أكدت دراسة علمية ان المهندس المعماري والمقاول يلعبان دوراً مهماً وحيوياً في توفير الشعور بالأمن لدى الأفراد داخل وحداتهم السكنية من خلال تصميم وتنفيذ المسكن وتخطيط البيئة السكنية، بحيث تقوي أو تضعف أواصر العلاقات الاجتماعية بين السكان ومن ثم شعورهم بالأمن، الذي يمثل قيمة أساسية لنشأة المجتمع الحضري المستقر.

وأشارت الدراسة التي نوقشت مؤخراً في المؤتمر المعماري الدولي السادس الذي عقد في القاهرة، وحصلت «البيان» على نسخة منها، إلى العوامل المعمارية المؤثرة في تحقيق الأمن في التجمعات السكنية وتوفير ما يسمى بالفراغات المحمية المحبطة للأعمال الإجرامية داخل المجمعات السكنية، عبر تخطيط الموقع السكني بطرق علمية ترتكز على تكييف النواحي العمرانية والمعمارية بحيث يتحقق عنصر الأمن في تلك التجمعات.

وتوصلت الدراسة التي تناولت نماذج عمرانية أجنبية، إلى ضرورة تقسيم المنطقة السكنية إلى مجموعات سكنية لا يتجاوز عدد وحداتها السكنية 20 إلى 50 وحدة سكنية، وعدم زيادة ارتفاعات المباني السكنية عن 4 إلى 6 طوابق، لأنها تعد من العوامل المؤثرة على توافر الأمن في التجمعات السكنية بحسب تعبيرها. وهدفت الدراسة إلى:

* مناقشة واستعراض جوانب التصميم العمراني والمعماري المؤثرة في رفع مستوى الأمن بالتجمعات السكنية، وإبراز المفاهيم التي أهملت ولم تؤخذ في الاعتبار عند تصميم وتخطيط العديد من التجمعات السكنية الجديد.

* استنباط أهم المعايير التصميمية المساهمة في خفض فرص الجريمة وتحسين بيئة الأحياء السكنية.

* العمارة والمنظومة الأمنية

للعمارة دور بارز في تحقيق هذين المترافقين ـ الأمن والأمان ـ للإنسان، وذلك من خلال تحقق دور المهندس المعماري في المنظمة الأمنية التي تشمل كلاً من الأمن ضد الكوارث الطبيعية، والأمن الإنشائي، والأمن ضد الكوارث غير الطبيعية مثل الحريق، والأمن ضد السرقة والاقتحام، وسنتناول كلاً منها من خلال نبذة:

* الأمن ضد الكوارث الطبيعية

ويُقصد به حماية المبنى من الكوارث الطبيعية كالفيضانات والسيول والمياه الجوفية والزلازل والأعاصير، وكذلك حمايته من الكائنات والحيوانات والحشرات القارضة التي تؤثر على بعض العناصر الإنشائية أو أجزاء من المبنى، مثل النمل الأبيض الذي يدمر الخشب تماماً، ويتم وضع المعالجات اللازمة في التصميم الإنشائي أو في التفاصيل المعمارية لمواجهة مثل هذه المخاطر الطبيعية.

* الأمن الإنشائي

وهي المتطلبات الخاصة بنقل الأحمال بسلام من أرضيات المبنى إلى حوائطه أو هيكله، ومنها إلى التربة الحاملة من دون إحداث انهيارات أو تصدعات تعرض سلامة المنتفعين للخطر.

* الأمن ضد الكوارث غير الطبيعية

وهو يوفر الوسائل التي تؤمِّن مستخدمي المبنى ضد الحريق، حيث يتحقق ذلك بتوفير سبل الهروب والإخلاء السريع، ومقاومة التصميم لانتشار النيران في جميع أجزاء المنشأة، وتوفير وسائل الإطفاء لتقليل الحريق، واستخدام أجهزة إنذار مبكر للحريق.

* الأمن ضد السرقة والاقتحام

والمقصود به توفير التجهيزات اللازمة وفي المواقع المناسبة لحماية المبنى ومنتفعيه من اقتحام الدخلاء والمعتدين ومن أعمال السطو والتخريب وأعمال العنف، ويشمل هذا جوانب مادية ملموسة في توفير الأمن، وجوانب أخرى غير مرئية من خلال التنمية العمرانية للتجمعات السكنية، ويوضح شكل (1) عناصر المنظومة الأمني.

ـ دور المعماري في تحقيق المنظومة الأمني

ـ معالجات في التصميم الإنشائي والتفاصيل المعمارية

ـ دراسة المتطلبات الخاصة بنقل الأحمال إلى التربة

ـ توفير أجهزة الإنذار ووسائل الإطفاء لتقليل الحرائق ومنع الانتشار

ـ توفير الحماية بواسطة الوسائل المادية التخطيطية والتصميمية

ـ الأمن ضد الكوارث الطبيعية

ـ الأمن الإنشائي

ـ الأمن ضد الكوارث غير الطبيعية

ـ الأمن ضد السرقة والاقتحام

ـ أمان

ـ أمن

ـ تحقيق الأمن والأمان داخل التجمعات السكنية

شكل(1) عناصر المنظومة

ويختص هذا البحث بدراسة دور المعماري (كمصمم ومخطط) في توفير الأمن ضد السرقة والاقتحام والاعتداء على الإنسان والممتلكات من خلال التصميم المعماري والعمراني للتجمعات السكنية، وقد اختلفت وتطورت أساليب تحقيق الأمن للإنسان عبر العصور المختلفة، وفي ما يلي عرض لأساليب توفير الأمن قديماً.

* أساليب توفير الأمن قديماً

تعددت وتطورت الأساليب التي اتخذها الإنسان لحماية نفسه عبر العصور المختلفة، حيث اتخذ الإنسان مسكناً له (أكواخ ـ كهوف ـ تكوينات صخرية) للحماية من الظروف الطبيعية والحيوانات المفترسة، وحماية لنفسه وغذائه وممتلكاته من خطر التنافس بين الناس على الغذاء.

ثم تكوّنت مجموعات بشرية لتعيش في ظل حياة اجتماعية مشتركة اتخذت من المواقع المختلفة وسيلة للحماية كأن تُقام على أرض عالية أو على جزر في الماء، أو تكون محاطة بحواجز طبيعية أو أسوار أو خنادق مليئة بالمياه، أو تحتمي بالجبال. ثم ظهرت التحصينات لتلك المجموعات التي كوّنت المدن من خلال الأسوار والأبراج والبوابات والمتاريس والقنوات والخنادق، والتي سقطت ميزتها مع ظهور البارود في أوروبا في القرن الرابع عشر، حيث أصبحت تلك المواقع هدفاً سهل المنال، مما استوجب وضع نظام دفاعي معقّد.

ونتيجة لاكتشاف قوة البخار مع نهاية القرن الثامن عشر، ثم ظهور الميكنة الآلية في منتصف القرن العشرين، تأثير بالغ الأهمية في اتساع المدن واختلاف سكانها فأصبحت ذات نسيج سكاني غير متجانس وضعفت إلى حد كبير الروابط الاجتماعية بين الأفراد، مما تسبب في كثير من المشكلات فظهرت الجريمة بشكل قوي وواضح بها مما استلزم أن يقوم المعماري بدوره في تقليل أو القضاء على فرص حدوثها. وعلى هذا سنتناول الجريمة في التجمعات السكنية ودوافعها النفسية والعمرانية.

* الجريمة في المناطق السكنية

يمكن تعريف الجريمة بصفة عامة بأنها السلوك الضار بالمجتمع، وقد اقترح أحد المختصين في دراسات السلوك في البيئة العمرانية تعريفاً دقيقاً للجريمة البيئية، بأنها السلوك الذي يجلب أو يهدد بجلب تخريب مادي أو نفسي أو اجتماعي للأفراد أو الجماعات أو المجتمعات عن طريق الإضرار بالبيئة العمرانية، ويمكن تصنيف الجرائم الواقعة في المناطق السكنية إلى مجموعتين رئيسيتين (من وجهة النظر العمرانية) هي:

* جرائم تضر بالساكنين بصورة مباشرة: مثل حوادث السرقات ـ حوادث السيارات ـ المنازعات مع الجيران أو الغرباء.

* جرائم تضر بالساكنين بصورة غير مباشرة: وهي المجموعة الخاصة بالاعتداء على البيئة العمرانية مثل الاعتداء على الحدائق والحوائط.

وتُعد السمة الرئيسية للحوادث في المناطق السكنية أن نسبة كبيرة منها لا تبلغ للشرطة، وتُعتبر من سمات الجرائم البيئية قلّة عدد المجرمين، وكبر عدد الضحايا، واختفاء المجرم، وصعوبة تحديد الجريمة، وتباين في القوة بين المجرم والضحية، والارتباط المباشر للضحية بمكان وقوع الجريمة.

العوامل المؤثرة على الجريمة في المناطق السكنية:

توجد عدة عوامل تحفز الإنسان على اتخاذ سلوك معادٍ للمجتمع بصفة عامة وهي تشمل العوامل الاجتماعية والخارجية والداخلية.

وهناك ثلاثة عناصر يجب ان تتوفر للشخص لكي يرتكب الجريمة هي القدرة، الفرصة، الدافع، لذا فإن محاولة رفع مستوى الأمن من خلال التصميم المعماري والعمراني سيؤدي إلى إلغاء أو خفض مقدرة المجرمين وفرصتهم على ارتكاب الجريمة.

وعلى الرغم من أنه لا توجد صيغة شاملة يمكن للمصمم اتباعها عند تصميم التجمعات السكنية لمنع أو إلغاء الجريمة بشكل نهائي، إلا أن هناك العديد من الحلول التصميمية التي يمكن استخدامها، لإيجاد بيئة سكنية ذات قابلية أقل لحدوث الأنشطة الإجرامية بها.

* وسائل الوقاية من الجريمة والحد منها

وتندرج تحتها الوسائل القانونية والشرطية والقضائية، ولم تثبت هذه الوسائل كفايتها حيث انها لم تتوجه إلى معالجة أسباب الإجرام والعوامل المؤدية إليه، هناك ثلاثة أساليب أساسية للحد من الجريمة هي:

* أسلوب العقاب الذي يعتمد على معاقبة المجرم بدرجة من الألم تفوق المتعة التي حصل عليها من الجريمة لردعه عن تكرار الإقدام على ارتكابها.

* أسلوب الحد من توفر فرص الجريمة الذي يعتمد على تعديل البيئة بحيث لا تهيأ للمجرم الفرص المتاحة للجريمة، وهو ما يمكن ان نسميه بالفراغ السكني المحمي وهو الهدف المرجو تحقيقه من خلال التعرف على العوامل المعمارية التي يجب على المعماري مراعاتها لتحقيق الأمن.

العوامل المعمارية المؤثرة في تحقيق الأمن في التجمعات السكنية:

وتطرقت الدراسة إلى دور البيئة العمرانية والمجتمع في تحقيق الأمن وتوفير الفراغات المحمية، ويمكن تعريف الفراغ المحمي بأنه «الفراغ الذي يمكن من خلال تحقيق الأمن ومنع الجريمة بإيجاد بيئة تنمو فيها روح الجماعية والشعور العام بالمسؤولية لتحقيق حياة آمنة،

يتولى فيها السكان حماية أنفسهم من الجريمة كأفراد وليس كمجموعة، ولا تقتصر توفير الفراغات المحمية على الفئات التي تتوفر لها إمكانية توفير سبل الحماية من ذوي الدخول الوسطى والعليا، ولكنه مرتبط بمحدودي الدخل حيث ان حمياتهم من الجريمة والحفاظ عليهم من المنحرفين هي مهمة كل مجتمع.

وللمعماري دور بارز في تحقيق ذلك الفراغ، بأن يتحاشى في تصميمه تلك الفراغات التي تدعم الأنشطة الإجرامية، فالمجرم دائم البحث عن بيئة غير حصينة، فشكل الفراغ قد يساعد على تنمية المشاركة الاجتماعية بين السكان او يعطي مزيدا من الاستقلالية او العزلة لهم،

مما يضعف المشاركة الاجتماعية بينهم فتنفك الأواصر وتضعف إمكانية تحقيق الأمن بالمنطقة. ويمكن إيجاز بعض العوامل المؤثرة على تحقيق الأمن وتوفير الفراغ المحمي في التجمعات السكنية في: التجانس ـ الحيازة «الملكية» ـ المراقبة البصرية.

* التجانس

وهو قدرة التصميم العمراني علي توفير منطقة سكنية متجانسة داخليا وخارجيا، داخليا من حيث التركيب الاجتماعي والفئات العمرية، وخارجيا مع البيئة العمرانية المحيطة بها.

* الحيازة «الملكية»

وتعد «الحيازة» حب الملكية من أهم مظاهر السلوك الإنساني، والإحساس بالانتماء للشيء، يؤدي للإحساس بملكيته فردياً أو جماعيا، وبالتالي يفرض حقوقا وامتيازات قد تكون بصفة مؤقتة أو دائمة، في حين يترك باقي الفراغ الذي لا يمكن نزعه من الملكية العامة وإضافته إلى الملكية الخاصة بدون صيانة أو تنسيق، وعندما يمتلك الانسان شيئا ماديا ويشعر بحيازته له يتولد لديه إحساسا بحقه فيه وبالتالي يدافع عنه إذا ما تعرض للخطر أو النزع.

ويلعب التصميم المعماري والتخطيط العمراني دورا هاما في تشكيل التكوينات الخارجية حتى يصبح المكان جزءا من النطاق المشترك الخاص بمجموعة من الأسر، يمكنها ان تمارس به الأنشطة التي تريد بتحكم كامل، وهذا يمنح السكان الراحة، ويعطيهم كامل الثقة لاستيقاف الغرباء وسؤالهم عن وجهتهم، مما يسهم في ردع المجرم من التفكير في اقتحام تلك المنطقة، لضمان تطوير الشعور بمسؤولية الحيازة بين المستخدمين، كما هو الحال بين المؤسسات الكبيرة والمعاهد، يفضل مشاركة المستخدمين الفعليين في عملية التخطيط، واتخاذ القرارات.

* المراقبة البصرية

وهي قدرة التصميم العمراني على توفير إمكانية المراقبة البصرية من المقيمين بالمنطقة للأنشطة المختلفة وممارسيها في الفراغات السكنية، مما يمثل ردعاً للأعمال الإجرامية، حيث يندر ان يقدم أي شخص على فعل إجرامي، أو سلوك معادٍ للبيئة العمرانية، إذا أحس أنه مراقب بصورة جيدة ممن حوله، ولتنمية فرص القدرة على المراقبة تأثير أكيد في تأمين البيئة السكنية والنشاطات الخاصة بها.

كما لها أثر واضح في تقليل قلق ومخاوف السكان، وهذا قد يؤدي بهم إلى الشعور بالنشاط وانجاز الأعمال لإحساسهم بالأمن في مكان إقامتهم مما يجعله اكثر استخداماً وتردداً عليه فيصبح أكثر أمناً، ويجب اعتبار أن توفير فرص المراقبة أو الملاحظة ليس هو الحل العام أو الشامل لمثل هذه المشكلة المعقدة، ويعتمد تأثير زيادة فرص المراقبة على ما يلي:

إذا كانت هذه المنطقة معروفة للملاحظ وأنها تقع في البيئة التي يستطيع التأثير فيها. إمكانية تمييز الملاحظ أو تعرفه على الضحية، ويتضمن ذلك القدرة على تمييز الغرباء. وقد لوحظ أن الساكنين كانوا ودودين للغاية مع الغادين والرائحين، عندما تتوفر إمكانيات المراقبة البصرية لأنشطة الجيران خارج وحداتهم السكنية،

وكان التأثير العام هو تدعيم الأمن من خلال تأكيد الذاتية الجماعية والمسؤولية نتيجة للضغوط الاجتماعية. ويمكن تحقيق الفراغ السكني المحمي من خلال الملامح العمرانية والتي تشمل تخطيط الموقع السكني عمرانيا، وتصميم الفراغات الخارجية والداخلية معمارياً وفيما يلي عرض لها.

تخطيط الموقع السكني عمرانياً:

ويمكن من خلال تخطيط الموقع السكني عمرانياً توفير الفراغات السكنية المحمية عن طريق دراسة كل من البيئة العمرانية المحيطة بالتجمع السكاني، ووضع البنايات، وتصميم الشوارع وتدرج الفراغات، وفصل أو دمج الاستعمالات، ووضوح مخطط المشروع، وحجم المجموعة السكنية، والمقياس، والطابع العمراني، وفيما يلي عرض لتلك النقاط بشيء من التفاصيل.

البيئة العمرانية المحيطة بالتجمع السكني:

إن وضع التجمعات السكنية في بيئة غير متجانسة معها عمرانياً (كأن يحيط بها استعمالات عسكرية ـ صناعية ـ مناطق سكنية مختلفة عمرانياً تماماً) عادة ما يتسبب في العديد من المشاكل الأمنية وخاصة عند حدود المنطقة السكنية، حيث تنشأ مناطق تقل فيها الحركة والنشاط مما يوفر فرصة جديدة للمتطفلين والغرباء وذوي السلوك الإجرامي لارتكاب جرائمهم.

كما يعمل وضع التجمعات السكنية الحديثة ذات الأشكال المعمارية المختلفة في وسط بيئة عمرانية سكنية ذات الطابع التقليدي المحبب للسكان في خلق فرص لأحاسيس الغيرة والحقد في نفوس ساكنيها وما يتولد عن ذلك من رفض السكان لتلك البيئة وانتشار حوادث الاعتداء على البيئة العمرانية المحيطة أو المجاورة.

* وضع البنايات

يتم من خلاله وضع البنايات بطريقة تجعل الأراضي المحيطة بها متصلة ومحددة، فيسهم في خلق منطقة مغلقة ذات ملكية خاصة، قاصرة على استخدام المقيمين فيها، واضحة المعالم لساكنيها والغرباء، ويضم الفراغ العمراني كل أنواع الفراغات بين المباني وبعضها، ويشمل كلاً من الفراغ العمراني الإيجابي والفراغ العمراني السلبي، ولكل منهما تأثيره على إحساس أو عدم إحساس السكان بالحيازة للفراغ وبالتالي خلق بيئة سكنية آمنة.

فالفراغ الإيجابي محدد الشكل والبنية، وهو فراغ مغلق جزئياً كأنه محاط بحدود مادية يوفر للناس الإحساس بالأمن ويصعب انتشار الجريمة داخله لصعوبة دخول غرباء أو متطفلين دون لفت النظر، والجريمة هنا صعبة بسبب سيطرة المباني وسكانها على الفراغ الذي يلتفون حوله والمنتمي إليهم خاصة وأن مداخله ومنافذه كلها على مرأى منهم.

أما الفراغ السلبي فيصعب تمييز شكله وحدوده، وغالباً يكون غير مستعمل ولا يوفر الأمن، حيث يسهل انتشار الجريمة داخله لتوفير سبل الهروب السريع لمرتكبي الجرائم واختفائهم خارجه سريعاً، ويمكن تحويل الفراغ العمراني السلبي المفتوح إلى فراغ عمراني إيجابي من خلال عمل حدود تساعد على خلق مناطق مدركة لتحويل الفراغ العام إلى فراغ خاص، وذلك بإحاطة الفراغ إما بحدود حقيقية كالمباني التي على شكل حرف U،

والأسوار، والجدران العالية، والأبواب والبوابات المغلقة، أو حدود رمزية كالدرج، وبعض الشجيرات، وصفوف أعمدة الإنارة، والتغيير في ملمس وشكل الأرضية، حيث تعطي للفرد إحساساً بأنه قد انتقل من مكان عام إلي مكان خاص يشعر أفراده داخله بالحيازة، كما أن وجود الغرباء به يحتاج إلى تبرير مما يقلل من دواعي وجود الغرباء به.

* تصميم الشوارع

يمكن تصميم الشوارع بالتجمعات السكنية بحيث تعوق الدخول السهل للمركبات دون منعها نهائياً، وذلك لأن تحرك المركبات يوفر نوعاً من أنواع المراقبة الطبيعية المستمرة، كما يوفر أيضاً فرصة للدوريات الرسمية من الشرطة أن تؤدي دورها وبالتالي خلق بلوكات ومناطق ذات ملكية شخصية محددة، كما أن اختراق الطرق العابرة الرئيسية التجمعات السكنية، تمكن اللصوص من العبور والمراقبة الطبيعية المستمرة،

واختيار أهدافهم دون أن تتم ملاحظاتهم كغرباء مشكوك بهم، فالجريمة وليدة اللحظة تنشأ بسبب اختلاط المرور العابر بالمرور غير العابر داخل البيئات السكنية، لذلك يجب ألا تشجع المسارات الخاصة بالسيارات أو المشاة على زيادة كثافة المرور العابر داخل المنطقة السكنية مما يهدد إحساس السكان بالأمن، ويتطلب ذلك تطبيق المعالجات التصميمية التالية:

ـ الاعتماد على كثرة المسارات مغلقة النهايات Cul-de-Sac لخلق فراغات احتوائية واجتماعية نشطة لا تشجع الغرباء على دخولها.

ـ الحد من المسارات والطرق المؤدية إلى المنطقة السكنية، بحيث تكون المداخل والمخارج واضحة وفي أضيق الحدود للسيطرة عليها.

ـ تمييز المداخل المفتوحة الخضراء العامة خارج نطاق المنطقة السكنية بحيث لا يضطر مستعملوها من خارج المنطقة أن يصلوا إليها عن طريق المنطقة السكنية، وإنما من الطريق العام.

ـ الحد من سرعة السيارة داخل المنطقة السكنية باستخدام حواجز السرعة وتجنب الطرق المستقيمة ذات المسافات الطويلة والتي تشجع على السرعة لتجنب حوادث المرور وإعاقة الهروب السريع.

ـ تجنب المسارات المتقاطعة والتي تؤدي إلى زيادة معدلات الحوادث بالمنطقة.

* تدرج الفراغات

ولقد أثبتت الدراسات أن هناك صلة بين غياب التدرج الهرمي للفراغات العمرانية وبين زيادة معدلات الجريمة، لذلك فإن مفهوم الأمن والأمان داخل البيئات السكنية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتدرج الهرمي للفراغات العمرانية، بحيث تتدرج من الفراغات العامة إلى الفراغات شبه العامة، ثم الفراغات شبه الخاصة، لتنتهي بالفراغات الخاصة والتي تخص مجموعة قليلة من السكان، وذلك حتى تتدرج المسؤولية عن كل فراغ لدى السكان،

وكذلك لتجنب النقلات الكبيرة والمفاجئة بينهم، لذلك فإن الفراغات نصف العامة والخاصة في مناطق إسكان ذوي الدخل المحدود تكون أساساً لتنمية العلاقات الاجتماعية التلقائية بين السكان وبدون مثل هذه الفراغات يصعب تنمية مثل هذه العلاقات غير الرسمية، ويؤدي تأخير تكوينها إلى انعدام الرقابة الذاتية على التجمع السكني وتنعزل كل أسرة في مسكنها مما يعطي الفرصة للمنحرفين لممارسة الأنشطة الإجرامية دون رقيب،

كما أن مرور الزائرين الغرباء خلال سلسلة من المناطق المتدرجة في الخصوصية تشعرهم بأنهم ذاهبون إلى مكان خاص جداً، ويسهم وجود هذا التدرج في إيجاد مناطق انتقالية ـ الفراغات شبه العامة وشبه الخاصة ـ والتي تعمل كمرشحات يمكن من خلالها مراقبة الغرباء، والتعرف عليهم، واعتراضهم إذا ما حاولوا القيام بأي نشاطات معادية للبيئة، واعتراضهم إذا ما حاولا القيام بأي نشاطات معادية للبيئة.

* فصل أو دمج الاستعمالات

إن وجود المحلات والاستعمالات التجارية المختلفة متداخلة مع الاستعمال السكني ومتنوعة تعطي حيوية كبيرة للمنطقة، لا تخمد طوال النهار حتى وقت متأخر في المساء وتشكل عاملاً ترفيهياً اجتماعياً مهماً لسكان المنطقة، كما أنها تسهم في تحسين المراقبة البصرية للأنشطة الحادثة في الفراغات السكنية، بينما يسبب فصل الاستعمالات تماماً إلى خلو التجمعات السكنية من السكان معظم أوقات اليوم، مما يوفر الفرصة للمتطفلين والعابثين للإضرار بالبيئة في غفلة من ساكنيها،

ويعني هذا ان الاستعمال السكني يستفيد من وجود هذه الاستعمالات التجارية من الناحية الأمنية، كما ان تواجد السكان عند المحلات التجارية تتيح لهم الفرصة للتعارف بعضهم بعضاً، كما تمكن أصحاب المحلات من التمييز بين سكان المنطقة وغيرهم من الغرباء، ولقد اعترض بعض المصممين العمرانيين على فصل الاستعمالات، حيث ان فصل الاستخدامات المختلفة كالحدائق العامة، وحدائق الأطفال،

والفراغات الصغيرة، والمساجد الفرعية، وارتباطها بالمحلات التجارية اليومية، ومسارات الحركة، المأمونة والعناصر المولدة للحياة الاجتماعية الدائمة عن المجموعات السكنية، يقلل من فرص اللقاء والتعارف بين سكان المجموعة السكنية، وعلى هذا فإنه كلما زادت الاستعمالات المختلفة في الموقع الواحد زادت احتمالات لقاء السكان بعضهم بعضاً.

وقد أظهر استطلاع للرأي في أحد الأبحاث الميدانية ان نسبة 50% من عينة السكان الذين استطلعت الدراسة رأيهم يرون أن فصل المحلات التجارية، والحدائق، والمساجد في مجموعها تسبب في الإقلال من فرص لقاء الناس، وكذلك الإقلال من فرص الاستمتاع بأوقات الفراغ خارج المنزل.

ولا يقتصر دور المسجد على كونه مكاناً للعبادة بل يمثل كياناً دينياً واجتماعياً وثقافياً متعدداً، يجتمع فيه المصلون خمس مرات كل يوم، لما فيه من نفع وفائدة في تعرف أفراد المجتمع بعضه بعضاً مما يزيد التواصل بينهم وبالتالي التعرف على الغرباء وتحقيق الأمن، ولهذا الدور الخطير للمسجد يجب الاهتمام بالمساجد الصغيرة الموجودة في التجمعات السكنية الأولى وعدم الاقتصار على وجود مسجد أو جامع واحد على مستوى المجاورة.

* وضوح مخطط المشروع

لقد وجد ان تصميم المساكن في تشابه وترتيب هندسي متكرر يثير الملل، ويسبب أكثر الضرر لنفسية السكان، وهذا للأسف لا يمكن تجنبه لأن العامل الاقتصادي في الاسكان هو الذي يحتم تكرار الوحدات، وتشابه المباني، وهذا يشكل حرماناً للناس من الوجود في منطقة اسكان بها تنوع وتنشيط للخيال والاحساسات المتغيرة التي بدونها يشعر الناس بالكآبة والاكتئاب.

كما لا يوجد في العديد من مشروعات الإسكان أيضاً ترتيب أو علامات أو إرشادات ترشد للطريق من الشارع إلى الوحدات السكنية، ويبدو المشروع متشابهاً من جميع الزوايا ومن جميع الأوجه يحاكي التصميم والنموذج المعد مسبقاً نفس ولا يوجد شيء يستطيع المقيمون في تلك الوحدات السكنية فعله في وحداتهم أو النوافذ لتغيير مظهرها وتمييزها عن بقية المبنى ليمنحوها نوعاً من الفرادة، فمعظم المقيمين يغرقون بين البيانات بالأرقام التي أصدرتها إدارة الإسكان في المخطط الأصلي للموقع، والقليل منهم يعرف أرقام البنايات من عند أنفسهم أو من خلال سكنهم بجانب مبنى معين.

* حجم المجموعة السكنية

ان الوحدة التخطيطية الأساسية بشكل عام هي المجموعة السكنية التي تمثل النواة التجميعية في تكوين النسيج العمراني للمناطق السكنية، ويعد تقسيم المنطقة السكنية إلى مجموعات سكنية صغيرة متميزة إسهاماً متقدماً لتحسين إمكانية المراقبة البصرية، وفي الوقت نفسه فإن هذا التقسيم يخدم في توفير الذاتية والانتماء تجاه تلك المجموعات السكنية.

وكلما صغر حجم الوحدة التخطيطية وقل عدد سكانها فإنها تزيد اقتراباً إلى البعد الإنساني ولكما أمكن السيطرة عليها وتأمينها زاد شعور الأفراد داخلها بالأمان. وأوصت الدراسة بألا يتجاوز حجم المجموعة السكنية من 20 ـ 50 وحدة سكنية حتى يتم اكتشاف المتطفلين والغرباء بسهولة كما يساهم هذا الحجم في زيادة الروابط الاجتماعية بين هؤلاء الساكنين، وقد ثبت ان المساحة التي يمكن ان تحقق ذلك يتراوح قطرها ما بين 100 ـ 200 متر، ويفضل ألا يزيد عدد الأفراد داخلها عن 500 فرد.

* المقياس

وقد أوضحت الدراسات ان العامل المشترك للمناطق السكنية الأقل عرضة للجريمة والاعتداء على البيئة العمرانية هو المقياس الحميم، ويمكن تعريف الفراغات السكنية ذات المقياس الإنساني بأنها: الفراغات التي تسمح أبعادها ونسبها لساكنيها بالتمييز من خلال النظر بين الجيران والغرباء.

* الطابع العمراني

الطابع العمراني هو توفير النقط البصرية (مجموعة الصفات المركبة) التي تميز مكاناً بذاته في مجتمع ما وهو عبق المكان FLAVOR OF PLACES, وهناك بعدان أساسيان للطابع العمراني:

* بعد مادي يعتمد على التفاعل بين المكان والبيئة الطبيعية والعناصر المبينة.

* بعد ثقافي حضاري وهو يتعلق بأنشطة وسلوكيات المجتمع.

وقد ظهر ذلك جلياً في المناطق العمرانية في عدة بلدان خاصة التجربة الإنجليزية، حيث تعطي العلامات المميزة في التجمعات السكنية طابعها وشخصيتها، والذي ينعكس على إحساس السكان بالانتماء للفراغات السكنية، والاستحواذ عليها، وما يترتب على ذلك من إحساس السكان بالأمن داخل البيئة السكنية، على ان تكون هذه العلامات المميزة في تجانس مع ما يحيطها من المباني وإلا فقدت قيمتها.

* تصميم الفراغات معمارياً

ويمكن من خلال تصميم الفراغات الخارجية والداخلية معمارياً التركيب الاجتماعي للسكان، والارتفعات، والفراغات ومسارات الحركة، والفراغات المفتوحة المجاورة، وتصميم كل من المداخل، النوافذ، والردهة، وسلم الحريق، وعدد السكان المشتركين في مدخل أو ممر واحد، وفيما يلي دراسة تلك النقاط بشيء من التفاصيل.

* التركيب الاجتماعي

والمقصود به هو حجم الأسر ونوعها (حديثو الزواج ـ متزوجون ولديهم أطفال ـ عزاب ـ كبار السن) والمستوى التعليمي والثقافي، ويعد وجود نوع من التجانس الاجتماعي ضرورة لتنمية الشعور بالجماعة وما يتولد عنه من إحساس بالمسؤولية والانتماء إلى البيئة العمرانية مما يشيع الطمأنينة والأمن في المنطقة السكنية،

حيث وجد ان نسبة الجرائم في المدن التي يقطنها سكان من أجناس مختلفة تزيد عن تلك التي يقطنها مواطنون من نفس الهوية، مثال ذلك نجد ان معدلات الجريمة في مدينة طوكيو باليابان أقل من مثيلتها في نيويورك نظراً للتجانس الاجتماعي بين سكان المدينة الأولى، بينما الأجناس المختلفة غير المتجانسة التي تعيش في أميركا هي السبب في الصراع الاجتماعي بها،

كما ان انعدام التجانس له علاقات اجتماعية سلبية ومشاكل عديدة أهمها فقدان الإحساس بالأمن، فإن التجانس الكامل له سلبيات حيث يظهر الأقلية من السكان بمظهر غير المرغوب فيهم مما يزيد من عزلتهم ويعرضهم لضغوط اجتماعية ونفسية، قد تدفعهم للاحتكاك العنيف مع غيرهم، والرغبة في مضايقتهم، مما يجعلهم مصدر قلق وعدم أمن للآخرين، لذا يعني البحث بتوفير قدر معين من التجانس.

* الارتفاعات

وتقول الدراسة ان معدلات الجريمة وحوادث العنف تزيد بصورة واضحة مع زيادة ارتفاع المبنى عن ستة أدوار، حيث يصبح الإنسان منفصلاً عن الأرض بعد الدور الرابع مما يؤدي إلى العديد من المشاكل مثل الضيق ـ الخوف ـ الوحدة ـ الانعزال عن المجتمع ـ اللامبالاة تجاه الانظمة البيئية ككل، مما يشجع على ارتكاب الجرائم ويفقد السكان الإحساس بالأمن « حسب تعبير الدراسة »، حيث تقوى الشعور لدى الأفراد بالغربة والعزلة وعدم المسؤولية،

وعدم الاهتمام بما يحيط بالشخص من أحداث تجري داخل الموقع نتيجة عدم شعورهم بالاستحواذ للفراغ المحيط بعدما تم فصلهم عن الأرض، ففي مدينة نيويورك زاد معدل الجرائم من 8,8 لكل ألف شخص في حالة المباني ذات ارتفاع ثلاثة طوابق إلى 2,20 لكل ألف شخص في المباني ذات الستة طوابق،

كما ازداد معدل السرقة من 6,2 لكل ألف شخص في المباني ذات الستة عشر طابقاً كما ازداد معدل السرقة من 6,2 لكل ألف شخص في المباني ذات الستة طوابق إلى 5,11 لكل ألف شخص في المباني التي يزيد عدد طوابقها عن 19 طابقاً أو أكثر.

وفي دراسة مقارنة بين مشروعين متجاورين يفصل بينهما طريق واحد في مدينة نيويورك الأول هو برونسفيل ذو مبان سكنية منخفضة من ثلاثة إلى ستة طوابق، والثاني هو فان ديك خليط من مبان من ثلاثة طوابق وأربعة عشر طابقاً (يقع حوالي 87% من وحدات الشقق في المباني ذات الأربعة عشر طابقاً)،

المشروعين متطابقين في الحجم والكثافة، حوالي 6000 شخص وبكثافة قدرها 288 شخصاً/ هكتار، وقد أظهرت الدراسة ان نسبة الحوادث في موقع فان ديك تزيد 50% على النسب التي سجلها موقع برونسفيل، وبنسبة 284% في السرقات، وبنسبة 64% في الجنايات والجنح، وبنسبة 185% في الأذى الذي يسببه الأشخاص المجرمون.

* الفراغات ومسارات الحركة

من النقاط المهمة التي يجب مراعاتها عند تصميم الفراغات العمرانية ومسارات الحركة بها هو ربطها بالأنشطة المتعددة، وتوفير أقصى قدر من مظاهر الحياة بطول المسارات يساعد في الدعوة لبقاء السكان خارج مساكنهم وقضاء أطول مدة ممكنة في تلك الأماكن المفتوحة، ولا يكتفون فقط بمجرد المرور فيها، ويتطلب ذلك عمل تغيير في اتساع الفراغات،

بواسطة تكسير الواجهات في المسقط لعمل انتفاخات في مناطق، مع تضييق النهايات حتى تتكوّن مناطق احتوائية يبطئ فيها الأفراد السير، ويقضون وقتاً أطول، مما يشجع على ذلك إضافة التفاصيل والمفروشات في هذه الفراغات المتسعة، وتغيير المناسيب في الأرضية، وعمل جيوب للأنشطة المختلفة .

إن الفراغات العمرانية التي تنبض بالحركة والحياة، تكون أكثر أمناً من الفراغات ومسارات الحركة المهجورة والخالية من المارة، حيث تكون أكثر تشجيعاً لارتكاب حوادث الإجرام، ولذلك نجد أن الناس يفضلون السير في طريق مزدحم، بينما يتجنبون السير في الطرق المهجورة ذات الجوانب الخالية البيضاء، التي تفقدهم الإحساس بالمكان والموقع، وتشعرهم بالوحدة والعزلة وعدم الأمان.

* الفراغات المفتوحة المجاورة

ويقصد بالفراغات المفتوحة المجاورة للتجمع السكني الحدائق العامة أو الأرض الفضاء، وقد اتضح أن قلة عمق تلك الاستعمالات، وميلها إلى الاستطالة، يزيد من الإحساس بالأمن داخلها حيث يتمكن السكان المجاورون لها مراقبة ما يحدث بها، وبالتالي يزيد الإحساس بالأمن في المنطقة السكنية المجاورة.

* تصميم المداخل

تحتوي الممرات والمداخل على منعطفات توفر فرصاً عديدة للمشبوهين بالاختفاء وانتظار الضحية، كذلك تعتبر الطرق الملتوية المؤدية إلى مداخل البنايات أنها أكثر خطورة حتى من وضع شجيرات في منعطفات الممرات، حيث يوفر أماكن اختباء للمجرمين المحتملين، ويعبر المقيمون عن مدى تخوفهم من هذه المنعطفات في نظام الممرات الداخلية المتصلة بالشارع والموصلة إلى ردهة المبنى،

كما تسمح المداخل المضاءة جيداً لدوريات الشرطة ملاحظة أي نشاط غير عادي يحدث في الشوارع التي تصطف المنازل والبنايات على جانبيها، فوضع المداخل الأمامية على جانبي وبطول الشارع يوفر لها مراقبة طبيعية مستمرة بواسطة المارة في الشارع، كما أن المقيمين في تلك البنايات يوفرون بدورهم للمارة في الشارع الحماية والمراقبة.

إن تقسيم المسكن وتقسيماته الداخلية وإضاءة مداخله إضاءة جيدة يشجع على مراقبة السكان لكل ما يجري فيه وهو في موضعه أفضل من المسكن الذي لا يدري فيه الساكن بما يدور في الجانب الآخر منه حيث يحجم لصوص المنازل من مهاجمة مسكن تكثر فيه احتمالات المراقبة من نوافذ البيوت المجاورة ومن احتمالات تدخلات السكان للاستفسار عن وجهته، ولذلك يجب أن توزع شبابيك المبنى بحيث تتيح للسكان مراقبة ما يجري بالخارج وبالأفنية الداخلية للمبنى.

* تصميم النوافذ

يمكن تصميم الوحدات السكنية بحيث يستطيع المقيمون فيها رؤية الممرات الخارجية، والمداخل وأماكن لعب الأطفال ومناطق الجلوس والراحة الموجودة داخل المشروع طبيعياً وأثناء قيامهم بالأنشطة المنزلية العادية، بحيث تطل النوافذ على مداخل المبنى وبذلك يطل على مناطق لعب الأطفال وأماكن انتظار السيارات، وجميع النشاطات المتعلقة بمدخل المبنى،

فيمكن للبالغين بسهولة وبشكل طبيعي ملاحظة أطفالهم، وهم يلعبون بينما يراقبون في الوقت نفسه حركة المارة أمام المبنى سواء كانوا مقيمين أو غرباء. ويمكن توفير فرص مراقبة المناطق العامة من داخل الوحدات السكنية، حيث توفر المباني ذات الممرات الفردية نوافذ تطل على الممرات وتوفر فرص المراقبة الطبيعية،

بالرغم من تعارضها مع الخصوصية، بينما تحرم الممرات المزدوجة أية فرصة للمراقبة إلا إذا كان المقيمون يستخدمون ثقوب الباب للقيام بها. وهذا يوضح لنا عدم وجود أي مشكلات أو جرائم في المباني ذات الممرات الفردية، في حين أن الممرات مزدوجة الحمولة مسؤولة عن 20% من جميع الجرائم التي تحدث داخل المباني السكنية.

* تصميم صالة المدخل

يمكن تصميم صالة المدخل بحيث يمكن مراقبتها بسهولة من خارج البناية، وملاحظة أي نشاط فيها من الشارع والمساحات الخارجية للمشروع السكني. ويعتبر تصميم ردهة مدخل مساكن حدائق هاي بريدج في نيويورك تصميماً جيداً، وفرت المراقبة لها من الخارج فتقع المصاعد في مواجهة أبواب الدخول، والتي صممت على هيئة جزء من نافذة ضخمة بحيث تكشف ما وراءها، بينما يعد مدخل مشروع برونكسدال السكني في برونكس بمدينة نيويورك غير مباشر،

حيث يلزم المقيم في هذه البنايات المرور بمنعطفين قبل الوصول إلى منطقة انتظار المصعد، وقد وجد أن معدلات الجرائم تمثل ثلاثة أرباع المعدل في برونكسدال، وثلثي المعدل في هاي بريدج، لذلك يجب على المقيمين في مساكن برونكسدال دخول البناية دون معرفة ماذا ينتظرهم في الطريق إليها حيث يكونون منعزلين تماماً في هذا المكان عن أي أحد يمكن أن يلاحظ أو يراقب ما يحدث فيها سواء من المقيمين في الوحدات السكنية أو من خارج تلك المساكن.

* تصميم سلم الحريق

لا يستخدم المقيمون سلم الحريق في الدخول أو الخروج من البناية، إلا نادراً، مما يزيد من انعزال هذا المكان، ولقد وقعت العديد من الجرائم في سلم الحريق، حيث يصبح الهرب من ملاحقة الشرطة أكثر سهولة بوجود سلم الحريق الذي له باب للخروج في الجانب الآخر من البناية، حيث قد تكون الشرطة تتبع المجرم في اتجاه بينما يهرب من الناحية الأخرى،

لذلك يفضل وجود نوافذ في حوائط سلم الحريق، ووضوح رؤيتها من الشارع، وكذلك رؤية مكان انتظار المصعد في كل دور من الشارع في الأسفل، ووضع أبواب دخول سلم الحريق والردهة الرئيسية متجاورين أو متقاربين للمدخل الرئيسي للمبنى مما يجعل مراقبة تحركات الناس في المبنى في غاية السهولة. فهذه الأماكن يمكن مراقبتها بسهولة بمجرد النظر من الأرض، فالمواقع التي يتعرض مستعملوها لمشاكل أمنية يمكن التركيز على مراقبتها بسهولة من الشارع.

* عدد السكان

يعتبر تقليل عدد الوحدات السكنية المشتركة داخل منطقة معينة أو مبنى معين، وتقليل عدد المباني التي يتكون منها أي مشروع عوامل في غاية الأهمية في نجاح خلق الفراغ المحمي، فكلما قل عدد الأبواب التي تفتح على ممر واحد أو سلم واحد، كلما زادت حماية وأمن السكان، وكلما استجاب ذلك لمطالبهم، وبالتالي زاد شعورهم بالمسؤولية تجاه هذه الخدمة المشتركة. وقد أثبتت الدراسات ان معدلات الجريمة وحوادث العنف تتناسب طردياً مع عدد الوحدات المخدومة لممر واحد، ويتراوح العدد الأمثل للممر المشترك من 2 إلى 5 وحدات سكنية.

* النتائج

من أهم النتائج التي تم استخلاصها من الدراسة ما يلي:

ـ تقسيم المنطقة السكنية إلى مجموعات سكنية لا يتجاوز عدد الوحدات السكنية التي تشكلها من 20-50 وحدة سكنية مما يسهل التعرف على الغرباء والمتطفلين بسهولة، كما يهدف هذا الحجم في زيادة الروابط الاجتماعية بين هؤلاء السكان.

ـ يفضل عدم زيادة ارتفاعات المباني السكنية عن 4-6 أدوار.

ـ عدم زيادة الوحدات السكنية المخدومة بمدخل أو ممر واحد عن 2-5 وحدات سكنية.

ـ تخصيص الأراضي للمستعملين وتقليل أبعاد الفراغات العامة.

ـ تدرج الفراغات العمرانية من العام إلى الخاص وتوفير مناطق انتقالية.

ـ دمج بعض الاستعمالات (مثل الاستعمالات التجارية والدينية والتعليمية) في بعض أماكن المنطقة السكنية وخاصة حول الفراغات شبه العامة.

ـ مراعاة المقياس الإنساني في تصميم الفراغات السكنية.

ـ تجانس الفئات الاجتماعية والطابع العمراني للمنطقة مع المحيط العمراني والاجتماعي.

ـ زيادة استخدام المناطق شبه العامة بطرق اجتماعية (ملاعب للأطفال ـ مقاعد للكبار).

ـ تمييز المجموعات السكنية بحيث تتوفر لكل مجموعة ذاتيتها الواضحة، وذلك عن طريق الألوان وتنسيق الموقع.

ـ زيادة إمكانية المراقبة البصرية للفراغات العامة عن طريق الساكنين.

ـ تجميع الشقق حول مدخل عام، فهذا التنظيم له فوائد عدة: فهو يزيد من فرص الاحتكاك مع السكان الآخرين، كما يساعد على زيادة الشعور بالمشاركة الشخصية والاهتمام المشترك، وعلى التعرف على سكان الشقق ومن ينتمي إلى التجمع.

ـ اجتناب وضع ممرات طويلة ومزدوجة غير مملوكة لأحد، ولذا لن يكون هناك أي مسؤولية تجاهها من قبل أي فرد، لعدم توافر الحيازة الفردية.

ـ تحديد حدود ملكية المشروع والمداخل والفراغات الخارجية بدقة، حيث يتضح للمشاة ما هو عام وما هو خاص بتغيير درجة تنسيق الموقع، وبإنشاء بوابات وحواجز واضحة.

ـ تصميم مبان صغيرة أو تجزئة المباني الكبيرة إلى أجزاء صغيرة.

ـ تجميع الوحدات حول مدخل الوحدة السكنية.

ـ توفير فراغ آمن للعب الأطفال، حيث يسهل رؤيتهم من قبل والديهم، فغالباً ما يكون الأطفال حلقة اتصال بين الأسر.

ـ تصميم التجمعات السكنية المخططة حول النهايات المقفلة: cul - de - sac.

* التوصيات

ـ الاهتمام بالنواحي العمرانية كأحد الوسائل المهمة لتحقيق الأمن في التجمعات السكنية.

ـ تخطيط التجمعات السكنية ذات مقياس إنساني لتوفر إمكانية زيادة الروابط الاجتماعية بين السكان، كما تولد فيهم الإحساس بالانتماء لها.

ـ زيادة الفراغات الخاصة وتقليل الفراغات العامة في التجمعات السكنية لتبعث في السكان الإحساس بالملكية وبالتالي الانتماء إلى المكان.

ـ تصميم المساكن بالكيفية التي توفر المراقبة البصرية وتمييز الغرباء عن سكان التجمع ومن ثم تحقيق الفراغات المحمية.

كتب مشرق علي حيدر