالبة ويتّسع نطاقها ليشمل وظائف أخرى مثل المحاسبة والموارد البشرية وتقنية المعلومات والخدمات العامة.في سياق الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وحرصاً على تفعيل أساليب التشغيل وأنماطه، تحتل الشركات السعودية الصدارة في الخدمات المشتركة فتصبّ تركيزها على التنافسية وعصر النفقات.

وتحذو حذوها مجموعة من الشركات في بلدان شرق أوسطية أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة، مستفيدةً من مواقعها الجديدة كمحاور لمراكز الاتصال والتدريب لكبرى الشركات الدولية. وبالرّغم من أنّ الشركات في البلدان هذه سريعة التعلّم وبرغم بروز مراكز الخدمات فيها، لا تزال مجالات تلزيم الوظائف المساندة إلى مقدّمي خدمات مستقلّين دون مستوى التطوّر المطلوب في المنطقة.

لذلك أنشأت غالبية الشركات العاملة في الخدمات المشتركة وحدات خاصة للخدمات المشتركة داخل الشركة من أجل تلبية احتياجاتها من الوظائف المساندة. ويتوقّع الحسينيّ أنّ «محور تركيز الجيل المقبل في الخدمات المشتركة في المنطقة سيكون التلزيم وتوسيع نطاق وحدات الخدمات المشتركة ليشمل العملاء من خارج الشركة».

كثيرة هي منافع الخدمات المشتركة وقد تصل الوفورات إلى حدّ 40% من التكلفة الإجمالية للوظائف المساندة. والمصدران الرئيسيان هما ترشيد القوى العاملة (60 ـ 70% من مجموع الوفورات) والمنافع العملية مثل تفعيل أساليب العمل وتحسين القوى الشرائية (30 ـ 40% من مجموع الوفورات). إلاّ أنّ المعوقات أمام تحقيق الوفورات هذه تتمحور حول العوامل التالية:

ـ مقاومة التغيير: لا تتقبّل الشركات في المنطقة التغيير سريعاً، الأمر الذي يطيل الفترات الانتقالية ويؤخّر تحقيق الوفورات.

ـ فقدان السيطرة: غالباً ما يقاوم عملاء الخدمات المشتركة - مقرّ الشركة ووحدات العمل الاستراتيجية على حدّ سواء ـ فقدان السيطرة على الوظائف المساندة، خصوصاً إذا لم يكن لوحدة الخدمات المشتركة رصيدها السابق وإنجازاتها السابقة في هذا المضمار .

ـ الموارد الفائضة: من الصعب ترشيد الموارد الفائضة في المنطقة مقارنةً بالبلدان المتقدّمة بالنظر إلى القيود الاجتماعية والاقتصادية والثقافية .

ـ توفّر المعلومات: في غياب المعلومات التاريخية كنقطة انطلاق للمقارنات، تقابل الشركات في الشرق الأوسط صعوبات كبيرة في قياس منافع الخدمات المشتركة لا بدّ من وضع تقرير مفصّل شامل وواضح الجوانب من أجل تذليل هذه العقبات وبيان المنافع الاقتصادية الملازمة لعملية الانتقال إلى الخدمات المشتركة.

ويفيد قمبرجي «من الضروريّ وضع تقرير مفصّل ـ يعرض المنافع وتفاصيل العمل لكل عميل ولكل مجال وظيفي ـ لضمان الحصول على موافقة الإدارة العليا والاتفاق على مستويات الخدمات والميزانيات مع الجهة الطالبة كنقطة انطلاق لقياس الأداء في المستقبل».

* حصد الثمار

انتهجت الشركات التي أصابت نجاحاً في انتقالها إلى الخدمات المشتركة عدداً من المبادئ والمعايير. فمن حيث أساليب عملية الانتقال، تشمل عوامل النجاح الرئيسية ضمان التزام الرئيس التنفيذيّ والإدارة العليا مواصلة الجهد حتى النهاية ورسم أهداف طموحة والسعي من أجل بلوغها والتواصل مع الموظّفين.

أمّا من حيث المضمون، فمن الضروريّ اختيار الخدمات الملائمة استناداً إلى إجراءات وأطر شفافة وإبرام عقود خدمات بين وحدات العمل (الجهات الطالبة) ووحدة الخدمات المشتركة (مقدّمي الخدمات). وقد تكون العقود هذه عبارة عن صفحة واحدة مقتضبة أو اتفاق مفصّل كامل. ويقول قمبرجي في هذا الإطار «من الضروريّ تفصيل العقود قدر المستطاع على مستوى الخدمات المقدّمة وشروط الدفع والمسؤوليات».

أخيراً من الجوهريّ كذلك الاتفاق على مؤشرات الأداء الرئيسية مع تحديد الأهداف، وكذلك على آلية إدارة الخدمات المشتركة مثل تشكيل مجلسي الإدارة والمستخدمين وحقوق اتخاذ القرارات وآليات الموافقة. يتطلّب أي تغيّير خطّة تنفيذ محكمة لضمان نجاحه -

وكذلك هي حال التحوّلات في مفهوم الخدمات المشتركة، كونها تؤثّر في الشركة ككلّ. إنّ الشركات التي تعي المعاني المتضمّنة هذه هي التي تجني المنافع الكبرى في آخر المطاف. ويختم السيد الحسينيّ فيقول «إنّ الهدف الأخير تغيير أسلوب العمل وذلك أمر يتطلّب وقتاً والتزاماً على مستوى المؤسسة ككلّ».

(المصدر: بوز آلن هاملتون)