كان أهم ما تنتظر سوق النفط العالمية ـ وكذلك منتجوه ـ من الإدارة الأمريكية الجديدة إعلانه هو ملامح سياستها النفطية. وبإعلان الرئيس الأمريكي بوش الابن مواصلته السياسة التي تتبعها، حتى الآن أمريكا والدول الصناعية الكبرى, فإن سوق النفط بإمكانها أن تعلن هي الأخرى أن مشكلتها بلا حل.. كيف؟! لأن جوهر السياسة المعنية هو رغبة هذه الدول في زيادة الإنتاج مع المحافظة على مستويات منخفضة للأسعار, وهذه تحديدا هي المعادلة النفطية الصعبة, لأن خفض الأسعار بداهة لن يسمح للدول المصدرة بزيادة إنتاجها. فهل تملك إدارة بوش حلا لهذه المعادلة؟! أعطى الرئيس الأمريكي الجديد, جورج بوش الابن, مؤخرا أولى المؤشرات الخاصة بالسياسة النفطية التي ستتبعها إدارته. ففي حديث له في العشرين من ديسمبر الماضي, أعلن بوش الابن أن الولايات المتحدة سوف تبذل مجهودات دبلوماسية كبيرة بهدف إقناع دول الأوبك بفتح (صنابير النفط) على حد قوله! وبعبارة أخرى ينوي الرئيس بوش أن يواصل السياسة التي تتبعها ـ حتى الآن ـ كل من الولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى, والتي من خلالها تتم ممارسة ضغوط على الدول المصدرة للنفط كي تقوم بزيادة إنتاجها والمحافظة على المستويات المنخفضة نسبيا للأسعار. والمشكلة تكمن في أن كلا من زيادة الإنتاج والمحافظة على مستويات منخفضة نسبيا للأسعار هما طلبان لا يمكن التوفيق بينهما, باعتبار أن الأسعار المنخفضة للنفط تجعل من الصعوبة ـ إذا لم يكن من الاستحالة ـ توسيع الطاقة الإنتاجية اللازمة لمواجهة النمو الضخم المتوقع في احتياجات العالم للطاقة, وذلك سواء من قبل دول الأوبك أو غيرها. وأي تأخير في إمداد الطاقة الجديدة المطلوبة سيؤدي أيضا إلى ظهور خطر حدوث نقص في العرض بالنسبة لحجم الطلب, وبالتالي حدوث أزمة نفطية جديدة. واليوم نجد أن هذا الخطر أصبح أكبر بكثير, لاسيما وأن الطاقة الاحتياطية لدول الأوبك لاتزيد عن 2.2 مليون برميل يوميا, بينما كانت هذه الطاقة أكثر من 9 ملايين برميل يوميا العام ,1978 وهو العام الذي سبق الثورة الإيرانية وأزمة انفجار الأسعار عامي 1979 و1980. والآن تقدر طاقة الإنتاج الكلية لدول الأوبك الإحدى عشرة مجتمعة بنحو 47.31 مليون برميل يوميا, وهو الأمر الذي يقل بنحو 08.7 ملايين برميل عما كان عليه الوضع منذ 22 عاما, عندما بلغت هذه الطاقة العام 1978 نحو 55.38 مليون برميل يوميا. وسيتطلب الوضع في الأعوام المقبلة أن تزيد الإنتاجية الفعلية لدول الأوبك إلى 1.44 مليون برميل في اليوم بحلول العام ,2010 وإلى 8.61 مليون بقدوم العام ,2020 وذلك من أجل تغطية الزيادة المتوقعة في الطلب العالمي, طبقا للتوقعات التي أوردتها وكالة الطاقة الدولية في تقرير لها صدر في الأول من ديسمبر الماضي. وهذا يعني أن دول الأوبك ستكون في حاجة إلى طاقة إنتاجية تصل إلى 46 مليون برميل يوميا على الأقل بقدوم العام ,2010 و64 مليون برميل يوميا بقدوم العام ,2020 وهو الأمر الذي يعني أن هذه الدول عليها أن تضاعف مرتين طاقتها الإنتاجية الحالية خلال العقدين المقبلين. وحتى إذا تم افتراض أن النمو في الاستهلاك العالمي للطاقة تباطأ, وأن الطلب على نفط الأوبك بحلول العام 2020 سيكون فقط 55 مليون برميل يوميا كما توقعت المفوضية الأوروبية في كتابها الأخضر, فإن هذا يعني أن الطاقة الإنتاجية لدول الأوبك لايزال عليها أن تزيد إنتاجها بنحو 26 مليون برميل في اليوم خلال العقدين المقبلين.