انطلقت في بداية الشهر الجاري أولى الخطوات العملية في مشروع الحكومة الإلكترونية الاتحادية ، ومن المنتظر أن تبدأ تلك الخطوات في الوزارات والمؤسسات الحكومية على صعيدين مهمين هما التراخيص الصناعية والمشتريات الحكومية حيث أوردت التقا رير أن استكمال كافة جوانب المشروع سيأتي مع نهاية عام 2003 أي بعد عامين من الآن للوصول إلى نموذج التعامل الإلكتروني الكامل سواء على المستوى الحكومي الداخلي فيما بين الوزارات والدوائر أو على المستوى الدولي خارج نطاق الدولة في تعاملات حكومة البلاد بمؤسساتها المختلفة مع الحكومات الخارجية. وقد أعلنت وزارة المالية والصناعة أن خطة تطبيق مشروع الحكومة الإلكترونية يأتي على مرحلتين الأولى تتزامن مع إعادة هيكلة الإجراءات الخاصة بالقطاع مما يساعد على رفع مستويات الإنتاج والارتقاء بمستوى الجودة والكفاءة في خدماته أما المرحلة الثانية فتتضمن ربط النظام إلكترونيا مع بقية الدوائر الحكومية ذات الصلة لتبادل البيانات والإحصاءات والتقارير إضافة إلى توفير بعض الخدمات الأخرى للأنشطة التي تمارسها إدارة التنمية الصناعية مثل قيد الرهون الضامنة للقروض الصناعية. ومما لاشك فيه أن مبادرة حكومة دولة الإمارات بتطبيق نموذج الحكومة الإلكترونية والذي كان لدبي السبق في الدعوة إليه تشكل خطوة على الطريق الصحيح نحو تأمين مستقبل البلاد على الجبهة الاقتصادية واللحاق بركب التطور السريع الذي يطوي العالم طيا بما يضمن لدولة الإمارات مكا نتها المرموقة التي طالما تمتعت بها كواحدة من أهم المراكز التجارية في العالم وأيضا الخروج بمستوى الخدمات إلى آفاق جديدة تخلق مجتمعا جديدا يقوم على أساس راسخ من ثورة المعلومات التي تجتاح جنبات العالم وتتيح بنمط غير مسبوق لكافة دوله فرصة المنافسة وتحقيق الذات. وتعتبر الحكومة الإلكترونية نسيجا متكاملا من خيوط متفرقة يجمع بينها نول نسج واحد هو تقنية المعلومات حيث يعمل على تجميع تلك الخيوط للخروج بوحدة متكاملة من الخدمات الحكومية البينية من جهة وتلك التي تربط بين الحكومة والجمهور من جهة أخرى لتكتمل صورة الإنجاز والتطوير بما يخدم صالح الوطن. وقفة تأمل ولكن لابد من وقفة نستعرض فيها هذا المشروع ومدى استعداد الدولة لاستقباله والتعامل معه فالأمر يتعدى مجرد إدخال أجهزة كمبيوتر إلى المؤسسات الحكومية أو إجراء المعاملات عبر الحاسب بدلا من نماذج العمل السابقة والتقليدية فنموذج العمل الإلكتروني يختلف في كنهه اختلافا جذريا عما سبق وإن اعتادت عليه كوادر الأعمال في شتى التخصصات خاصة على المستوى الحكومي ولابد أن نعي أن هناك محددات كثيرة ومتشابكة في معادلة الحكومة الإلكترونية التي لا يمكن أن تتم تأثيرها إلا باكتمال تلك العوامل وتفاعلها تفاعلا إيجابيا لنخرج في النهاية بنتاج قادر على دعم توجهاتنا خلال المرحلة المقبلة . والمهم في الأمر أن نرصد درجة استنفار كافة القطاعات لاستقبال ذلك الزائر الجديد وهنا لا أقصد بكلمة الاستعداد جاهزية الدوائر الحكومية فحسب ولكن الأمر يتعدى ذلك إلى مستويات أكثر تشابكا وأعمق تأثيرا فيجب علينا على سبيل المثال أن ندرك أن عنصر الجمهور أو الشعب عنصر مهم وخطير لا يجب أن نغفله فجاهزية الدوائر الحكومية أمر طيب ويدعو للثقة في فرص نجاح التجربة إلا أنه من الواجب ألا يغيب عن ذهننا ضرورة الاهتمام بالشعب والناس أي لب فكرة العمل الحكومي الإلكتروني الذي يهدف في الأساس إلى الرقي بنوعية الخدمات المقدمة للجمهور. والفكرة ببساطة تدور في بؤرتها حول سرعة الإنجاز حيث يوفر مشروع الحكومة الإلكترونية الفرصة لتسريع معدلات العمل مع التخلص من كافة المقيدات التقليدية من أوراق وأختام ومشاوير اعتاد المواطن عليها لاتمام تعاملاته مع أي جهة حكومية، في الوقت نفسه فإن هذا التطور يؤكد توفير الوقت والجهد والموارد للجهات الحكومية بما يتيح لها المجال لتوجيه كافة الموارد المهدرة سواء البشرية منها أو اللوجيستية إلى قنوات عمل جديدة أكثر نفعا وفائدة وبهذا تتحقق المصلحة لكل من الحكومة والجمهور في الوقت نفسه وبأسلوب حضاري . القاعدة العريضة وعندما نتحدث عن أي مشروع لأي حكومة إلكترونية حول العالم فلابد من استعراض أوضاع هذه الدولة من ناحية قدراتها في مجال تقنية المعلوماتية فلا يمكن على سبيل المثال أن نجد من يتحدث عن مشروع حكومة إلكترونية لا تمتلك الموارد والإمكانات التي تؤهلها لخوض هذا المشروع حيث يتطلب إقامته امتلاك قدرات معلوماتية معينة ومجتمعا خاصا على قدر من التفاهم والمعايشة مع تلك التقنية لا يشعر فيها المستخدم بالغربة والعزلة عنها وهنا تبرز الحاجة لتفعيل ما يسمى بثقافة الإنترنت بين جنبات المجتمع. ونجد أن دولة الإمارات قد اجتمعت لديها العديد من المقومات التي تبشر بنجاح مشروع الحكومة الإلكترونية الذي جاء بعد دراسة وافية ومتعمقة لأفضل أساليب تنفيذه وأنسب الخطوات لوضعه موضع التنفيذ الصحيح الذي لا يشوبه أي خلل قد يؤدي إلى تهاوي البناء ودحض فرص النجاح حيث تعتبر دولة الإمارات واحدة من أسرع دول العالم العربي نموا في مجال تقنية المعلومات وفقا لشهادة القائمين على تلك الصناعة وتمثل أرضها بيئة خصبة لنمو المجتمع الواعي الذي يتخذ من تلك البيئة محفلا لوضع أساس جيل جديد من الشباب القادر على تحمل المسئولية بوعي وقوة بامتلاكه أدوات المستقبل المتمثلة في التكنولوجيا المتطورة وتقنية المعلومات والإنترنت. وإذا ما نظرنا إلى بيئة الإنترنت نجد أن الدراسات والإحصاءات تشير إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت داخل الدولة يقدر بنحو 13 % من مجمل السكان بذلك تحتل دولة الإمارات المرتبة الثامنة عشرة بين دول العالم من ناحية الدول الأكثر استخداما للشبكة نسبة إلى عدد السكان حيث جاءت هذه النسبة لتعطي الإمارات الصدارة في القائمة لتسبق عددا من دول العالم المتقدم ومنها اليابان وروسيا وأيرلندا في هذا الصدد في الوقت الذي تعتبر فيه السوق المحلية من أنشط أسواق المنطقة فيما يخص قطاع تقنية المعلومات حيث تشير الإحصاءات إلى أن قيمة السوق المحلية لهذه التقنية تصل إلى 1.2 مليار دولار سنويا. التعليم والتعليم نقطة مهمة يجب أن نأخذها مأخذ الجد في هذا الاتجاه وقد يتساءل البعض حول العلاقة التي تربط ما بين التعليم ومشروع الحكومة الإلكترونية إلا أن الصلة وثيقة والعلاقة حتمية حيث أن التعليم هو المصنع الذي يخرج لنا الأجيال القادمة من الشباب الذين يشكلون لبنات البناء الاجتماعي الجديد وهو المجتمع الذي سيجد نفسه وجها لوجه مع النظام الحكومي الإلكتروني فمن هنا تأتي أهمية أن نرعى العملية التعليمية اهتماما خاصا مع ضرورة التركيز على الجوانب التقنية والتكنولوجية لكي نزرع في أبنائنا قيمة جديدة بالاعتماد على التكنولوجيا ولكي نخرج شعبا قادرا على التعامل مع الإنترنت بيسر وسهولة فالجمهور هو لب القضية. في الوقت نفسه يشكل التعليم عنصرا خطيرا إذا ما نظرنا إليه على أنه المصنع المطالب بتخريج الكوادر الفنية الجديدة التي تمتلك أدوات التعامل مع لغة العصر الحديث والتي ستضطلع بمسئولية خطيرة وهي مسئولية التطوير خلال السنوات المقبلة ومع النمو الهائل في هذه الصناعة داخل البلاد لابد وأن نعمل على تفريخ أجيال جديدة من العناصر الفنية الماهرة والمدربة والمؤهلة لخوض هذا المجال والإبداع فيه وقد شكل مشروع التعليم الإلكتروني الذي أطلقه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع خطوة مهمة ومؤثرة في هذا الاتجاه لتقدير سموه لخطورة تلك النقطة في المسيرة التي رسمتها البلاد لنفسها خلال المرحلة المقبلة. وهناك العديد من الجهود الجادة والمخلصة التي تتضافر لتحقيق تلك الغاية ومن بينها مدينة دبي للإنترنت وجمعية الإمارات للإنترنت ومشروع المعهد التقني وغيرها حيث تحاول تلك الجهات خلق بيئة جديدة خصبة لنمو ثقافة الإنترنت وغلغلة فكر تلك الثقافة في عقول أبنائنا من خلال عدد من أساليب التشجيع والتحفيز لحث الشباب خاصة على اقتحام هذا المجال بوعي وإلمام في الوقت الذي تشير فيه الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من سكان الدولة تتركز في فئة الشباب مما يعضد من فرصة الدولة في تحقيق إنجازات طيبة من خلال تلك الفئة التي تشكل النسبة الأكبر من مستخدمي الإنترنت في العالم. وهناك بالطبع العديد من الجوانب الأخرى التي لابد وأن نعيرها اهتماما كبيرا في توجهنا نحو تكامل مشروع الحكومة الإلكترونية ومن بينها توفير الأطر القانونية المحددة للمعاملات الإلكترونية والمبادلات التجارية الإلكترونية وذلك من أجل خلق بيئة الثقة اللازمة لنمو المجتمع الإلكتروني الذي لن يتحقق إلا بتوافر عناصر أخرى منها إيجاد نظام دفع الكتروني آمن حيث يمثل الأمن واحدا من الهواجس الرئيسية في بيئة الإنترنت حول العالم ويتشابك أيضا مع قضية الإطار القانوني الذي يوفر النظام الجزائي للخارجين عن القانون إضافة إلى البنية التحتية القوية التي تحتاجها القطاعات الاقتصادية المختلفة من جهة والجهات الحكومية من جهة أخرى إضافة إلى توافر التقنية وانتشار الإنترنت في داخل خلايا المجتمع بكافة طوائفه وفئاته وهي البيئة الرئيسية التي تجرى من خلالها تعاملات الحكومة الإلكترونية. وللحديث بقية.